المَدْرَسَة .....تَــنْشُرُ الفَـقْرَ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المَدْرَسَة .....تَــنْشُرُ الفَـقْرَ!

  نشر في 10 غشت 2020 .

....وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.... كاد الفقر أن يكون كفرا ...لو كان الفقر رجلا لقتلته , اليد العليا خير من اليد السفلى , ذريني للغنى أسعى فإنّي رأيتُ الناس شرّهم الفقير ....اِحْلِيلِي على الدّراهم اللّي خَلّتني رَاهِم ....وغيرها من الشواهد الفصحى والشعبية الشرعية والعُرفية كلها تصب في ساقيةوسياق تقبيح وذمّ الفقر بل و الاستعاذة منه , إلا في المدرسة الجزائرية فكلّ الشواهد تحثّ عليه و تجمّلُه!

لم أكتب هذه المقالة و أنا تحت سلطة النقد, بل كتبتها و أنا تحت سلطة تلميذِنجيب استنطقته بسؤالين بسيطين بحجم عمره الذهني و المعرفي عميقين بحجم قصدي النقدي : كيف ترى الفقير : هو ذلك الذي لا يملك نقودا, الطيب الذي يفعل الخير و يجب أن نفعل معه الخير ونعطيه ...ويلبس لباسا مهلهلا؟

وكيف ترى الغَني : الغني جشع شرّير , والإنسان عندما يصبح غنِيّا يتكبر و يحتقر الناس دائما ....!

هذه الكارثة أو الاختلال الدّلالي القيمي لم يُولد به هذا التلميذ , وغيره من تلاميذ المدرسة الجزائرية ,بل هو درس تلقاه هناك ....هنا في مدارسنا ....

كثيرا ما صوّرت لنا نصوص القراءة الفقير ذلك الطيّب العطوف ,المحبّ للخير التّواق لفعله المستحقّ للعطف والتصدّق, فالمستهلك لهذه النصــوص يصدّق بل و يعتقد اعتقادا لا يقبل الشكّ و الرّيب بأنّ الفقر قَرِينُ الرأفة والطيبة و الرحمةوالخير , أما الغِنَى فقَرِينُ الشرّ والكِبْر والطّغيان والظلم , يصوّر الغني ذلك الجشِع الشرّير الذي يأكل مال أخيه و يسلّمه للأعادي ويقتله .... يسرق و يعتدي , و كأنّ الفقراء مَلَائِـك لا شرّ فيهم ,أما الأغنياء فلا خيرفيهم أو منهم يرتجى !

هذه السوداوية في تصوير الغني , والجمالية في تصوير الفقير تستدعي قراءات على عدة محاور منها:

1ـــ اقتصاديا:إنّنا نسعى لتكوين مواطن بمعايير الحدّ الإنتاجي الأدنى , لذا فلا عجب إن وجدنا أنّ المتسربين من المدرسة هم أكثر فعالية ,و إنتاجية و احترافية في استنطاق الصخر والوقت دينارا... و أكثر إخلاصا للمهام التي يتقلدونهافي التجارة والزراعة والبناء وغيرها , وهنا قد نقف على صفة انعدام الفعالية الأصيلة في المثقف الجزائري التي أشار إليها مالك بن نبي في الفترة الاستعمارية و ظلت المدرسة تكرسها عبر تدريس الفقر الجميل و الغنى القبيح.

2ـــ أخلاقيا:نوقع التلميذ في فارق القيمة الأخلاقية بين ما يستهلكه في المدرسة حول ثنائية الغنى والفقر و ما يراه في مجتمعه وواقعه من معايير و قيم مخالفة تماما لما تلقاه في حجرة الدّرس , هنا تَـــؤُزُّه فطرته التي تهفو إلى الأكمل و الأكرم ...والأعلى...فتسقط المدرسة في الحَرْفِيّة الخشبية أو المثالية التي تؤدّي بالمتعلّم إلى عدم الثقة في خطابها و قيمها عندما تنمو مداركه في مراحل التعليم المتقدمة أو إلى النفور منها أصلا .

3 ـــ اجتماعيا: يمكننا أن نقرأ في هذا التصوير المتوارث إصرارا على إعادة إنتاج الطبقية الاجتماعية, ليظلّ الفقير و متوسط الحال على حاله عبر مخاطبة عقله الباطن في سنّه الصغيرة و إيصاله إلى قدرية الفقر و جماليته, و هذه الفئة الفقيرة ومتوسطة الحال هي الغالبية العظمى من مستهلكي هذه النصوص , إذْ لا حظّ لهم في المدارس الخاصّة ومصادر المعرفة غير المدرسية الأخرى...

أما تربويا فأرى أن مهمتنا ومهمة المدرسة قد نجحت عندما أجاب و يجيب تلاميذ مؤسساتنا التربوية ....بإجابة كالتي ذكرناها قبلا ........تمدح الفقير و تذمّ الغني , تبحر ضدّ تيار الشّرْعِ والعُرْفِ و المنطق.....الإنساني!


  • 3

   نشر في 10 غشت 2020 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 2 شهر
مقال جيد يقدم طرح رائع لقضية الغنى والفقر فى المجتمع بالفعل ليس كل الفقراء ملائكة أو نموذج للطيبة وحسن الخلق ولا كل الأغنياء أشرار انما هى عوامل بيئية واجتماعية واخلاقية ترتبط بنشأة الشخص نفسه وجذوره، فالنفس الانسانية فى أصل خلقتها مهيأة للميل للفجور أكثر من التقوى( فألهمها فجورها وتقواها) ويرتبط البغى بالغنى ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض) وكذلك يرتبط طغيانه باحساسه بالاستغناء عن البشر
( كلا ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى) فمن يهذب تلك الجبلة الخلقية هو النشأة المجتمعية السوية كما أسلفنا .. وليست المدرسة فقط التى تنشر هذا الفكر بل أيضا البيئة والفن وبخاصة السينما ..كلمات لو لم تكن عميقة الفكر والرؤى لما أثارت تلك الأفكار .. تحياتى وفى انتظار المزيد دام قلمكم.
1
نجاة طهراوي
حييت بالخير أستاذ عبد الجواد أسعدني مرورك واضافتك ....سلمت
مقال رائع , طرح مميز ومفيد , في إنتظار كتاباتك القادمة .
1
نجاة طهراوي
بوركت وسلمت اسما ورسما وذوقا وحرفا ....هاجر
هاجر جاب الله
سلمت كلماتك الرقيقة , أشكرك .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا