أداء سوق العمل الامريكية ومستقبل الاقتصاد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أداء سوق العمل الامريكية ومستقبل الاقتصاد

تداعيات بيانات سوق العمل الامريكي القوية على الفيدرالي والأسواق والاقتصاد العالمي

  نشر في 10 يوليوز 2022  وآخر تعديل بتاريخ 12 يوليوز 2022 .







الدكتور جمال المصري

ما أن صدرت بيانات سوق العمل الامريكي يوم الجمعة الفائت، 8 تموز 2022، حتى بدأت التساؤلات والتكهنات حول تداعياتها على قرارات الفيدرالي المقبلة قبل نهاية هذا الشهر وعلى أسواق السندات والأسهم والذهب والنفط.

فقد جاءت بيانات سوق العمل الأمريكي أقوى مما كان متوقعا ما أسهم في إبقاء معدلات البطالة الأمريكية مستقرة عند مستوى 3.6% بما يتوافق مع توقعات الأسواق والقراءة السابقة والتي سجلت نحو 3.6% بنهاية أيار الماضي. حيث اشارت إلى نجاح الاقتصاد الأمريكي في إضافة وظائف جديدة بأقوى من التوقعات السابقة رغم التسريحات الواسعة التي شهدها عدد من القطاعات منذ نهاية شهر أيار الماضي.

فقد أظهرت البيانات الصادرة مؤشرات  إيجابيةومفاجئة للأسواق عن أداء سوق العمل الأمريكي خلال شهر حزيران الماضي، حيث ارتفع مؤشر التغير في التوظيف في القطاع الزراعي بواقع 372 ألف وظيفة، وجاء أفضل من توقعات الأسواق التي قدرت إرتفاع المؤشر بنحو 260 ألف وظيفة، ولكنها أقل من القراءة السابقة والتي سجلت نحو 384 ألف وظيفة خلال أيار الماضي.

وتعتبر بيانات سوق العمل الأمريكي بمثابة المؤشر الشهري الرئيسي والأهم الذي يقيس النشاط الاقتصادي؛ إذ أنه يضم كافة القطاعات الاقتصادية الرئيسة إلى جانب القطاع الزراعي. حيث تبين تفاصيل بيانات سوق العمل الأمريكي الصادرة عن ارتفاع

التوظيف في قطاعات خدمات الأعمال، الضيافة والرفاهية، قطاع الرعاية الصحية، والنقل والتخزين بنحو 74، 67، 57، و 36 ألف وظيفة على الترتيب. كما كشفت عن أن قطاعات المعلومات، المساعدات الاجتماعية، والتعدين قد أضافت نحو 25، 21، و 5 ألف وظيفة. بينما لم يشهد التوظيف في قطاعات البناء، تجارة التجزئة، والخدمات المالية، والقطاعات الحكومية تغيرا ذا قيمة.

هذا، وتعتمد العديد من المؤشرات الاقتصادية الأخرى على هذا مؤشر التوظيف هذا الذي بالاضافة لما يشكله من تقييم مبكر لأداء سوق العمل أداء سوق العمل فأنه من المدخلات المهمة في نماذج توقع النشاط الاقتصادي الكلي وتقديرات معدلات النمو  والإنتاج والدخل المبكرة؛ كما أنه يلعب دورا مهما في التأثير على الجانب النفسي والمزاج العام وحالات التشاؤم او التفاؤل ودرجة التأكد بأسواق المال في الفترة التي تعقب صدور هذه البيانات وفي نشؤ المخاطر او التخفيف منها. 

مباشرة بعد صدور بيانات سوق العمل الأمريكية القوية يوم الجمعة ارتفع مؤشر سعر صرف الدولار الأمريكي. ويمكن تفسير ارتفاع سعر الصرف لما تشكله ايجابية المؤشرات من دعم للفيدرالي ولرئيسة في اتخاذ قرار رفع سعر الفائدة المنتظر في وقت لاحق من الشهر الجاري وتؤشر على استمرارية قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل التشديد النقدي القوي. ويساعد هذا الفيدرالي زيادة احتمالية تشديد سياسته النقدية بأقصى قوة في ضوء بيانات التضخم التي  جاءت سيئة للغاية وفوق أعلى مستوياته في أربعين عاما.

 إلا أن إرتفاع مؤشر بلويمبرغ لسعر صرف الدولار  والذي كان له تأثيره الواضح على انخفاض أسعار صرف العملات الاخرى وفي مقدمتها اليورو وعملات الدول الناشئة وعلى سعرةصرف الروبل الروسي ايضا هذه المرة وعلى  اداء اسواق الاسهم والسندات السوق لم يكن بذلك الارتفاع الكبير حيث بقي يترواح حول مستوى 107٪ وصولًا إلى 107.2 ولا يستطيع في الوقت الراهن إيجاد قوة كافية لتجاوز هذا المستوى والذي سيتمكن من تجاوزة بالمؤكد بعد أن يتخذ قراره برفع سعر الفائدة في الثلث الأخير من هذا الشهر والذي يبدو انه سيكون صارما وحاسما وقد يتجاوز التوقعات السابقة برفع يتجاوز مقدارىالرفع السابق 75 نقطة أساس وصولا إلى 100 نقطة أساس حيث بات هذا احتمالا واردا وخصوصا بعد تصريحات رئيس الفيدرالي في منتدى البنك المركزي الاوروبي في مدينة لشبونة في البرتقال قبل أقل من اسبوعين من اليوم.

ورغم ذلك، يستمر نذير الركود في السوق قويًا مع زيادة التوقعات برفع الفائدة بشكل صارم في الاجتماع المقبل والذي بات وشيكا. ويغذي ذلك تفاعلات الأسواق والسندات والفيدرالي والأخير بحجم وسرعة إستجابته التي تحكمها كثير من الاعتبارات التي يريد الفيدرالي بها أن يستعيد الثقة التي اهتزت للشعور بأن الفيدرالي تأخر كثيرا وتباطأ قبل ان يبدأ بالتشديد النقدي في نهاية شهر شباط الماضي بعدما بقي يجاظل بأن التضخم عابر ومؤقت ليعود ويعترف بخطأ تقديره. ويسعى الفيظرالي اليوم للتكفير عن خطأ تقديره وعن تبأطؤه في التحرك في الوقت المناسب وهو إتهام وجه اليوم بذات القدر وربما أكثر للبنك المركزي الأوروبي ورئيسته كريستينا لاغارد التي أصبح يشار إليها في اوروبا بلقب "مس الانفليشن" اي "سيدةالتضخم" علاوة علىةالضغوك السياسة من الكونجرس والرئيس الامريكي شخصيا ومن وزيرة الخزانة الامريكية والتي تجتمع اراؤهم على ضرورة التخلص من التضخم بأي ثمن ، حتى ولو كان بالطريقة الفوكلرية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

أما عن تفاعل سوق السندات، فقد كان التاثير بداية أن انقلب منحنى العائد بين السندات لأجل عامين والسندات لأجل عشرة أعوام؛ بتسجيل عائد السندات لأجل عامين 3.1067 ليتجاوز عائد سندات أجل 10 أعوام الذي سجل 3.063، وهو ما يعد نذيرًا للركود المقبل وإشارة قوية لقرب حدوثه. ويضر انقلاب منحنى العائد ببسوق الأسهم والميل لتجنب المخاطرة لدى المستثمرين.  يمكننا ان نرى ذلك  في تراجع بأكثر من 180 نقطة لمؤشر داو جونز بأكثر من 180 نقطة، و بـ 1.33% لعقود مؤشر ناسداك. وكذلك على سوق الذهب الخائف كلما ارتفع سعر الدولار بسبب زيادة جاذبية الولار على حساب انخفاض جاذبية الذهب وكون الولار اصلا استثماريا اكثر أمانا. وكذلك، لا يختلف الأمر بالنسبة لسوق النفط الذي انخفضت اسعاره بشكل حاد متضررا من ارتفاع سعر الدولار الذي الذي سيزيد تكلفة النفط فوق تكلفته المتأتية من جانب نقص النعروض منهوزيادة ميل الدول للتحوط، وعودة شبح  حدوث الركود للاقتصاد وللأسواق ما يقلل من الطلب المتوقع على النفط وخصوصا على العقود الأجله المستقبلية للطلب عليه.

إلا أن تصريحات مغايرة جاءت من خبراء بنك اوف امريكا بعد صدور بيانات سوق العمل قالوا بأنه قد اتضح لهم بأن التضخم ليس عابراً، وأن الأمر سيستغرق وقتاً لتهدئة سوق العمل والمزيد من الوقت لخفض التضخم الناتج عن تكلفة العمالة، في إشارة في بدء تأثر الاجور ارتفاعا والذي يعتبر أهم المؤشراتوعلى بدء الدخول في مرحلة الركود التضخمي. كما توقعوا أن التضخم يحتاج لعامين تقريبا كي ينخفض لـ 2% أو أقل من المستهدف في غضون؛ وأن ذلك لن يكون بلا ثمن؛ لأن تحقيق هدف كهذ يتطلب حدوث تباطؤ اقتصادي حاد بداية.

لكن البيانات القوية عن مستوى التوظيف في سوق العمل جاءت بهدية لم تكن منتظرة للفيدرالي  بأن قدمت له  مساحة أوسع للتحرك؛ فصار بإمكانه الآن رفع معدل الفائدة دون خشية أن يضرب الاقتصاد أو يضر بسوق العمل، الذي يبرهن الآن على قوته. وذلك بالرغم من وجود إشارات حدوث الركود التي ينظر لها الفيدرالي بأنها ضعيفة وأنها لا تستوفي كامل الشروط بعد لتجبر الفيدرالي على تعديل وجهته. ويؤكد نظرة الفيدرالي هذه تفاصيل محضر اجتماع لجنة الفيدرالي النقدية السابق والذي لا يعتبر حدوث الركود امرا مؤكدا وبأنه إن كان له سيحدث ففي النصف الاول من عام 2032؛ لكنه لن يدوم طويلا.

بقي ان نقول بأن الركود التضخمي قادم لا محالة، وخصوصا بعد ما يشير له متتبع أو مقياس الناتج المحلي الإجمالي التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا الأن، وهو نموذج يتتبع البيانات الاقتصادية في الوقت الفعلي Nowcasting ويحدث نفسه بشكل مستمر ، إلى تسجيل انكماشً في إنتاج الربع الثاني بنسبة 2.1٪ على الأغلب، وذلك بعد أن كان قد سجل تراجعا في الربع الأول بنسبة 1.6٪. وبهذا يتحقق التعريف الفني للركود؛ بتسجيل انكماش في ربعي سنة متتاليين.

ومنبع الخطورة في ذلك تداعيات ذلك على الدول الأخرى؛ فكما صار ثابتا ومعروفا بأنه "إذا عطست الولايات المتحدة، فإن كل العالم يصاب بالزكام". هذا قول مشهور يردده كثيرون في اكثر من شأن، لكنه حقيقي ويصدق في الاقتصاد ربما اكثر منه في السياسة؛ وخصوصا في وصف إنتقال الأثار الاقتصادية عبر الحدود, او ما يسمى بأثر العدوى. فهذه العدوى ستنتقل سريعا إلى الدول الأخرى وخصوصا الدول التي ترتبط اقتصاداتها بالاقتصاد الامريكي وبعملة الدولار الذي تفقد الصادرات تنافسيتها كلما ارتفع سعر صرفه واصبح مبالغا في تقييمه، وينطبق هذا حتما على صادرات الصادرات الصناعية غير صادرات المواد الخام والتعدينية في الدول التي ترتبط عملاتها بالدولار وعلى راسها  بلدنا الأردن طبعا.

 ومن المؤسف أن لا لقاحات تصنع المناعة لهذه الدول ضد هذه العدوى واعراضها. ومن المؤسف أيضا أن علاجات السياسة النقدية غير فاعلة البتة في حالة الركود التضخمي، بينما الترياق في هذا الوضع هو في أن إجراءات السياسة المالية؛ من تخفيضات ضريبية وتعزيز لشبكة الأمان الاجتماعي والتوسع في الدعم للتخفيف من تأكل القوة الشرائية وانخفاض الدخول الحقيقية، وفي تبني سياسات جانب العرض. ولا مهرب من اللجوء إلى هاتين السياستين في تالي الأمر على غرار ما حدث في بداية الثمانينيات من القرن الماضي بعد موجة الركود التضخمي المعروفة في نهاية السبعينيات في  امريكا في عهد الرئيس الامريكي ريغان وفي عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر  في بريطانيا. وهو الملجأ الوحيد الذي لا تلوح بوادر نية لدى صناع السياسة الاقتصادية في اللجوء إليه من اتباعه، ويبقونه احتمالا قد لا يتم الاقتراب منه بحجة عدم زيادة العجز المالي والذي كسرت قواعده كل دول العالم المتقدمة منها قبل النامية، فالتمسك في ضبط العجز قد يضر باكثر مما ينفع فقد يفيد بتنمية الاقتصاد اذا احسن توجيه الزيادة فيه لتعزيز نمو القطاعات الانتاجية وتخفيض تكلفة الإستثمار، فالعجز ليس أسواء من مشاكلنا الاقتصادية الأخرى ولن يكون.  

فهل نغير نظرتنا غير المفهومة والتي لا لم تعد تقبل التفسير؛ والتي بقيت سائدة على مدى العقدين الماضيين؛ بعدم الحاجة لإصلاح الشرخ إن بدى واضحا في الاناء قبل أن ينكسر وأن نبقى بإنتظار أن ينكسر تماما، وقد لا يعود ممكنا تجميع شظاياه واعادته كما كان جميلا. 




  • 1

   نشر في 10 يوليوز 2022  وآخر تعديل بتاريخ 12 يوليوز 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا