كورونا : داء العطب مُستجدّ (1/2) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كورونا : داء العطب مُستجدّ (1/2)

  نشر في 03 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 05 أبريل 2020 .

ممَّا لا شك فيه أن الوباء أضحــى معادلة صعبة، وحتى قبل انكشاف سرعته في حرب الكرِّ والفر والفتكِ حفيد الأسرة الكوفيدية التاسع عشر المُسْتَجَد هذا، آثر الوباء الجائح/الجانح/الفادح/الفاضح أن يرسم للإنسانية والفرد النائح/الرازح في المَقْبَعِ والحجر وَ "الكارنتينا" شِعْبَةً وشِرْعَةً تُختطُّ قوانينها الحَمُّورابِية الجديدة، سيما وأنها - أي البشرية - اشتطَّت وشطَّت وخالطت الحِلَّ بالحرام، المشروع باللامشروع، الصالح بالطالح، دون أن ننسى تلكمُ السوق التي فرغت من وقع الأقدام والأيدي والباعة والمعروض والـ Brands المعروفة عالميا، واستبدل السوق المتنوع وجهه المعروف بحُمّى التسابق نحو ابتياعِ السلع وَوَرق الحمَّام و"هلع/خوف الشراء Panic Buying''، وبات التنافس أكثر في تزويد السوق بالمواد الغذائية التي تبحث طريقها إلى البطون الجائعة اللاَّئِعة.

فلا غرو أن تجد من يلكُم ويرفُس من أجل زجاجة "نوتيلا Nutella" ولا رؤية من يلثُمُ من أجل "كِسْرَةِ" خبز، أو من "يَرْتَجِي" رجال السلطة وهم يهمُّونَ بغلق محله دون هوادة ولا نقير رحمة تقيدا بأوامر صارمة، فالتهاون مهما كان وتحت أية يافطة تخفّى وجب ألا يحل محل التعاون، ولا التهوين بدل التهويل أيضا، لأن سفينة نوح الجديدة قد تغرق في أية لحظة ما لم يدَّاركها راكبوها برزانة الوعي والتضامن والتعاضد حتى ترسو على شطآن النجاة والعافية.

كما لم يعد مشروعا حتى - وهي سلوكيات جديدة وجب اعتيادها - وابل التقبيل والحَضْنِ والضَّم والمُخَالطة والتحيات المعتادة، وأضحت مسافة الأمان ضرورة في التطبيق داخل البيوت المحجورة عبر سلوك "التباعد الاجتماعي Social Distancing" الشبيهة بمسافة الأمان على الطرقات حيث تتسيد مقولة "la loi du plus fort أو أَثَرَةُ/غلبةُ الأقوى" التي لها فصل القول والخطاب، وألاَّ نركب مقامرة الغرور وتصحبنا مخاطرة أنانية الاستهلاك، التي لا محالة لو استمرت ستكون الهالكة المُهلــكة.

 نوبة "هلع الشراء Panic Buying" أصابت جل المتاجر في العالم

هل البشريـــة في مفترق طرق ؟

الجواب عن مثل هذا الصنْوِ من الأسئلة حرِيٌّ أن يكون أسرع من انتشار الفيروس، وبما أن الفيروس قد أحكم سطوته واستشرى بِبُلْغَتِه  في مناكب الأرض، وأضحى الانسان الكوفيدي (نسبة إلى كوفيد-19) أو ‘’الهومو-كوفيدوس Homocovidus‘’ سواء منه العليل أو السليم في عيٍّ باحثا عن أدوائه وحاثًا في طلب رزقه ويسائل عن مصيره المجهول بعد الجائحة، واحتمل الأمر نقاشا عنيفا ومقالات وبرامج حوارية نارية في أصقاع الأرض على القنوات العالمية وفي الصحف والمواقع بين حواريِّي الاقتصاد، وأساطين علوم الطب، وطَيَالِسَةِ علوم الجغرافيا السياسية أو الجيوبوليتيكا، وطبعا احتد أكثر بين أساقفة السياسة في مختلف البلدان، سواء انتهاء بمُخرجات قمة العشرين 2020، أو ما سبقها بقليل من مؤتمرات ولقاءات عاجلة على ُصعُدِ دواوين ودواليب مسؤولي "منظمة أوبك" وأعضائها المصدِّرين لسائل الذهب الأسود الذي تقهقر إلى سومة 26 دولارا للبرميل حتى هذه اللحظة، في طارئة غير مسبوقة، وكذا خرجات واجتماعات منظمة الصحة العالمية المتكررة التي تلقي إلينا يوميا بوابل من شواظِ ونارِ الأخبار غير السارَّة غالبا، وغيرها من بوارِقِ الآمال على قلتها بين لحظات وأُخر متفرقات.

وقد حَزَبَ الأمر بأصحاب المنظمات الاقتصادية الكبرى على غرار "صندوق النقد الدولي" وَ "البنك الدولي" وَ "الخزانة الأمريكية" أيضا لاقتراح مساعدات مالية بتريليونات الدولارات، بل أصبحت تُأَمِّل مساعدة الدول التي ستواجه حتما صعوبات جمة في سداد ديونها "لبنان على سبيل المثال لا الحصر"، ناهيك عن وضعها الصعب في مواجهة تداعيات الوباء الجائح الذي لا يؤمن بحدود الجغرافيا ولا توقفه التأشيرات ولا يعبىء بالمؤشرات البشرية التي يُحطمها تواليا، بل وصل ألاَّ يفرق بين غني أو فقير، بين علية وأسافل، بين أكابر أَمَاثِل ولا بين حُقراء أَصَاغِر، ولا بين دول عظمى وصغرى.

كوفيدُنا في يدِنا لذا وجب التحرّز

كما هو معلوم فإن العادات والسلوكيات التي كانت من مُعتادات البشر، صارت اليوم أقرب إلى التعديل والتبديل وحاقها أيضا انقطاع مؤقت، فحتى وقتٍ قريب، لا أحد توقع وتَشَوَّفَ أن تصير الحميميَّات المعتادة من قبيل مصافحة أحدهم من عَاشِرِ المستحيلات، أو لمسُ أسطح الأشياء الذي كان أمرا عاديا جدا، بل حَلَّ بدله واجب التوقِّي بغسل اليدين وتعقيم الثياب والبيوت والأزقة والمقابض والسيارات والمداخل والمخارج وغلق أماكن التجمعات الدينية والسياحية والترفيهية. بيد أن الأمر الذي أصبح غريبا بادىء الأمر، صار شيئا مألوفا ولا يمر يوم دون أن نرى هذا المشهد الأقرب إلى المشهد الجنائزي وعمال التعقيم يمرون بكل زقاق ودرب وشارع وإدارة ومعمل ومطار ومدخل ومخرج، والضواحي والطرقات والشوارع المقفرة باتت تحت رحمة حالة الطوارىء.

رغم حظر الصلوات في بعض الدول، صلاة جمعة في بعض دول آسيا استعمال الكمامات واحترام مسافة التوقِّي الاجتماعية

ومن العادات التي تبدلت أن تجد الأيادي التي نمسك بها، ونشتغل بها، ونصافح بها وسيلة سريعة ناقلة للداء من عدوى رذاذ شخص مصاب، وأصبح الوعي بالنظافة أمرا لا محيد عنه، وواقعا يفرض نفسه، فالجنس البشري قد لا تقنعه ربما المحاضرات العظيمة عن معنى النظافة والتعقيم في الأيام العادية، لكن حينما يصير الأمر متعلقا بمصير الفرد بعيدا عن الفردانية، وبمصلحة الجماعة بعيدا عن التجمعات، وأن شبح الموت يصول بساطور المنايا مُلَوِّحاً، فإن الأمر عندئذ جلل، وما على البشر إلا الامتثال دون تأجيل أو ارتجال أو نَقِيرِ تقصير.

درهم وقاية خير من قنطار علاج

الدرهم والدولار واليورو والين واليوان والليرة والدينار وغيرها من عملات ورقية، بصرف النظر عن كونها ناقلا ومسهلا لانتشار وباء كوفيد-19، الأمر الآني أيضا هو تلكم البطاقات البنكية التي باتت ناقلة ووجب تعقيمها عند تعدد الاستعمال، وحتى المرور لصرف العملات الورقية على الشباك الآلي أضحى مقامرة إذا غاب اتباع قواعد السلامة.

أما الأدهـى واللامتوقع من عُتَاة الاقتصاد فهو أن يصيب هذا الفيروس عجلة الاقتصاد بنكسة وشلل حادين، والذي بحسب الاحصائيات فهو لا يقتل كثيرا مقارنة مع أوبئة أفتك وأشدّ، بيد أنه ينتشر بسرعة رهيبة، أي أن مكمن ضعفه في قوته، وقوته أيضا في ضعفه، وأن عشرات بل مئات الاقتصاديات العملاقة قد لانت وهانت وضعفت أمام استشراء المرض، وعُقدت المئات من الاجتماعات للخروج من نفق أزمة تلوح في الأفق، ولا تُعرف أبعادها وحدودها الزمنية ولا المكانية، حيث تفككت الأنشطة الاقتصادية المعتادة والكلاسيكية المرتبطة بالتصدير والاستيراد والتوزيع، وتم تحجيم حجم المبادلات، وانصرفت الحكومات لتدبير الموارد الآنية والضرورية، وأهمها الطاقة وحاجات غذائية وطبية وصرْفُ الموظفين للعطالة المؤقتة في الأنشطة غير الضرورية.

ومن الملاحظ أن حجم المبادلات التجارية قد تقلص ومُعَرَّضٌ للتقلص والاندحار لمستويات غير مسبوقة، وقد عاد للأذهان شبح أزمة 2008 الاقتصادية التي كسحت الاقتصاد الدولي، ويبدو أن تعداد التقاطعات بين الأزمتين الآنية والآنفة، يجوِّز لنا المقارنة مع وجود الفارق الكبير طبعا، وأن معالجة الوضع الوبائي أصبح مدخلا لحلول أخرى مستقبيلة ستكون مفروضة أو قسرية، وأهم درس يستخلص من اللحظة وراهنيتها ورهاناتها هو ما تقوله الحكمة الفرنسية "Prudence est mère de toute sûreté" أي أن وازع التوقِّي والحذر رهين بسلامة جماعية ورحمة بالكوكب المهدَّد بأخطار بيئية لا تقل خطورة، وربما أضحى حَرِيًّا بنا التفكير في المستقبل الآمن، بكل أنواع أمنه، حتى تقف البشرية من جديد، وتنظر إلى فداحة حجم الكارثة، وأطلالها الشبيهة بساحة معركة رهيبة وبشعة خلفت ورائها ضحايا من دم وطين وأشلاء هلكى يُدفنون في مقابر جماعية.

الطِبُّ والتعليم والوظائف في مَهَبِّ الرِّيح

الفيروس التاجي العابر للقارات الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، كما أخبرنا الإعلام الرسمي الدولي بذلك في تَمَظْهُرِهِ الأول بمدينة وُوهَان الصينية، وَهَان انتشاره على بعض المسؤولين في دول شتّى سِيما الغربية منها، جعلنا نفكر لوهلة أو نستفيق ربما على حقيقة صاعقة ماحقة، مفادها أن عصب الحياة على الكوكب ليس مرتبطا بغطرسة قوى الرأسمالية، حيث انصرف التفكير اليوم إلى إنقاذ أرواح الناس، مع تهاوي الأنظمة الصحية الغربية فما بالك بالأنظمة المتهالكة الهشة جنوبا في دول المعمور في الكوكب العليل، حيث أنه باستثناء دول الغرب، وبعض دول الشرق، فإن المنظومات الصحية تعاني قلة الموارد البشرية واللوجيستية والمالية، بل حتى تلك التي اعتقدت نفسها لوهلة أنها بمنأى عن دفن الجثث بعيدا عن أعين أهاليها خوفا من معاودة ظهور المرض وحرقها أو تعقيمها قبل دفنها، قد حال بينها وبين أوهامها هذا الغَازِيُّ التَّتارِيُّ (من التَّتَار) المستجدّ، وعاد من قبيل عدم التصديق أن تطالع عناوين هوليودية من قبيل "النظام الصحي السويسري ينهار أمام كثرة المصابين" وَ "انهيار الأطباء في المستشفيات الأمريكية بسبب الارهاق ونقص الامدادات الطبية" أو ''إيطاليا تقبل المساعدة الطبية من الصين بعد إحجام الاتحاد الأوروبي عن مد يد العون" .. والأخبار كثيرة في هذا الصدد.

استعانت الصين بتقنيات حاسوبية متطورة للتعرف على حالات الاِصابة بفيروس كورونا

وعطفا على الطب، لم يجد أرباب المؤسسات التعليمية في ربوع المعمور بُدًّا من توقيف الدراسة، والاستعاظة عن الدروس الحضورية داخل حجرات الدرس بأخرى جديدة ومستجدة أمام مِرْنَاةِ الحواسِب والشاشات التفاعلية عن بعد، عن طريق الربط بشبكة الأنترنت حيث الأستاذ والتلميذ والطالب جميعهم ينسجون خيوط عملية التعليم والتعلُّم بأنماط تلقينية مغايِرة عن مألوفَاتهم كيفاً وكمًّا، رغم أن مباشرة التلاميذ داخل الفصل لها أهمية قصوى، لكن ما باليد حيلة، ولا حيلة مع حِيَلِ الفيرُوس التَّاجي، ولولا نعمة الأنترنت لكُنَّا في مأزق آخر أَنْكَبَ وأَمَرَّ لا يقل سوءً عن مأزق التطبيب والعلاج. 

أما على صُعُدِ الوظائف، فقد مسَّها لُغُوب التغيير أيضا، وعاد مرجَّحاً التسريح المؤقت أو الفوري، أو العطالة المؤقتة أو العمل عن بعد السِّمة الغالبة لغالبية المقاولات، من كبيرها إلى أصغرها وحديثة المنشأ.

فغالبية الوظائف التي قدرت بنحو 25 مليون وظيفة في العالم باتت مهددة، أما الأجور والحقوق الاجتماعية للموظفين الصغار وهم كثر فقد حُرِمَ أو سيُحرم "المغلوبون منهم" أو "Les damnés de la terre" في قادم الأيام، وربما تضطر الشركات مع توقيف نشاطاتها في المعمور أو محليا لتسريح مزيد من الموظفين.

يُتْبَع ...


  • 2

   نشر في 03 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 05 أبريل 2020 .

التعليقات

بوركت اخي الفاضل المحترم اللهم ارفع عنا البلاء
1
بدر غياتي Badre GHIYATI
آمين سيدي الكريم، شكرأ على القراءة.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا