الجدال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الجدال

  نشر في 03 غشت 2020 .

حين يخوض إنسان جدالاً مع إنسان آخر فهو إنّما يضع عقله في ميزان واحد مع عقل مجادله، فإمّا أن ترجح كفّة عقله على كفّة عقل صاحبه فيغلبه أو ترجح كفّة عقل صاحبه على كفّة عقله فيكون من الخاسرين. وكثيراً ما يكون في الحالتين من الخاسرين.

فإذا ظفر بالجدال فإنّه لا يضمن أن لا يخسر مجادلَه، وإذا خسر الجدال فقد تقدح تلك الخسارة في قلبه شرارة بغضاء لمجادله أو على الأقل شرارة نفور منه، فيحدث في علاقتهما من الصدع ما كان يمكن اجتنابه باجتناب الجدال الّذي لا طائل تحته.

أمّا إذا استقرّت كفّتا الميزان وثبتتا متساويتين لا ترجح إحداهما على الأخرى فهذا يُنبئ عن تساو بين قدرتي عقلَي المتجادلَين، وهذا أعضل الجدال وأشدّه إرهاقاً لهما إذا ما اختارا المضي فيه بلا انقطاع.

وهكذا، فإن الضرورة تقتضي على كلّ امرئ أن ينظر في أيّ ميزان يضع عقله، وينظر في عاقبة هذه الموازنة أإلى خير تؤول أم إلى شر. ثم إن عليه أن يربأ بعقله عن أن يضعه في ميزان واحد مع عقل جاهل أو أحمق، فيمسي شبيهاً به: لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما.

ولا تكون الغلبة في الجدال من الأدلة على أحقيّة الغالب أو صحّة رأيه يقول علي بن أبي طالب عليه السلام: ما جادلت جاهلاً إلّا غلبني ولا جادلت عالماً إلّا غلبته.

فالجاهل إذا حذق فنون الجدال والمراوغة والمكر أمكنه أن لا يدع لك حجة الا نسفها وإن كانت واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بمراوغته وحيله وشبهاته. أما العالم فيلين لرأيك إذا لمس صحّته ويبخع له، لأنّ غايته ليست الغلبة وكسب جدال يعود على العلم بالضرر، وإن كان يعود عليه هو نفسه بالنفع، وإنّما غايته أن ينتفع العلم وطالبيه، إذا كان ممن صلح من العلماء، فلا يضيره أن تغلبه.

أما النقاش فهو ضرب مختلف من ضروب الحوار، فحريّة الإفصاح عن الرأي مضمونة فيه لكلا طرفيه (أو لجميع أطرافه إذا كانوا أكثر من اثنين)، والإصغاء بتوقير إلى المتحدّث حتّى يُتمّ حديثه لا يغيب عن جو النقاش، والاختلاف لا يفسد الودّ، والردّ على كلام الآخر يكون ردّاً جميلاً مؤدّباً، وتقبّل رأي الآخر وأن اختلف مع رأي المُحاور. وليست الغاية المبتغاة من إجرائه الغلبة والنصرة على الطرف المقابل أو الأطراف المقابلة، وإنّما البُغية منه بلوغ الحقيقة أينما كانت وعند من كانت.

وقد يصعب في بعض الأحيان اتّقاء الجدال وحفظ مسار الحوار دائراً في فلك النقاش، ووقايته من الخروج عن مستقرّه ليهوى نحو الجدال، وهنا تتجلّى كياسة المتحاورين وتقاس قوى عقولهم في قدرتهم على حفظ مسار حديثهم في الجادة الصحيحة واتّقاء الحياد عن هذه الجادّة. والأريب الفطن هو من يربأ بنفسه عن أن ينزلق نحو الجدال أو أنه يقطع الحوار ويَسلم.



   نشر في 03 غشت 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا