القراءة بين الشغف و الموضة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

القراءة بين الشغف و الموضة

  نشر في 14 ديسمبر 2020 .

يتوزع القراء بين ثلاثة أصناف أساسية :

صنف مسه الشغف فهو يقرأ ضمن خطة وطقوس محددة. يجيد انتقاء الكتب وتتبع أخبارها وإصداراتها، ويملك داخل كل مكتبة أو معرض خارطة طريق تتيح له إراوء شغفه بمقدرة عالية.

هذا الصنف يضم قلة من القراء؛ويكون حديثهم عن القراءة مفعما بالتعلق، وملهما لمن يأتي بعدهم. فكلمات الأديب العربي الموسوعي الجاحظ، أو نظيره المصري عباس محمود العقاد،أوالقارئ الأرجنتيني ألبرتو مانغويل وأستاذه خورخي لويس بورخيس، هي أشبه بالمنارات التي يهتدي بها القراء المبتدئون؛ تصف لهم كيمياء القراءة حين ترتطم بجدار العقل و الروح، وتحفز بشكل غير مباشر على أن تصبح علاقة المرء بالكتاب زواجا كاثوليكيا مستمرا حتى اللحد.

الصنف الثاني يتحسس خطاه في عوالم القراءة، لكنه يجمع بين قراءة محدودة وحديث سحري عن أجوائها وفاعليتها، بل حتى عن طلاسمها وغموضها المهيب. والقراء من هذه الفئة يأتي حديثهم عن الكتاب من باب الترويج لمؤلفه والإشادة به، كالصحفيين ومقدمي البرامج ذات النكهة الثقافية، والمتخصصين في الدعاية لدار نشر معينة. وغالبا ما يكون لحديث هؤلاء وقع عكسي حين يبالغ بعضهم في "التطبيل" لشاعرة أو أديب فيكتشف القراء أن إنتاجاته لا تتناسب مع حجم الدعاية، وأن تسليط أضواء الإعلام الكاشفة على حضوره الأدبي يضاعف مزالقه عند حدوث أزمات أو التعرض لموقف أو نقد!

أما الصنف الثالث فهم العائدون إلى الكتاب تحت تأثير الموضة السارية اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي. إنهم الشباب المتحمسون لفعل القراءة الجماعي، حيث تأخذ القراءة والكتاب شكلا فلكلوريا، واحتفاء مبالغا فيه. طبعا الفكرة لا تخلو من نبل، لكن توجيه فعل القراءة وتصويبه نحو غاياتها المعرفية والجمالية يظل محدودا أمام الانطباعات والمجاملات.

حين تكون الموضة محركا لاقتناء الكتب فإن فعل القراءة يصبح انخراطا في حملة هتاف جماعي؛ خاصة أمام تراجع وظيفة النقد. بينما يقتضي الشغف تملك حس نقدي، وتشكيل بوصلة ذاتية توجه القارئ لما يحقق المتعة والفائدة, ويغذي الحاجة الإنسانية للتغيير. نحن نقرأ، يقول هارولد بلوم، وغايتنا العليا هي تقوية النفس، والتعرف على اهتماماتها الأصلية.. إن متعة القراءة هي متعة ذاتية وليست اجتماعية.

إن تحرير فعل القراءة من تداعيات الموضة يتطلب العودة مجددا إلى الاستعانة بدلائل الثقافة الجادة. تلك الكتيبات التي تخضع للغربلة والحذف والإضافة بشكل دوري لتصبح مرجعا أساسيا في المكتبات. إنها طريقة سهلة وغير رسمية، يقول آرثر والدهورن، لبرمجة ثقافة المرء الفعلية، حيث يمكنه أن يتتبع موضوعا ما أو أكثر لفترة من الزمن، وهو على يقين من أنه لا يضيع وقته أو جهده. فكل المعارف البشرية موجودة في الكتب، لكن لا أحد بإمكانه قراءة كل الكتب الجيدة.

تعزز القراءة الخلفية الثقافية، مما يتيح للقارئ بمرور الزمن نضجا يؤهله لتخطي المتعة العابرة، وقراءة ما يسميه البعض كتبا "صعبة". غير أن الموضة باتت تحتفي بالقراءة الرخيصة، حيث النشوة المصحوبة برشفة من الفنجان أهم من تحرير خلايا الدماغ من الصدأ. قد يكون ذلك أحد أسباب التهافت على الروايات الصاخبة، وكتيبات التحفيز الإيجابي التي لا يزيد مفعولها عن حبة أسبرين.

إن عالما سِمتُه التعقيد لا يمكن تحمل العيش فيه بغير القراءة، فهي الدرع التي يحمي بها ما فضُل من إنسانيته، ويقاوم تسليع الروح، وتفتيت المعنى .


  • 1

   نشر في 14 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا