هنا اسطنبول! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هنا اسطنبول!

#يارا_العفيفي

  نشر في 17 أكتوبر 2019 .

لم تكن غربتي هذه المرة لاسطنبول كَسابقتها، كانت المسألة صعبة للغاية. وفيها مجازفاتٍ من درجة قصوى-كعادتي-. أن تمرّ الفتاة فينا بِثقل أبسط "التفاصيل" المعقّدة التي كانت تمر عليها في حياتها مروراً تافها [كان] لا معنى ولا قيمة له جادّة عندها، تفاصيل تشبه: إيجار البيت لكل شهر كل شهر كل شهر، فواتير الكهرباء والماء، تكاليف المأكل والملبس والمواصلات، مسؤوليات الشغل الكبيرة .. وفوقهم معاني الاغتراب الأكثر ضراوة في "وحدة"، أو بالأدق: الوصول لعدم الحصول على فرصة جيدة أو مريحة للتفكير في "وحدِك/ذاتك". كل هذا لم يكن سهلا.

في تركيا .. الحياة تسير برِتمٍ سريع، رِتم لا تستطيع أن تحصد عَجلته. الأيام تمضي كالبَرق، والعمر بكَ يُقتصر من العمل وفي العمل وللعمل لدرجةٍ من الثمالة مُفرطة. درجة قد تُستثار فيها كامل أعصابك. وحتى إن كنت بلا عمل، هي أيضا كذلك!

.

.

في تجربة قريبة، قررت الانتقال من أولى البيوت التي سكنتها في اسطنبول، نظرا لعدم راحتي فيها بعد كثرة عدد القانطين بشكل مزعج كثيرا. ونقلت لبيت آخر فَآخَر ثم لرابعٍ نظرا لموقع العمل وقربه. نقلت خلال حوالي أسبوع واحد لثلاثة بيوت قاطبة حتى وصلت لما أستقر عليه ويريحني.

[فكرة المأوى] .. "بيوتنا" التي امتلكها أهلنا في غزة والتي لم نكن لنعرف قيمة تلك النعمة لولا تجارب "كهذه" أو "الحروب".

العيش بمِلك، أو على أقل القليل العيش مع من يمكن لك التآلف معهم بالمسكن. والذي لولا هذا التآلف والراحة لَما سٌميَ "السَكَن" سكن؛ بل أي شيء زفتيّ آخَر!

وبالطبع/ أن تحصل على "نعمة" كهذه في بلاد غريبة عنك أو غريبٌ أنتَ عنها، بلاد تحتوي الآلاف من الجنسيات المختلفة واللهجات والأصناف والالوان وأبناء الدول المتعددة .. لَأمرٌ ليس هيّن. بتاتا. وهو نعمة بكل ما تحتويها الكلمة من معنى. نعمة تستحق كثير الحمد والشُكر. فلا شيء أكثر سوءا من أن تتورّط بالسّكن ودفع إيجار وتعوّد على موقع جغرافي ما ثم تسكن معك أو تجد نفسك أنت قد سكنت مع أناسٍ يعتبرون البيت أو بالأخص "خصوصيتك/راحتك" شيئا من إزعاج أو أذى أو حقد أو سوء أو سرقة أو حيونة!

.

.

"غزة" .. قد نسيت؟!

في مفهومٍ محدّد للوطن عندي، فهو كل ما يعني كلمتين لا ثالث لهما ولكن هناك ألف ثالث "منهما":

الحرية، والآمان.

غزة، البلاد التي خرجنا بسبب كل ما فيها من بؤسٍ وظلم مستفحل وفساد وإجرام وقهر ومرار وتعب وكآبة وبطالة وكل زفت وانعدام الأفق - لا ضيقه لأن حتى ضيق الأفق تجاوزناه زمان لحد ما ضاق على نفسه بنفسه-، البلاد التي سلبت منا كل الفرص إلا فرصة وحيدة اسمها "الموت، بالراحة!".

غزة التي استطاع حاكموها أن يغتصبوا عَرض عَرضها وقبل البدء "سَمّوا الله بصوتٍ عالٍ!"، -قالوا بسم الله-، غزة التي

طردت مئات الآلاف منا بكل الأدب، وفوقهم "قلة الأدب"، وبقيت لوحدها إما مع ثُلةٍ تنتظر من طردها "الخلاص"، أو آخرين .. اعتبروها أرض اللي خلّفهم، وقد كانت .. قد صارت!

.

.

مِثلي .. مثلي، الكثيرين جدا، اغتربوا، ها هم يذرفون كل معاني التحدي والتعب وعَرق الجبين والسّهر والعناء من كل خلية في أجسامهم وكل نبض في قلوبهم وكل نَفَس وخطوة وروح، وعصَب ..

ماذا نتج؟

أبناء قومٍ تأتيهم مئات الملايين لجيوب آبائهم ليسرحوا ويمرحوا في بلادنا الفاجرة، وامامهم: مئات الآلاف من قومٍ آخرين تُصاغ حياتهم بخطٍ عريض من "دم"!

.

.

#يارا_العفيفي

#هنا_اسطنبول


  • 2

  • Yara S. Alafifi
    فلسطينية الهوى والمنشأ، والمولِد الكائن بتاريخ 29 يناير للعام 199م في قطاع غزة،، وإنّي أَطرقُ ل [الحرية] باب.. أو أحاول!
   نشر في 17 أكتوبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا