كفانا حُكما على النّاس.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كفانا حُكما على النّاس..

  نشر في 06 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 مارس 2016 .

دخلت السيدة تومسون إلى القسم و ابتسامة تعلو شفتيها و هي تقول:"إنّي أحبّكم جميعا.."

نظرت إلى تلميذها تيدي و هي تُردّد في نفسها:"إلاّ أنت.."

كانت نفسها تشمئزّ من ملابسه المتّسخة و شعره الأشعث و رائحته النتئة..كانت تكره فيه كسله و حمقه و عدم تجاوبه معها و مع زملائه..

كرهتهُ إلى حدّ أنّها أصبحت تستمتع و هي تضع بالخط الأحمر علامة الغلط على أجوبته الحمقاء..

إلى أن جاء اليوم الذي كُلّف فيه مُعلّموا هذه المدرسة من قِبل الإدارة بمراجعة و قراءة السّجلاّت السّابقة للتلاميذ..كان تيدي في الصّف الخامس..ابن التسع سنوات..

كان على السيدة تومسون مُراجعة سجلاته السّابقة..منذ السّنة الأولى لإنخراطه في عالم الدّراسة..

                             أهو نفس التّلميذ؟؟؟؟

بهذا كانت تُحدّث نفسها..

مُلاحظات معلّم السّنة الأولى: تيدي ..تلميذ موهوب،ذكي،نشيط..

السنة الثانية: تيدي تلميذ ذكي ،مُلتزم،مرح،مُحبّب من طرف الجميع..و لكنّه مضطرب قليلا بسبب مرض أمّه العُضال..

معلّم السنة الثالثة: وقع على تيدي نبأ وفاة أمّه وقع الصّاعقة..تشتّتت معالمه..

كيف لا و قد فقد مصدرا للحب و الحنان و الإهتمام..

تيدي يبذل مجهودا جبّارا و لكن للأسف ابتُلي بأب غير مسؤول..لا يهتمّ لأمره و لمعاناته..

مُعلّم السنة الرابعة:تيدي طفل بليد،مُنطو،ينام أحيانا في القسم..لا يُشاركنا في أيّ شيئ..

فهمت السيدة تومسون..بكت لساعات..

لقد حكمت و ظلمت و قست على طفل كان أحيانا يتشابك مع ذاكرته..لإسترجاع أمّه..و أحيانا يُمسك بتلابيب قلب أبيه لعلّه يُعوّضه.. و أخرى يبحث عن معالمه ليستمرّ في تركيزه..لألاّتضيع من بين يديه سنوات دراسته..


يا الله!!!كم إحتمل هذا الطفل!!! و كم ظُلم..

وُلد حب كبير في قلب المعلمة ..أحبّته..دلّلته..قرّبته

و وُلد هو من جديد..يا لسحر الحب!! يا لهذا السر العظيم!! الذي يُحوّل الصّخر إلى قلب ينبض..

في عيد المولد الذي يسبق رأس السنة،تسابق التّلاميذ بهداياهم إلى المعلمة..كانت مُغلّفة بأوراق غالية،مبهجة،زاهية..إلآ هديّته..التي كانت تبدو بغلافها البُنيّ الخشن أحقر ما تكون..

علت ضحكات الصّبيان و خنقته نظرات إزدرائهم له..

قرّبته منها..فتحت هديّته أبدت إعجابها و دهشتها و فرحتها بها .. لم تكن في الحقيقة مصدر إعجاب..كانت عبارة عن إسورة فقدت معظم أحجارها، و قارورة عطر لم يبق منها إلآ الربع..

تعطّرت بعطره ..ضمّتهُ إليها شاكرة..في ذلك اليوم كان آخر من غادر القسم على خلاف عادته..إقترب من المعلّمة و هو يقول:"و أنا أضمّك شممتُ فيك رائحة أمّي..

أنهى تيدي دراسته الإبتدائية بتفوّق..راسلها و هو يُنهي دراسته الإعدادية ثمّ الثانوية ثمّ الجامعية"كليّة الطّب"الذي تخرّج منها بتميّز بمرتبة الشّرف   

و كان كُلّما راسلها قال:"إنّك أعظم معلّمة قابلتها في حياتي..

و جاء اليوم الذي إلتقى فيه الطبيب تيدي بتوأم روحه..و هو في خضمّ استعداده لمراسيم الزفاف أيقن بأنّ أجمل و أغلى و أهمّ شيئ لم يعد موجودا..أمّه..فاتّصل بالسيدة تومسون و هو يقول:"ستجلسين في المكان المخصّص لأمّ العريس و ستكونين بدلا منها..لبّت دعوته،إحتضنها، همس في أذنها:

-شكرا ..لأنك آمنت بقدراتي..

-شكرا لأنك أنقذتني من مخالب الضّياع..

شكرا لأنّك أعظم معلّمة قابلتُها في حياتي..

قالت و الدموع تملأ مقلتيها: تيدي..إنّك مُخطئ..كلّ هذه السنوات لم تفهم بأني لستُ أنا التي علّمتك..بل أنت الذي علّمتني كيف أصبح معلّمة مُتميّزة..

دخولك إلى حياتي أفهمني معنى الحياة..و معنى التعليم..

دخولك إلى حياتي علّمني أن أُسكتَ صوت الأحكام المُسبقة..و أن أكون إنسانة..

السيدة تومسون حكمتْ ظُلما ..فكرهتْ و عزلت ..لحسن حظّ تيدي أنّها   فهمتْ  ..فأصلحتْ و أحبّتْ..

كَم مِنّا مَن حكم ظُلما..و  كم مِنّا مَن  لم يُصلح ما أفسد حتّى بعدما تبيّن له الحقّ..

يا حبّدا لو لبسنا ثوب الحبّ اللاّمشروط..و التمسنا الأعذار..و أفشينا السّلام..و تركنا الخلق للخالق.. و انشغلنا بترقية أنفسنا  بدل  التّفنّن في دمغ الآخر ..و سحقه..


  • 5

   نشر في 06 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا