بائع كُتب او جرائد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بائع كُتب او جرائد

عن المكتبة

  نشر في 15 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 15 يناير 2020 .

(1)

لأن الأمر شخصي للغاية، ولأنني حين أهرب من قيود البشر ألجأ إلى الأشياء المنفية، والتي لم يعد الناس أولي سلطة أو خبرة فيها، أكتب اليوم ترهاتي بالفصحي كموضوع ما، وكالعادة حين ألجا إلى تلك الحيلة أوضح من البداية أن كل ما قد يحتويه هذا الكلام عبارة عن فضفضة وحكي مقاهي، ولا شيء يعود منه سوى راحة الكاتب وتسلية القارئ.

من فترة تحدثت أن أحد أمانيّ الشخصية هو أن أعمل كبائع كتب في إحدى المكتبات، الكثير من الناس انتقد تلك الفكرة علنًا عبر تعليق له، أو كرسالة أرسلها لي، ثلاثة من باعة الكتب الذين تعاملت معهم في حياتي اتصلوا بي يسخرون من الفكرة، اجتمع الناس صدفةً على أنني أتحدث بجدية، على الرغم من خلطهم بين ساعات الهزل والجد في كلامي، أو لاختلاط كلامي بين الهزل والجد.

على أية حال لم يفهم العديد سر حبي لمهنتين طوال عمري، الأولى هي بيع الجرائد، والثانية هي بيع الصحف، وسر أسرار صناعة الكتب والصحف، لا يعلم أحد أن لكل عنوان في رفوف المكتبات أو طاولة الصحف في الأكشاك سرًا ما وقصة عندي، وأن حياتي أثر فيها باعة متجولون أحيانًا، وأن فكري لم يكن ابنًا للفلاسفة فقط، بل أناس لا يفقهون أي شيء أحيانًا.

(2)

كنت في المرحلة الابتدائي كل يوم أربعاء أتجه قبل ذهابي للمدرسة في الساعة السادسة صباحًا إلى عم إبراهيم، أدفع له تقريبًا ثلاث جنيهات ليهديني فردوسي العظيم، كنت في ذلك الوقت أعتقد أن مدينة البط موجودة فعلًا، وأن ميكي يوجد خلف قوس قزح لا جرار من ذهب الأقزام كما يدعي البعض من البلهاء.

أثناء أحد الحصص الاحتياطية في الصف الرابع، كنت قد اكتشفت في تلك الفترة كتاب لعنة الفراعنة لأنيس منصور، كنت أخفي الكتاب بين خشبة الدكة وخشبة الدرج التي لم نكن نستخدمه كثيرًا، قرأت الكتاب عدة مرات، ولم يكن وقتها الكتاب الوحيد في حياتي، سبق وقرأت اعمال اخري مثل ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وبعض قصائد مطر، وقصص الجيب، ولكن كان الكتاب بداية لمرحلة جديدة في عمري.

في تلك السنوات كنت أشتري في إجازة الصيف التي يأتي فيها والدي من الأراضي السعودية ليقضي شهرًا أو شهرين معنا خمسة جرائد بصفة يومية، الشروق والدستور والمصري اليوم والأهرام والجمهورية، لهذا السبب أعلم الكثير عن ماض الصحف المصرية قبل الثورة؛ لأنني كنت أجلس بجوار أبي حينما يفرغ من جريدة أقرأها، وكنتُ منذ صغري انجذب لبلال فضل قبل أن أكتشف فيما بعد كتبه، وكنت أحب جلال عامر حتي في تلك السن التي لم أكن أدرك فيها جميع معاني مقالاته.

كان كنز المرحلة بالنسبة لي هو تودد علاقتي بأبي، أخذ بيدي الصغيرة في يده أكثر من مرة إلى سوق الأزبكية، حينما كانت أمي تقرر أن نسرع في طريق عودتنا أو ذهابنا، من أي، أو إلى أي مكان دون شراء قصصي المصورة اتصل به فتأتي القصص المصورة في الحال، حينما كُنت بالاراضي العربية السعودية كان يسعفني بالنسخة الإلكترونية المسروقة، كان أبي ولا يزال حتى اللحظة صاحب الأثر الضخم في تكويني كقارئ.

(3)

أثناء ما كنت أقرأ ميكي كُنت أسقط عليها حياتي، عفويًا تعلمت الرسم، أستطيع حتى اللحظة أن أرسم أي شيء بمجرد رؤيته بأكثر من طريقة، لولا أنني قررت منذ عام 2013 ألا أرسم حتى دائرة، أكره رسم الأشكال الهندسية حتى، وذلك لما يعيده عليّ من ذكريات سيئة، المهم أنه في إحدى الحصص الاحتياطية دخلت معلمة تُدعى ندى، رأت أنني أرسم على كراسة الإنجليزية بطوط، وإن علمت أمي ما حدث لكانت كارثة، تعلمت في تلك السن وفي الصف الثاني الابتدائي كيف أكون ماكرًا وأن أخفي أمورًا وأظهر أخرى على أهلى، لم أحضر حصص الدين منذ الصف الثاني الابتدائي إلى الصف الخامس؛ لأن المدرسة التي كانت تُدعى ندى طالبة في فنون جميلة حلوان، وكانت تعلمني أسرار رسم الكوميك، والتي ولا زلت أعلم الكثير عنها، ولكني أتوجع الآن حين أعود للرسم.

أما عن الحصص الاحتياطية، فهي كانت أحد الأشياء التي علمتني سيكولوجية الجماهير، دون أن اقرأ كتاب لوبان أو أن أكون مشهورًا بالمستوى الكافي لكي يكون لي جمهور، لم أدرك إلا منذ فترة قريبة أني لا أشبه أي أحد حولي، ولكن كان بعض المعلمين يلاحظ ذلك الأمر فيّ، وهم جميعًا لم يكونوا زوار الصف اليوميين، ولكنهم كانوا احتياطيين دائمًا، وكان لكل منهم قصة لها دورها في حياتي، وربما أذكر بعضهم في هذا التسلسل الذي أكتبه.

بائع الجرائد الدائم بالنسبة لي كان عم إبراهيم، وهو أيضًا كان بائع الفردوس في مرحلة الدراسة، أما في العطلة فيتغير باعة الفراديس طبقًا لرحلات والدتي الأسبوعية لاستخراج أوراق أو نقل أحد إخوتي من مدرسة لأخرى أو فعل أي شيء لا أعلم ماذا كان، لكنه في مكان يقف أمامه شرطة مثل بنك أو سفارة، المهم أنه عند فرشة عم إبراهيم كان يجتمع الناس ليشكوا هموم الأيام، كل يوم نفس الموضوعات تقريبًا، كل يوم الناس تشتكي الزيت والسكر منذ اهتمامي بكلامهم تقريبًا في عام 2007 الذي لا زلت أذكر تاريخ قراءتي الجرائد بشكل دائم حتى اليوم هو يوم 23 فبراير (شباط) عام 2007، كنت أسمع نفس الأشخاص يتحدثون في نفس الموضوعات، يقولون نفس الكلام، حينما حدثت الثورة في مصر، عاش عم إبراهيم قليلًا ثم مات، اختفت صدفةً الجرائد أربعة أعوام من منطقتي، وأصبحت أشتريها من مناطق أخرى أو أقرأها إلكترونية، أما الصدفة الساخرة أنه مع عودة النظام العسكري صار لدينا بائعان للجرائد ولا يفقهان شيئًا مع أن أحدهما كشك يبيع الخمور، والآخر يعود لرجل سلفي، أحب الجرائد حقًا.

لم تقتصر علاقتي بوالدي على الكتب فقط، ولم تكن الكتب مؤسسة لعلاقة جيدة مع والدي فقط أيضًا، كنت في طريقين متساوين تقريبًا، أزيد في علاقتي بالناس بها، وأتعرف على البشرية بشكل جديد، ليس كل يوم، بل كل كتاب، مثلًا كنت أعتقد أن الفلبينين جميعًا – طبقًا لنشأتي العربية – أناس مقززون للغاية، ولكن مع قراءة خوسيه ريزال وقراءة أسيوية طويلة، أدركت حقيقةً أنني كنت أبلهًا ومتكبرًا بلا سبب معين وحقيقي، واليوم أفكر في السفر إلى آسيا فقط لأعتذر لهولاء البشر الذين لم أرهم بعد، لهولاء الذين لم أعطهم فرصة ليعبروا عن روعتهم، والذين كانت عيني لا تملك القدرة على إبصار روعتهم.

(4)

ظللت أهتم بالكوميك كاهتمامي بالأديان الذي ذكرت كيف نشأ اهتمامي بها في الماضي، وكيف كانت جهودي الأولى ساذجة للغاية، بعد عهد طويل من قراءة ميكي أذن لي القدر صدفةُ أن أقرأ غلاف كيمو كونو، كنت أشتريته وقتها في صيف عام 2008 عند خروجي من ملعب كورة القدم بعد مبارة دموية مع أصدقائي، قرأت اسم هاني المصري، والذي كان في ذلك الوقت – وذوو الخبرة أعلم – يكتب في بعض الصحف كتابة حرة، وكان رسامًا عظيمًا وفنانًا مبدعًا، ظللت أبحث وراءه وهو أول من كشف لي الطريق عن فناني مصر، بمساعدة ندى المعلمة التي تهرب طالبًا من حصص الدين، وبعض مقالات هاني المصري بإنجليزية ضعيفة مني ومواقع الترجمة القديمة السيئة تكون لدي خلفية فنية لا بأس بها في الكاريكاتير والكارتون كما يُؤلف على قلب القارئ الاسم.

أول شخص اهتم بأمري جاء حينما كنت في الصف الرابع الابتدائي، في ذلك اليوم من شهر ديسمبر (كانون الأول) اختفى معلم لغة عربية يُسمى وائل، فيما بعد علمت أنه كان طالبًا في آداب لغة عربية يحاول أن يجد له مصدرًا للقمة العيش، فذهب لمدرسة خاصة – مدرستي – لكي يعلم تلاميذًا بالمرحلة الابتدائية العربية، وفر تلك الوظيفة له أحد المعلمين الذي كان تلميذًا له، وهو صدفةً كان معلمًا قديمًا في مدرستي، المهم أن غيابه جعل معلمًا يُسمى مصطفى السنان يجد طالبًا يحمل كتابًا اسمه: موسوعة الألف عام.. شخصيات صنعت التاريخ، لأسمية جانو، على الرغم من أنني حتى الآن لا أعلم من هي أسمية جانو، إلا أنني أحفظ الكتاب تقريبًا وكان دليلًا لمعجزات كثيرة في حياتي، المهم أن المعلم أخذ الكتاب مني وقرأ فيه لفترة ما، وبعد أن قرأ فيه دار بيننا حوار طويل، سأشرح في الفقرة الآتية ما حدث بعد ذلك؛ مما دفعني خطوات أخرى للأمام.

أما عن باعة الجرائد، في المرحلة الإعدادية بعد اختفاء عم إبراهيم، واختفاء عالم سياسي قديم تمامًا بطوفان الثورة، ظهور عالم غريب وهزلي، ظهرت صدفةً إشاعة أنه يوجد بائع جرائد في منطقتي، وأن هناك جرائد جديدة أيضًا، قرأت في آخر ست سنوات أكثر من سبعين محاولة، وكتبتُ صدفةً في 10 محاولات منهم مقالات – مايعة – من أجل أن أعلم فقط ما رد الناشر عليها؛ لأتنبئ بمستقبل الجريدة، أطرف تلك الإشاعات التي صدرت في تلك الفترة، عام 2013 قال لي صديق: كنا نجلس معًا على أحد المقاهي أنه بجوار بيته يوجد بائع جرائد، وكان يسكن بعيدًا عن بيتي مسيرة نصف ساعة، بعد الظهر ذهبت لكي أشتري جريدة لأول مرة بعد ثلاثة أعوام من منطقتي، كنت قبلها بعام وأكثر أقرأ الجرائد إلكترونيًا، عندما وصلت إلى مكان البائع، وجدته في الحقيقة يبيع جرائد قديمة، تذكرت أن صديقي لا يقرأ الجرائد، كان المحل يخص بائع بلاستيكات، ويبيع المائة جريدة بثلاثة جنيهات، ويقوم بتجريب الورق لك على زجاج تقوم أنت بنفسك بنشر التراب على أرجائه.

أحد أجمل العلاقات التي مضت في حياتي تُسمى غادة، غادة أكبر مني بأعوام في الحقيقة، وأجمل ما يميزها هو عزلتها، وتعرفنا على بعضنا البعض في حب كافكا، كنتُ أتحدث إلى أحد أصحابي في معرض كتاب عام 2013 عن جمال بداية المسخ، وعن أنني منذ أن قرأتها، لا أحب المقدمات في الكتابة، وأنني كرهت تحكم الكُتاب في الكُتاب إلا تحكم كافكا فيّ وفي ماركيز وفي الكثيرين باعترافهم، تعلمت الحكي في منتصف الحبكة دون شرح السابق أو الآتي عن طريق كافكا، أصبحت أرتجل كل شيء، أفكر في الفكرة آلاف المرات من خلاله، عندما ذكرت كافكا بتجلي، نظرت لي غادة، تكبرني تقريبًا بستة أعوام، ولكن جاءت وتحدثنا لقرابة سبع ساعات، وفي نهاية اليوم أصبحنا أصدقاء، التقينا كثيرًا، وقرأت لي أربع مسودات روائية، وذات يوم عندما قرأتي مسودة الثمل قالت لي: أنت تحررت من سجن كافكا، كنت صدفةً سجين هوميروس، دائمًا ما أشعر أنني خفيةً سجين شخص ما في كتابتي.

(5)

بدأت في عام 2010 أفكر في إنشاء شيء ما، فشلت كثيرًا، ولم أتحمل فشلي، فقررته كثيرًا، لم أفهم لماذا حتى اليوم لا أتوقف عن المحاولة، أنا لا أملك أملًا في أي شيء، أحيانًا أفكر في عدم الإنجاب؛ لأن أبنائي مهما حدث سيموتون، أكتفي بأنني أكتب بشكل جيد ومقبول، أبنائي من الكتابة سيعيشون أطول، ولكن أتفاجأ أن لا أحد يعلم من هو الكولونيل، أين أنا من عظمة كاتبه، لا أمل في أي شيء، لكن كوبي رايتر وإلكتروليترينو والنتروتور أبنائي المرسومين الثلاث، بدأوا كمحاولات فاشلة في عام 2010 ونجحت في رسمهم بشكل عظيم عام 2013، ظللت ثلاث سنوات أحاول وأفشل، حينما اكتشفت في عام 2015 الرسم الإلكتروني شعرت بخزي رهيب من معلوماتي البدائية.

بعد رحلة طويلة من جلسات الفسحة وحصص الألعاب والدين التي لم أعد أعلم عنها شيئًا مع الأستاذ مصطفي، دعاني ذات يوم إلى الصف الذي كان يقوم بالتدريس له، كان معلم لغة عربية، كان يُدرس لصف رابعة رابع، أما أنا فكنت في صف رابعة ثالث، على الرغم من العداء الظاهر بين الصفين كعُرف سائد بين الصفوف، إلا أننا جميعًا كنا أصدقاء؛ لأن الصفين تقريبًا أتوا من نفس الأربعة صفوف في نصف المرحلة الابتدائية الأولى، كان الحدث أنني سأكون ضيفًا للإذاعة المدرسية لذاك الصف، أتحدث عن هوايتي التي كانت ظاهرة وواضحة، القراءة، منذ ذلك الوقت وأصبحت مشهورًا لستة سنوات تالية في المدرسة، ثلاثة لأنني قارئ، وثلاثة لأنني قارئ ولدي من العلم ما يكفي لأقرر ألا أحضر في المدرسة طوال المرحلة الإعدادية كما يعتقد البعض.

تعرفت في المرحلة الثانوية على ستة باعة جرايد، أولهم هو أشرف، أشرف يقف عند مزلقان منطقة أرض اللواء، الآن يقف تحت الكوبري الذي ينقلك من أرض اللواء إلى شارع السودان بعد إغلاق المزلقان بسور وتشييد كوبري مشاه للعبور من أرض اللواء إلى السودان عوضًا عن المزلقان، أشرف هو أرشيف الجرائد المصرية في عهد مبارك، يعلم أسماء جرائد لا يعلمها الصحافيين تقريبًا، لأنني في مرحلة الثانوية تعرفت عليه، ولأنني في مرحلة الثانوية كنت أعيش في مكة والقاهرة، وكنت كثير السفر، لم تنشأ علاقة اجتماعية بيننا لدرجة أن يتذكر اسمي، هو فقط يحفظ شكلي، كان يحتفظ لي بجرائد المحاولات الأهلية فقط، أحتفظ ببعضها على هيئة صور مخزنة إلكترونيًا، جمعت منها سطور أناس بأسمائهم، دققت في بعضها، إيمانًا بأن المحاولات الأهلية قد تكون ذات فائدة يومًا ما، صنعت من تلك التراهات ثلاث كُتب، ولم أنتو ذات يوم بنشرهم، لأنني لم أجدهم بكفاءة تستحق، أما عن أشرف، لا زال أرشيف لا يستغله الكُتاب حتى اليوم.

أحد الأناس الذين عملتهم عن طريق الكتب كان شخص حاول سرقتي ذات يوم، كنت أقف عند تمثال نجيب محفوظ بميدان سفنكس، أنتظر أحد أصدقائي كان يعمل في السوق التجاري القابع أمام التمثال، ولأنني صنعت خلافًا بينه وبين رب العمل أصبحت أنتظره بعيدًا، أي في الجهة الأخرى من الطريق، جذب شنطة الكتف المليئة شاب بموتوسيكل، ومن ثم عاد ثانيةً وقال: كل دي كتب؟! ضحكت وقلت له: نصيبك بقى. كرم الله وجهه أعطاني الكتب، وبعد حوار قصير سألني عن اسمي على فيسبوك، وهو الآن يقرأ هذا الكلام.

(6)

عودة أخرى إلى الرسوم المتحركة، وجدتُ حقيقةً أن ميكي كان متهمًا في أحد السنوات في نشر الشذوذ الجنسي، وبطوط من بعده، لم أفهم لماذا لم يسأل أحدهم في دنجل أو حتى بندق، من الأمور الساخرة في ميكي التي توضح براءة قلوب صانعيها هو أن بندق كلب من فصيلة جاينت دان، أي دان العملاق. وأيضًا بلوتو كلب ميكي من نفس الفصيلة، ولكن ترى الفرق بينهم هكذا، حينما أصبحت عنتيلًا في قراءة الكوميك إلكترونيًا وصلت إلى عدد بات مان عام 1939 الأول، أي أول ظهور للشخصية على الإطلاق، قرأت معه تاريخ الاتهامات التي اظهر شخصيات كثيرة في العالم، على ما يبدو أن العالم منذ بدايته يبحث عن الشذوذ الجنسي والمؤامرة بشكل هستيري، بات مان الذي اشتهر بخشونة صوته في قوله: i am batman كان معروفًا في الأربعينات كرمز للشذوذ لدى أهل اليمين.

أصبحت طيلة ثلاث ابتدائي أقوم بإعداد الإذاعات لكل الصفوف سرًا، وكنتُ أعتقد أن ذلك الأمر ذو أهمية، وكنتُ أعتقد أنني ذو أهمية لأنني الطالب الوحيد في تلك الفترة من تاريخ المدرسة الذي وقف مكان المعلمين في فقرة الاستضافة لكي يسأله معلم عن نفسه، شعرتُ في تلك الفترة بأنني لربما كنت مؤثرًا لدرجة أن أهالي هولاء الطلاب يعلمون أخباري، وكل شيء عني، وفي الحقيقة قبل الثورة المصرية لم يكن لي أي أخبار، كانت أيامي مكررة بشكل يثير للشفقة، ظللت أحب نفسي وأفخر بها، كنتُ مُحبًا للحياة، اعشق الناس جمعًا، حتي ذلك اليوم من الفصل الدراسي الثاني من الصف السادس الابتدائي في لجنة اختبار الرياضيات، يومها حقًا علمت أنني نكرة، وأنني لستُ ذا أهمية، ويومها حقًا أصبحت الإنسان الآخر الذي يحيا الآن، ولهذا الأمر عودة للقراءة أيضًا.

بائع الجرائد الثاني هو بلال، لم يكن بلال سوى شاب يقود عجلته ويقوم بإلقاء الجرائد وقبض ثمنها، لم أعلم حقًا كيف جمع بلال كل تلك الجرائد في مكان واحد دون أن تتلف، ولم أفهم حتى اليوم كيف كان بلال يلقيها إلى أي ارتفاع وإلى أي مسافة بالضبط، بلال يمتلك عدد إصدارات لا يمتلكها أي صاحب فرش في الزمالك، كنتُ ألقاه في المهندسين في مقهي هالة قبل أن تغلق، ومقهى هالة تلك كانت في شارع فوزي رماح على مقربة من نادي طلبة البحرين، الذين كانوا يشترون من بلال الكثير من الجرائد فقط ليلقي لهم عند نوافذهم كل تلك الجرائد، كان عرضًا يوميًا، لم أتعرف على بلال بالطبع، لكني كنت أحد الذين يشترون خمس جرائد فقط ليلقيها من مسافات.

سامر يمني، مات في عام 2014 في اليمن، كان سامر يكتب الشعر مثلما كان درويش تقريبًا، ربما لستُ شاعرًا جيدًا، وربما أيضًا لستُ قارئًا بشكل كاف لكي أقيم الشعراء، لكني أعلم درويش كعلمي لنفسي ولعدد أنفاسي وكيف بدأت وكيف انتهيت، كان سامر على الرغم من قدرة شعراء اليمن على الشعر العمودي، إلا أنه كان يحب التفعيلة عن سواها، وفي ذات يوم في معرض الكتاب عام 2012 عندما تسللت للمعرض قابلت سامر، الذي كان يلقي شعر درويش وأخطأ مرتين وصححته له، ونشأت صداقتنا.

(7)

أما ميكي فلم يكن فقط متهمًا من الجماعات الدينية فقط بكفر محبيه، بل الفتنة في بعض الأحيان، حيث إن أحد أصدقائي السلفيين كان يدمن مجلات ميكي، وكان يقوم بتجميعها، لديه دواليب كاملة من إعداد ميكي، منذ السبعينات أو الثمانينات حتى اليوم، وفي عام 2013 كان صديقي في الأراضي السعودية، وظل بها ثلاث سنوات، عندما عاد علم أن أحد الضباط كام باقتحام منزله أكثر من مرة، ومن ثم يكتشف أنه ليس في مصر، عندما عاد اقتحم الضابط الشقة، وقام بتفتشيها ركنًا ركنًا، ولم يفهم الضابط سر انتشار مجلات ميكي في منزل رجل سلفي لديه عضوية في حزب النور، ولكن كانت كافية لتثبت أنه تافه، وتركه الضابط ورحل، أما عن حزب النور، فقد طُرد صديقي منه بشكل غير رسمي لتمسكه بميكي.

في لجنة الرياضيات بالفصل الدراسي الثاني كنتُ قد قررت الرفض لمحاولة رئيسة اللجنة بأن أعطي الإجابات إلى ابنها الذي كان اسمه إسلام محمد، سأكتفي باسم ثنائي حتى اليوم الذي سأقوم بحكي القصة كاملة لكي أفضحهم جميعًا، دخلت والدته اللجنة بعد أن علمت من المراقب أنني أرفض تسليمه الورقة لكي يقوم سي إسلام بنقلها كاملة، وعندما رفعت صوتها قلت لها إنني أرفض أية محاولة لأخذ الورقة مني لإهدائها لشخص آخر، صفعتني على وجهي، قمت بتمسك بورقتي، لم أسمح لها، قمت برفع صوتي، بسبب الفوضي فقط انتهى الموقف، عندما انتهى وقت الاختبار دعتني مديرة المدرسة التي لا زالت حتى الآن، قامت بتوبيخي وادعاء أنني طالب لم يتلق أي نوع من أنواع التربية، ذلك اليوم علمتُ حقًا أنني بلا كرامة، وإنني لن أحظى بها إلا نذير تقبيل قدم السفهاء من الناس، وحقيقةً لم أرغب في دخول المدرسة من ذلك الوقت، تفوقت وكُنت من أوائل المدرسة ولم يُكتب اسمي لأنني نكرة طلب بحقه.

الشخصية الثالثة كانت بائعة جرائد تسمي أم دنيا، أم دنيا في الحقيقة فتاة في سن الرابعة عشر من عمرها، اشتريت منها جرائد لمدة ثلاث شهور فقط أثناء ما كُنت اذهب لمدرستي الثانوية من أجل اتحاد الطلاب، وفي تلك الفترة كنت أتابع تلك الصبية التي لم تكن تقرأ أو تكتب، هي لم تلتحق بأي مدرسة، ولكنها كانت تقرأ الارقام وتكتبها، سألت نفسي كل مرة عندما كنت اشتري منها الجرائد الصباحية، هل هي جاهلة حقًا لأنها لا تعلم القراءة والكتابة، أم هي عملية لأنها تقرأ وتكتب ما ينفعها بشكل مباشر، متأخذة في ذلك اقصر طريق لها؟

انضممت لعصير الكتب لأنني في الحقيقة وددت أن أقدم للقراء ما أراه من أعظم الأعمال الأدبية، في الحقيقة أضم تلك السنة ونصف من أسوأ أيام عمري، لم أفهم حتى اللحظة كيف يعتبر البعض هذا الكيان الضحل من أعظم الكيانات الثقافية، حتى اللحظة لا أفهم كيف يكون القارئ قارئًا دون سارتر وكامو وفيودور ديستويفسكي وتأملات تشيخوف في الإنسان والتي لا يصح أن تسمي قصصًا، على الرغم من ضعف الكيان في نظري أعتقد ان حسنته هولاء العظماء منهم، أية على التي اسميها آية سيد بسبب ذاكرتي السيئة في أسماء الناس، وحمدي وحسناء الذين لا أعلم لماذا أجمعهما مع بعضها، أمنية التي تختفي أسرع من الحرباء، وعديد من الأسماء الأخرى، علمتُ منهم أمرين، الأول أن القراءة تقرب الناس مهما وجد بينهم من اختلافات فكرية، والآخر أن العمل التطوعي في مصر مثل العمل الحكومي بعافية شوية.

(8)

أحد التفاصيل التي جعلتني أعشق الرسوم المتحركة بشكل عام، والكوميك بشكل خاص، الأعداد القديمة من مجلة سمير وسلسلة فلاش، من يدقق فيهما سيجد أفكار المانفيستو، المانفيستو أي البيان، هو كتاب إنجلز وماركس معًا المسمى بالبيان الشيوعي، بعض أفكار هذا الكتاب كانت موجودة بتبسيط شديد في أعداد الثمانينات والتسعينات، ذات ندوة من ندوات احمد خالد توفيق صرح بذلك الأمر، تقريبًا حفلة توقيع أثر الفراشة، لم أتوقع أن أحدًا غيري قد أدرك تلك الحقيقة الغريبة، يبدو أن كثيرًا من السياسيين في مصر يأسوا لدرجة أنهم ذهبوا لكي يخاطبوا الأطفال حينما يكبرون يدركون رسائلهم!

بعد هزيمتي النفسية، أصبحت حاضرًا غائبًا، حاضر فقط في منزلي، غائب بشكل شبه دائم عن الصف، على الرغم من روعة معلمي الصف الإعدادي، الا انني كنت اكره المدرسة كلها، لحسن حظي أن الثورة حركت البلاد قليلًا، ملأت حياتي بشكل كبير أحداثًا سيئة وجيدة، قليلًا ما كنت اندمج مع الزملاء في مدرستي، لم أعد أرد على أحد تقريبًا، اندثرت شهرتي، كتبت إذاعة واحدة فقط هي إذاعة صفي، كررتها ست مرات ولم يلاحظوا الأمر، حتى هذا المقطع من سياق المقاطع المتعلقة بالمدرسة يبدو عليه خيبة الأمل، منذ نهاية طفولتي وأنا بلا حيلة أو ثقل أو ثقة في نفسي، كل يوم أتذكر ذلك الأمر، والأمر القدري الساخر أن الناس يرون هذا الانكسار غرورًا، من نعم الله عليّ أنني منبوذ.

البائع الرابع والخامس كانا أغرب شيئين عبروا أمامي في حياتي، كانا كشكين أمام بعضهما البعض في منطقة الكيت كات، لحسن الحظ أغلقا معًا، كان كل منهما ينافس الآخر، ذات مرة قال أحدهم أن جرائد زمان عادت، وأن أية جريدة بنصف جنيه لكي لا يبيع الآخر، لم أفهم كيف يقدمون عروضًا فقط للمنافسة التي لا معني لها، ظلوا هكذا منذ عام 2013 إلى 2015، حينما أغلقا معًا شعرت أن المنافسة وصلت لمرحلة العناد، إن كلًا منهما شعر فجأة أنه سيخسر، فقرر كلاهما أن يتنافس على لقب المركز الأخير في ذات اللحظة.

كما صنعت القراءة أصدقاء، صنعت لي أعداء كثيرين، هم ليسوا أعدائي، بل أنا عدوهم، أحد هولاء كان فتى يرى أن المملكة العربية السعودية خير مكان في الأرض، استفزه أحد المقاطع التي نشرتها كاقتباس على موقع جود ريدز على حسابي الراحل الراقد في غيابات العالم الافتراضي، قدم لي شهادة تثبت أن عائلتي كلها أبناء زنا منذ جدي الذي تلا أحفاد آدم بالضبط، حيث إن الفرصة سمحت لأجدادي لكي يزنوا كما يريدون لكي يكون حصيلة الزنا حفيد يقتبس اقتباسًا يقوم فيه بانتقاد المملكة العربية السعودية، كلما قرأت كلما تغيرت طباعك ونظرتك للأشياء كلما أصحبت مكروهًا.

(9)

نشأت في البداية كقارئ لمجلات الاطفال، وفيما بعد رسام لها، وصدفةً جذبتني تلك الأشياء إلى السياسة مع أشياء أخرى قدرية، اليوم اقرأ مجلات الأطفال التي كانت ذات يوم أقدس الأشياء لي، المجلة هزيلة، فارغة من المحتوى، أصبحت ساذجة أكثر من اللازم، وأعتقد أنني أقرأها كنوع من أنواع الوفاء للطفل الذي أحبه، والذي أحافظ على وجوده لكي يجد الناس أمرًا واحدًا يحبوني من أجله، لكي يظل فيّ شيء لطيف واحد، ولكن كل يوم أربعاء أتمني أن يعود لي ميكي صديقي.

اليوم مرت على ست سنوات بدون أي حضور يذكر للمدرسة، صدف قليلة للضرورة فقط، أخي طوال تلك السنوات كان يقول لي أنني سأصبح منطويًا، والبعض أقر تقريبًا أنني سأصاب بالسرطان، المعلمون استخدموا الأمر للدعاية في المرحلة الثانوية، أقسم بعضهم أنني قدر ألقي في الجحيم من أجل عدم اكتراثي بالحضور، وفي النهاية رزقوا من الأمر مالًا وفيرًا، عبرتُ مرحلتين من أكل رُمتي، ولا أعلم كيف لشخص رفيع هزيل شاحب اللون مثلي كل هذا اللحم لكي يأكلوه وأنا ميت؟ المهم أنني عبرتُ مجبرًا غائبًا، وفي الغد مرحلة جديدة سأعبرها مجبرًا حاضرًا، قدر مبكٍ مضحك.

البائع الأخير هو محمود، محمود هو شخص رايق بمعنى الديب ويب، حيث إنه لا يستحي في قصف الجبهة ضابط شرطة، بداية تعرفي عليه كنت رأيت لديه جريدة المقال، فذهبت إليه وقلت له: عندك المقال؟! رد: شوفلك حد يقرهولك يا أعمى، كان ثقيل الظل في البداية، لكن بعد عامين كاملين من التعامل معه، رأيت أنه في الحقيقة إنسانًا عدميًا يستحق الاحترام، حيث إنه لا يكترث أن تشتري منه جرائد أم لا، المهم ألا تعكر صفوه، رايق بمعني الديب ويب حقًا.

آخر ما قد أضيفه لقصص الذين أحبوني وأحببتهم وكرهوني وكرهتهم هو رهط سبت السبتية، ثلاث سنوات من الجلوس على مقهى والحديث في الكتب فقط، في إحدى الفترات جلس معنا أناس لا نعلمهم ولا يعلمونا، وأصبح عددنا يتزايد، كانت البداية عشرين شخصًا فقط، وآخر تجمع لنا كان في ذلك السبت من 2016 قبل مرحلة الثانوية الخاصة بي، هم الآن يجتمعون في أماكن أخرى، ولكن أذكر جيدًا إني تركتهم ولا أعلم أسماءهم جميعًا، ولكن كنت سعيدًا وكانوا سعداء، لن اذكر اسم شخص حتي وان تذكرته، لان مقهي صغير بالسبتية كنا نجتمع فيه ونسهر فيه بارخص قيمة مالية لتجمع مثل هذا اعطيت لشبابنا اليأس حياة،اهم من اي اصلاح في وطن ينزف يأساً.

(10)

تتجمع خيوط كل هذا ليوضح لكم انني احب الكتابة والكتب والقراءة والقراء، لا اعتقد اني مثقف، البعض يقول ذلك لكني لست كذلك في نظري، اري ان حين يقول احدهم عني اي شئ طيب يجبرني علي ان اضع مسئولية رأيه فوق عاتقي، في النهاية اود ان اوضح ان مع اجتماع الظروف السيئة في حياتي وحياة الوطن، ومع فاحشة الدولار والاسعار، كل الاعمال في مصر سيئة، والمرتبات مهما اتصلت بالماس او الذهب لا قيمة لها، الحل الوحيد ان اعمل عملاً يجعلني اسعد فقط بانني اعمله، والمكتبة هي فردوسي الحالي.

اري ان العمل في مكتبة كبائع للكتب، او كبائع للجرائد علي احد العجلات كما بلال او حتي كشك مثل الابلهين القابع اثرهما عند الكيت كات او حتي فرشة عمي ابراهيم علي سكة الحديد يكفي ويشفي، لان القيمة المادية لم تعد ذات قيمة في بلد مثل هذه البلد، اما القيمة المعنوية، هذا الموضوع قد ضم اليكم بعضها، هناك المؤلم وهناك المفرح، ولكنهم جميعاً ارضي بهم، اسعد لوقعهم في ذاكرتي، اعشق كل تفصيلة فيهم.

ربما يُتبع اقصر من هذا، وربما لا يُتبع، هذا الحديث القيته ولا اعلم له اسم غير انه مجرد حديث.


نُشرت في 5 أغسطس سنة 2017




   نشر في 15 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 15 يناير 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا