الأدب وصيد الجوائز - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأدب وصيد الجوائز

  نشر في 26 ماي 2022 .

أثيرت في الآونة الأخيرة ضجة على السوشيال ميديا بشأن حوار أدلى به الأديب المصري علاء الأسواني لإذاعة صهيونية، بمناسبة صدور طبعة عبرية لروايته "جمهورية كأن". وهو الحوار الذي تزامن مع اغتيال رصاص الاحتلال الإسرائيلي للصحفية شيرين أبو عاقلة، مما اعتبره الكثيرون قلة ذوق، وإسهاما في التعامل البارد إزاء الأحداث العاصفة، وهو الموقف الذي يليق بالجثث لا بمثقفين يصدعون رؤوس العرب بحديث الحرية والديموقراطية والعدالة.

اعتبرت بعض الردود أن ما يفعله الأسواني هو شوط من رحلته الطويلة لنيل جائز نوبل. ففي زمن يسعى فيه الأدباء خلف الجوائز، بعد أن كانت تعترض مشوارهم الأدبي لتُثمّن الإنجاز، وتعترف بالفضل، أصبحت كل الممنوعات ممكنة، وكل السبل متاحة، بغض النظر عن رصيد الأديب وحضوره الفني، والقيمة التي ينبغي أن يضيفها للمشهد الثقافي من حوله.

سواء كان الأمر كذلك، أم مجرد تشويش على مكانته الأدبية، فإن ظاهرة صيد الجوائز والاهتمام المبالغ فيها من لدن بعض الأدباء ليس أمرا حديث العهد. فقد عرف المشهد المصري حادثة أسالت الكثير من المداد عبر الصحف، وفي الصالونات والملتقيات المصرية والعربية.

يتعلق الأمر بالموقف الغاضب الذي عبّر عنه الكاتب المصري يوسف إدريس غداة إعلان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل سنة 1988. حيث أدلى يوسف إدريس بتصريح يتهم فيه نجيب محفوظ بمهادنته لليهود، والذين بد دعّموا، برأيه، حصول محفوظ على نوبل. كما صب جام غضبه على لجنة الجائزة العالمية، لأنه كان من ضمن المرشحين، وتم استبعاده، كما يزعم، بسبب مواقفه السياسية، وحضوره المؤثر كمثقف يناصر قضايا العدالة والحرية والديموقراطية.

غير أن الناقد المصري رجاء النقاش، كشف عن الوجه الآخر للحقيقة، والمتمثل في سعي يوسف إدريس للحصول على الجائزة بكل الوسائل، والجهد الخارق الذي بذله للسفر إلى السويد، وإقناع أوساط المثقفين ممن لهم وزن في ترشيح الأسماء الفائزة.

بل يضيف الناقد أن عددا من الأدباء العرب، سعوا إلى ترجمة أعمالهم في الدول الأوربية، والتقرب من الأوساط الأدبية هناك، عسى أن يحظى أحدهم بنوبل. لكن القدر كان في صف نجيب محفوظ الذي واصل حياته البسيطة في القاهرة، ولم يهتم سوى بتطوير مساره الأدبي، والإنصات لقضايا وهموم المصري ابن الشعب، وتجديد أدواته الفنية والتعبيرية لتساير متغيرات العصر!

واليوم يزخر الوطن العربي بجوائز لها بريق إعلامي وعائدات مادية وأدبية وازنة، كجائزة الملك فيصل، والعويس والبوكر في نسختها العربية وغيرها. جوائز تحول إطلاقها إلى حدث ثقافي يتابعه الملايين باهتمام، ويحرصون على معرفة الأديب الذي سيقفز اسمه من المحلية إلى العالمية، أو على الأقل سيحظى باعتراف عربي بمكانته، وتغامر دور النشر بإصدار بضعة آلاف من نسخ أعماله، دون أن تخشى كسادها في المكتبات.

وكما أن الشمس لا يمكن تغطيتها بالغربال، فكذلك الجوائز لا يمكنها أن تعكس حقيقة البيئة الأدبية والثقافية عموما، إن لم تكن تتويجا لعطاء مشهود وملموس، أو تشجيعا لأقلام تحققت فيها الموهبة، ولا ينقصها غير الإصرار والعمل الجاد للبقاء على سكة الأدب.

فهل ما نتابعه يوميا من جوائز وحفلات تتويج وتكريم يُعبر عن مشهد زاخر وغني؟

أم أن الأمر يتعلق بفقاعات إعلامية، سرعان ما تتلاشى أمام الضوء الساطع لفعل القراءة والمتابعة النقدية؟

يسود رأي في أوساط المثقفين مفاده أن الجوائز التي ينفق عليها العرب ما يفوق ثلاثة ملايين دولار، مجرد تقليد ثقافي، ينضاف إلى سائر التقاليد التي نجاري من خلالها الأوساط الغربية، دون أن يكون لها أثر حقيقي على الأوضاع في بلادنا. فما يحوم حولها من شبهات محسوبية، وشراء ولاء الكُتاب، خاصة في بيئة لا تزال محكومة بعقلية بدوية، بالإضافة إلى مستوى لجان التحكيم ومعايير قبول الأعمال الأدبية، كلها عوامل تحد من قدرة تلك الجوائز على الارتقاء بمستوى الأدب والثقافة العربيين؛ بل إن العائد المادي جعل الكثير من الأدباء مجرد صائدي جوائز، وباحثين عن المكانة في مشهد لا يؤمن بغير العطاء والإبداع المتواصل.

حين رفض الكاتب الإيرلندي برنارد شو جائزة نوبل سنة1925، علّق على الأمر ساخرا:" إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت، ولكني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل. إني أكتب لمن يقرأ لا لأنال جائزة." وكذلك فعل جان بول سارتر، ولم ينتقص من عالمية الأديب الروسي تولستوي أنه لم يُرشح لنوبل، بالرغم من عبقريته الأدبية التي تتساقط أمامها قوائم أغلب الفائزين.

نتيجة الحضور الإلكتروني البارز على شبكة الإنترنيت، صار الأديب الشاب يفخر اليوم حتى بوسام يمنحه اتحاد صانعي الأسنان، أو نقابة الصيادلة. فلم يعد الأمر يتعلق باعتراف بالعطاء، وإنما بتحقيق مكانة وهمية. وتحولت صفحات أدباء شباب على السوشيال ميديا إلى حائط بطولات، يعلن فيها الأديب عن نبوغه واصالة قلمه، بدل أن تتولى ذلك نصوصه، وكتاباته، وقراؤه.

وهكذا يصدق اليوم، للأسف الشديد، على مشهدنا الأدبي قول الشاعر:

إني لأفتح العين حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا.


  • 4

   نشر في 26 ماي 2022 .

التعليقات

ياسر السيد منذ 4 أسبوع
عالم غريب يا صديقي احسنت
0
حميد بن خيبش
غريب فعلا..أصبح للأدب حضور مادي فتحول لدى البعض إلى صنعة. دمت طيبا
مريم منذ 4 أسبوع
مقال رااائع....
0
حميد بن خيبش
سعيد بمتابعتك..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا