نقد هربرت ماركيوز لمفهوم الحضارة في المجتمع الصناعي المتقدم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نقد هربرت ماركيوز لمفهوم الحضارة في المجتمع الصناعي المتقدم

( حواره مع فرويد )

  نشر في 19 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 14 أبريل 2019 .

اهتم ماركيوز بفكر فرويد كفيلسوف خاصة بكتاباته التي أخذت الطابع الحضاري والفلسفي، بمعنى أن ماركيوز لم يبدي أي اهتمام بكتابات فرويد التي تدور حول أساليب التحليل أو العلاج النفسي. ويمكن اعتبار هذا الاهتمام من قبل ماركيوز منطلقاً هاماً لتفسير الأسباب التي أدت إلى قمع الإنسان المعاصر وفقدانه لحريته في مجتمعه، بعد أن أخفقت الماركسية في تقديم تفسير يتجاوز الوضع الراهن في المجتمع الصناعي المعاصر.

يتفق ماركيوز مع فرويد على أن تاريخ الإنسان، هو تاريخ قمعه. ذلك أن الحضارة لا تفرض أشكال القسر على وجوده الاجتماعي فحسب، ولكن على وجوده البيولوجي أيضاً. فهي لا تحد من بعض أجزائه في الوجود الإنساني فقط، ولكنها تحد من بنيته الغريزية ذاتها. ومع ذلك فإن مثل هذا القسر هو وحده شرط التقدم الأولي.

كما يذهب ماركيوز إلى أن فرويد عرض فكرة الإيروس بوصفها الطاقة التي تكمن في أصل كل حضارة، حيث يرى أن الحضارة قائمة على إخضاع الغرائز الإنسانية للكبت، مما يؤدي إلى أن ارتواء الحاجات الغريزية عند الإنسان لا يتوافق مع المجتمع المتحضر. فالتنازل القسري، وتحصيل الارتواء، يؤلفان شرطي التقدم. ويقول فرويد في هذا الصدد "إن السعادة ليست قيمة حضارية". إذ أن السعادة ينبغي أن ترتبط بنظام العمل من حيث هو انشغال مستمر، كما أنها ترتبط بنظام التناسل في ظل الزواج الأحادي (أي الزواج من امرأة واحدة فقط)، والقوانين ذات الطابع الاجتماعي، فالتضحية المنظمة بمبدأ الليبدو، وتحويله قصراً إلى نشاطات وتظاهرات مفيدة اجتماعياً، إنما هو الحضارة.

فالحضارة بهذا المعنى تفرض على الإنسان أنماطاً من القهر، وأنواعاً من التحريمات. أي أن التحضر هو في أساسه تغيير لطبيعة الإنسان التي خلقت على الفطرة، عن طريق تنحيت مبدأ اللذة المباشرة في سبيل الخضوع للأمر الواقع، بمعنى أنه كلما ازدادت الحضارة نمواً انتصر مبدأ الواقع على مبدأ اللذة، وازداد التحكم في الغرائز الطبيعية عن طريق النظم والقوانين التي تفرضها الحضارة المتقدمة، مع الإشارة إلى أن مبدأ اللذة لا يختفي تماماً، وإنما يظل يعبر عن نفسه بواسطة صور غير مباشرة يحاول عبرها التخلص من سيطرة مبدأ الواقع عن طريق الأحلام والإبداع الفني والخيال...، وبذلك تصبح تلك الصور عبارة عن متنفس ليعبر المكبوت عن نفسه. فيصبح الكبت الثمن الذي يدفعه الإنسان لقاء تقدمه الحضاري.

ويُفرض على الإنسان في ظل هذه الحضارة العمل لكي ينتج، بدلاً من أن يستجيب لدوافعه الطبيعية (الغريزية) وعلى وجه التحديد الجنسية. مادامت الموارد لا تكفي لجعل أفراد المجتمع بلا عمل، فالإيروس إذا ترك بدون رقابة يمنع الإنسان من العمل، ويحرم المجتمع من وسائل العيش، من هنا كان لابد من طرحه جانباً والتركيز على العمل والإنتاج، لأن الإيروس عاجز وبكل بساطة حسب تعبير فرويد عن إقامة الحضارة، لذلك كان من واجب إنكاره إذا أراد المجتمع أن يقيم لنفسه حضارة مرتكزة على الجهد والعمل. وفي هذا الجانب يفسر ماركيوز فكرة فرويد "على أن الحضارة هي قبل كل شيء تقدّم فيما يتعلق بالعمل، وبصورة أدق هي العمل لتحصيل خيرات الاستهلاك وزيادتها. وإن العمل لا يحتوى طبيعياً على أي ارتواء في ذاته. وهو برأي فرويد عمل بدون لذة". وبذلك ينظر إلى العمل، ليس على اعتباره صفة ليبيدية (نسبةً إلى الليبيدو) بل على اعتباره جهد، والجهد يعني دائماً انعدام اللذة، وإن حالة انعدام اللذة ينبغي أن تفرض على الإنسان. بمعنى أنه إذا كانت الحضارة هي من عمل إيروس بصورة رئيسية، فإنها قبل كل شيء هي بتر لليبيدو، لأن الحضارة تكتسب جانباً كبيراً من الطاقة النفسية توجهه إلى أهداف حضارية لتبعده بعيداً عن الحياة الجنسية. لذا نجد أن الحضارة بكل إمكاناتها تسعى إلى تحويل الغرائز عن أهدافها المؤدية لبلوغ اللذة، عن طريق إحباطها بالنسبة لتحقيق هذه الأهداف، فمن الطبيعي أن تبدأ الحضارة بالتطور والارتقاء عند ما يصبح الهدف الأولي (وهو الارتواء الكامل للحاجات) لاغياً فعلاً.

وتصبح التقلبات المصيرية للغرائز هي تقلبات الجهاز العقلي للحضارة، فالدوافع الحيوانية تصبح غرائز إنسانية بتأثير الواقع الخارجي. ويمكن لنا أن نرصد تبدل نظام القيم تبعاً لتطور الحضارة كالآتي:

                                     آلية تبدل نظــام القيــم في المجتمعات الغربية

                   وضع القيم قبل المجتمع الصناعي / وضع القيم بعد المجتمع الصناعي

                        الارتواء المباشر                         /              الارتواء المؤجل

                                 اللذة                                   /                  تقييد اللذة

                          السرور (اللعب)                           /               التعب (العمل)

                              الانفعالية                                 /                   الإنتاجية

                            غياب الكبت                               /                      الأمن

ويوضح لنا الجدول السابق كيف حدد فرويد هذا التبدل باعتباره تغيير في مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع. وإن التعبير عن هذا الجهاز العقلي من خلال حدود هذين المبدئيين هو أمر أساسي في نظرية فرويد. ويري فرويد في هذا الجانب أن إبدال مبدأ اللذة بمبدأ الواقع هو أكبر حدث صادم في تطور الإنسانية على الإطلاق. حيث أخذت عملية التحول والسيطرة في المجتمع المعاصر شكل المؤسسات الاجتماعية والسياسية، لأن مبدأ الواقع اليوم يتحقق من خلال نظام من المؤسسات، فيتعلم الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية في ظل هذا النظام ضرورات الخضوع لمبدأ الواقع، كما لو كانت ضرورات القانون أو النظام، فينقلها بدوره إلى الأجيال القادمة.

يتفق ماركيوز مع فرويد فيما تقدم حول قمعية الحضارة الراهنة ويوصّف المجتمع الصناعي الذي عاصره على الأساس الذي انطلق منه فرويد. ويرى ماركيوز أن الجنس ينحط ويبتذل على أوسع النطاق، ولكن في إطار من القمع الشديد، دون أن يصاحبه إشباع حقيقي أو متعة حقيقية، أنه أبعد ما يكون عن طبيعته الأصلية التلقائية. فكل شيء فيه مخطط ومدروس، يستهدف إغراق الإنسان المعاصر بالصور والتعبيرات والإيماءات الجنسية التي تحفل بها الصحف وأفلام السينما، ولكن دون إشباع حقيقي ولو شئنا الدقة لقلنا أن ما يقدم إلى الإنسان المعاصر، ليس هو الجنس ذاته، بل بديل عنه، إنه خيالات وأوهام تحل محله وتزيد من طابع القمع المسيطر على نظرة المجتمع إلى الجنس، هذا النفاق ذو الوجه المزدوج، الذي لا يمكن أن يعد حرماناً، ولا إشباعاً لابد أن ينتهي، لكي يحل محله انطلاق وتحرر لقوى الإنسان الغريزية، وعلى رأسها الجنس، وذلك من خلال حضارة الإيروس التي ينتهي بها القمع.

أي أن القمع الجنسي في المجتمع المعاصر لا يتم بصورة مباشرة ومعلنة، وإنما يتم بصورة تبدو تلقائية وطبيعية سوية، ولا تتعارض مع ما هو سائد من صور للحرية الجنسية، لذا يرى ماركيوز أنه من الممكن أن تصل الحرية الجنسية إلى أقصى مدى يتصوره الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تتخطى الحدود التي وضعها النظام القائم للجنس.

فهذا التحرر المزعوم في المجتمع الصناعي المتقدم، كما يراه ماركيوز "يسبب انكماشاً في الحاجات الغريزية بدلاً من أن يكون عاملاً على اتساعها وتطورها، والواقع أن هذا التحرر المزعوم يخدم القمع العام الراهن أكثر مما يناوئه".

بذلك يرى ماركيوز أن المجتمع المعاصر يفرض قيوداً متعددة على مبدأ اللذة، فيتنازل الإنسان عن قسط كبير من حريته الجنسية، ويخضع لمتطلبات الواقع الاجتماعي، وإن مبدأ اللذة يواجه من خلال التلبية التي يأذن له بها المجتمع انكماشاً، بهذا يعاني الفرد من الحرمان لتقلص مطالبه الغير قابلة للتوافق مع المجتمع القائم. فاللذة من هذا النوع تولد الخضوع.

وفي المقابل يرفض ماركيوز أن يكون خضوع مبدأ اللذة لمبدأ الواقع أبدياً، مثلما ذهب إلى ذلك فرويد، حيث يرى ماركيوز أنه من الممكن إنتاج مبدأ جديد للواقع لا يكون قمعياً يتحرر فيه مبدأ اللذة.

وفي نهاية المطاف نجد أن ماركيوز يبدي اختلاف واضحاً فيما بعد، مع آراء فرويد التي تدور حول آلية تصوره لحضارة القمع في المجتمع الصناعي المتقدم بغية تطويرها لا إلغائها، فقد جاء هذا الاختلاف بناءً على التطورات التكنولوجية الهائلة التي حدثت في تلك المجتمعات والتي عاصرها ماركيوز ولاحظ نتائجها، والتي لم يكتب لفرويد أن يعاصرها، لأن الفترة التي عاصرها فرويد كانت تفرض هذا النوع من التفكير حول القمع الحضاري الذي يمارس على الإنسان.

إلا أن ماركيوز يرفض التفسير الفرويدي فيما يخص هذا الموضوع لأنه ينطبق على المجتمعات السابقة التي كانت تعاني من ضيق نطاق الإنتاج، حيث يتم فيها تعبئة كل الموارد من أجل العمل، ويحتم على المجتمع بالتالي تجاهل الإيروس. لكن يرى ماركيوز أن المجتمعات الحالية ظهر فيها و لأول مرة إمكانية الاستغناء عن القمع وإقامة حضارة لا ترتكز على الكبت، وهذا ما تجلى بالمجتمع الصناعي المتقدم الذي أصبح قادراً على تحقيق قدراً هائلاً من الوفرة عن طريق التقدم التكنولوجي وانتشار الآلية (الأوتوماتيكية) التي تسير بذاتها، مما يتيح للمجتمع الانتقال إلى شكل جديد من أشكال الحضارة لا يعود فيه العمل الشاق ضرورياً، بل يتفرغ الإنسان لتحقيق طبيعته الحيوية، مما يؤدي إلى القضاء على كل أشكال الاغتراب التي يتعرض لها الإنسان. بهذا نجد أن الإنتاجية الوفيرة لهذا المجتمع تكرس لصالح قواه الإنسانية التي تحقق ذاته لأول مرة في تاريخه الطويل.

ويرى ماركيوز أن المجتمع الصناعي المعاصر لم يستغل هذه الوفرة الإنتاجية في القضاء على القمع والكبت الذي يعاني منه الإنسان، ولا في إشباع حاجاته الحقيقية، بل لإشباع جشع المنتجين إلى الربح وإلى المزيد من الإنتاج، فأصبح الكبت في العصر الحالي قمعاً إرادياً من صنع الإنسان ليس كما وصفه فرويد كبت بحكم الضرورة الطبيعية، بمعنى آخر يرى ماركيوز بالمحصلة أن العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي التي تؤدي إلى القمع السائد الآن، وهي تدفع المجتمع إلى تطبيق أساليب معينة في توزيع ثروته. وتحتم سيطرة البعض على البعض الآخر.

                                   الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،،،،

                                                                                            حسام الدين محمود فياض                                                


  • 1

  • د. حسام الدين فياض
    الدكتور حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية السوسيولوجية المعاصرة ( النظرية النقدية المعاصرة ) دكتوراه دولة من جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية، باحث في العلوم الثقافية واللغويات واللسانيات الاجتماعية ( عل ...
   نشر في 19 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 14 أبريل 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا