فلسفة اللغة التجريدية . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فلسفة اللغة التجريدية .

الشعر التجريدي

  نشر في 24 فبراير 2018 .


د انور غني الموسوي

التجريدية هي شعور تجريدي بالاشياء و نفوذ عميق الى جوهرها النقي المجرد و في المعاني و الكلمات هو ادراك العمق الشعوري و الاحساسي فيها و لا يتعارض هذا ابدا مع عذوبتها و قربها الرمزي كما اثبتته الكتابات الشعرية السردية مابعد الحداثوية في تجريدياتها.

اذا ما علمنا ان فلسفة التجريد في الابداع الانساني هو النفوذ عميقا الى حقائق الاشياء و الاتجاه و بقوة نحو الكلي فيها و تجاوز الشخوصية و الجزئية ، حينها نعلم ان الرمزية المتعالية و الهذيانية انما كانت محاولة في التجريد و ليست هي التجريد بالضرورة . يقول كولنز ( ان الأدب العام يظهر التجريديين التعبيريين بانهم بدائيون بوهيميون و مهاجرون فائقو الذكاء هجروا مجتمعا ماديا و لا عاطفي ) (1) . ما هو مطلوب فعلا في التجريد هو الوصول الى تعبيرية العناصر الاساسية للمكونات الابداعية ، و ادراك ذلك العمق التعبيري لها ، يقول كاندنسكي ( من بين جميع الفنون فان التجريدية اصعبها انها تتطلب ان تكون رساما جيدا و عالي الحساسية و الادراك بالالوان و التراكيب و ان تكون شاعرا حقيقا . و الشرط الاخير اساسي ) (2) و اذا ما كان ذلك يسيرا في اللون و الصوت لانها مجانية بطبيعة حالها فان ذلك صعب جدا في الكلمات لان الوظيفية مترسخة فيها في الوعي ، لذلك لجأت المحاولات الحداثية في التجريد الى الرمزية المتعالية و التعدد التأويلي و الى التشظي التعبيري ، و الابهام و الانغلاق . ان العمق اللامجاني للمعاني و الكلمات جعل المحاولة الحداثية في التجريد تعتمد على الرمزية و الهذيانية و النص متعدد التاويلات و الانغلاقية ،. و صار من اشكال التجريدية الحداثية المعروفة الرمزية التجردية و التجاورية التجريدية ، لكن قد عرفت ان ذلك ليس واجبا لاجل التجريد فضلا عن ان يكون هو التجريد في الكتابة . و قد حاول النقد تبرير كل هذا حتى وصل الى اللامعنى و الهذيان . و حينها ارتكبت الحداثة اكبر خسارة انسانية بايصال النص الى تلك المراحل من الجفاف و الجفوة و الخواء ، بينما نصوص ما بعد الحداثة المتعمقة في الانسانية و الهم الانساني فانها فهمت التعبيرية و التجريدية كفلسفة و نظام لا يجب ان يتعارض مع روح الادب و رسالته ، فالتعبيرية ليست انغلاقا بل عطاء و التجريدية ليست تاويلية و رمزية مغلقة بل عذوبة و نفوذا في النفس . يقول ديفد غويللو احد رواد الادب التجديدي ( ان الادب التجديدي سري و لغز الا انه يمكن ان يكون تجربة عميقة و صادمة لكل قارئ )

ان الميزة الاهم و الخاصية المميزة للكتابة التجريدية او العمل الفني التجريدي عموما هو الاعتماد على الثقل الشعوري و العمق الفكري و النفوذ في الوعي للعناصر الفنية ، بعيدا عن التشكل و التشخص ، فلا يرى المتلقي شخوصا و اشكالا بل ليس هناك سوى احاسيس و مشاعر منقولة عبر الاداة الابداعية من لون او صوت او كلمة .

و فيما يخص المعاني فان التجريدية تعمد الى تقليل الاعتماد على توصيلية الكلمات و منطقيتها و وعيها الافادي و التفهيمي ، و في المقابل فانها تعتمد على ثقل الكلمات الشعوري و زخمها الاحساسي و طاقتها التعبيرية بذاته ، لذلك فان الاحساس و الشعور و العمق الفكري و لاجل تجلي هذه الامور بقوة في الكتابة التجريدية فانها تصل الى المتلقي قبل المعاني و قبل الفهم ، فيحس المتلقي و يدرك النظام الشعوري و الاحساسي قبل ان يدرك الافادات المعنوية و التفهيمية المركبة .

التجريدية ترتكز على استعمال اللغة و الالفاظ بشكل تعبيري غير معهود ، اي ليس لأجل نقل المعنى و توصيل الفكرة و الحكاية ، و انما لنقل الاحساس و الشعور ، و جعل المشاعر و الاحاسيس هي ما يتجلى بالالفاظ و ليس المعاني و المغزى ،فتكون الالفاظ و الجمل كالوان مجردة من دون تشكل محاكاتي اي بشكل الوان في لوحة تجريدية تعتمد في تأثيرها على الاحساس و الشعور و ليس المحاكاة و المعنى .

اذن التجريدية في التعبير و اللغة هو استعمال اللغة في نقل الاحساس و الشعور و ليس الحكاية ، فتتخلى الالفاظ عن وظيفة نقل المعنى الى نقل الاحساس المصاحب له كمركز للتعبير ، فيرى القارئ الاحاسيس و المشاعر المنقولة اكثر مما يرى المعاني .

و انطلاقا من فكرة انّ الابداع اللغوي و خصوصا الشعر لا يتجه بالأساس نحو البناء المعرفي و المفاهيم ، و انّ محور الابداع هو عالم المعنى و الشعور و الاحساس ، فاننا يمكن فهم اللغة التجريدية بانها اتجاه عميق نحو صور خالصة و مجردة وكلية لموضوعات الادب و عوالم الجمال و الشعور و الاحساس و المعنى ، التي تعصف بنفس الشاعر و تلهمه ، و تختلف هذه التعبيرية بشكل واضح عما يتجه نحو الجزئي من تجرية و جماليات و موضوعات قريبة ، و ينعكس ذلك بشكل ملحوظ على لغة التعبير لان خصوصية الموضوع لها تاثيرها الحاسم في شكل اللغة التي تتحدث عنه ، فبينما الجلاء و الوضوح و القرب و الاحتفاء و المجاز التعبيري وحتى الرمزية الموظفة من سمات اللغة المعبرة عن التصورات الجزئية لموضوعات الابداع و الجمال الجزئية بلغة تعبيرية جزئية تشخصية ، فان التجسيد الخالص ، و التصورات الكلية و الرمزية المبتكرة و التحليق الحر و العمق البعيد من سمات اللغة التي تتجسد فيها التصورات الكلية لموضوعات الابداع و الجمال الكلية بلغة تعبيرية كلية تجريدية .

لا بد من القول و بشكل حاسم و واضح ان الانطلاق بالكتابة من العوالم العميقة و الكلية للمعنى و الشعور لا يكفي لتحقيق التجريد ، بل لا بد من ان يظهر اثر ذلك في اللغة ايضا ، و لا تكفي الرمزية مع توظيفها و حكايتها و وصفيتها ، بلا لا بد ان تكون في وضع الاشعاع و التوهج المرئي بدل الحكاية .

بالاضافة الى عناصر الابداع من الفنية و الجمالية و الرسالية التي يجب توفّرها في العمل الشعري الناضج ، لا بدّ ان تتصف اللغة التجريدية بصفات محددة اهمّها ان تكون تعبيرا عن عالم عميق للمعاني و الاحاسيس ، بوجوداتها الخالصة الحرة ، البعيدة عن التشكل و القصد ، ببوح كلي و كوني و انساني عميق ، بمفردات و تراكيب لا ترى فيها الا تجليات و تجسيدات لتلك العوالم و عناصرها من خفوت شديد للقول و الحكاية و التوصيل ، بلغة تشع و لا تقول . حينها نكون امام لغة تجريدية لغة الاشعاع التي تتجاوز مجال القول و التشخّص .

1-

https://www.jstor.org/stable/3045794…

2- http://news.westbranchgallery.com/decoding-abstraction/


  • 1

   نشر في 24 فبراير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا