عاد الأولى وعاد الثانية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عاد الأولى وعاد الثانية

  نشر في 17 يونيو 2020  وآخر تعديل بتاريخ 01 يوليوز 2020 .

كان ذكر عاد يتردد بين رواة العرب في الجاهلية، وبهم يضرب المثل فيقال: "لا تكن كوافد عاد" ولا أظن خبر عاد بقي يتردد بين العرب، إلا لأنهم يرون آثارهم، فبسبب هذه الآثار، تنتقل أخبارهم جيلاً بعد جيل، فإن كل جيل إذا رأوا هذه الآثار سألوا عن أصحابها، فيخبرهم أباءهم بما سمعوا عن أسلافهم عن أهل هذه الآثار وما جرى لهم، كما أنها تصبح موضعاً خصباً للقصاص، لتأليف الأساطير، وحياكة الأكاذيب.

وإنما لم يرد لمنازل عاد ذكر كما ورد عن منازل ثمود، لكون النبي صلى الله عليها وسلم وصحابته لم يمروا عليها، فإن الأخبار التي جاءت في تحديد موضع منازل ثمود، إنما جاءت بسبب أن النبي مر على ديار ثمود.

ولكن أين هي أثار عاد التي تحفظ لهم ذكرهم، وتجعله يتردد في أفواه رواة العرب جيلاً بعد جيل؟! الحقيقة أنه لا وجود لهذه الأثار، وكل ما يقال حول مواطن عاد تخرص وأوهام.

فكيف إذا بقي ذكر عاد دون أي أثر يبقي ذكرهم حيّاً بين الناس؟

الحقيقة أن القول بأن عاد التي يتردد ذكرها بين رواة العرب في الجاهلية، قد لا يكون لها علاقة بقبيلة عاد قوم هود، بل هم قبيلة أخرى، كانت تقيم باليمن، ولا علاقة لها بعاد قوم هود سوى بتشابه الأسماء.

وهذا ما يشير إليه القرآن، وإن لم يصرّح به، فقد قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ) فهل أراد الله تعالى بذلك التمييز بين عاد قوم هود وعاد أخرى نشأت بعدها، أم أراد بقوله الأولى، اسبقيتها في الوجود على الأمم الأخرى، الحقيقة أن الخيار الثاني ضعيف جداً، فما معنى أن يصف الله عاد بالأولى لهذه العلّة، وهناك من الأمم من هو أسبق منهم في الوجود، كقوم نوح! إذاً فالخيار الأول هو الراجح، فكأن الله تعالى يريد أن يقول للعرب، إن عاداً قوم هود ليسوا هم عاد الذين تعرفونهم، بل هو قوم كانوا وهلكوا قبل عاد الثانية، الله أعلم!

فقوم هود، قبيلة قديمة جداً، عاشت في زمن قريب عهده من قوم نوح، كما قال تعالى مخبراً عن ما قاله هود إلى قومه عاد: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) وبين عاد قوم هود وبين زمن النبي مرت عشرات الألوف من السنين، مما يجعل بقاء ذكرهم يتردد على ألسنة العرب، أمراً مستحيلاً.

بل إن ثمود قوم نبي الله صالح، مع كونهم أقرب زماناً لزمان النبي صلى الله عليه وسلم، ومع بقاء شيئ من أثارهم، كانوا مجهولوا الحال اسماً ومعناً عند العرب في الجاهلية، فلا ذكر لثمود في أخبار العرب وأشعارهم، مع معرفة رواة العرب لكثير من القبائل التي بادت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كطسم وجديس والعماليق وعبدضخم وغيرهم، ولكننا لا نجد رواة العرب يذكرون من القبائل البائدة، قبيلة ثمود، مما يدل على أنهم كانوا يجهلون وجود هذه القبيلة، لقدم العهد بهلاكها، فكانوا يرون تلك الىثار في العلاء ولكنهم لا يدرون لمن تكون، حتى جاء النبي وأخبرهم أن هذه منازل قبيلة ثمود قوم النبي صالح عليه السلام.

فإذا كان هذا حال ثمود قوم صالح، فما معنى أن يذكروا عاداً قوم هود مع أنهم أقدم من ثمود ولا وجود لشيء من أثارهم؟!

ومما يثبت عدم وجود علاقة بين عاد الأولى وعاد الثانية، هو ما يحكيه رواة العرب حول كيفية هلاك قبيلة عاد الثانية.

فعن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها. فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟. قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست فدخل منزله، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت فسلمت. فقال: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم وكانت الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت. وقالت: يا رسول الله أين يضطر مضرك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها حملت هذه، ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت هي: وما وافد عاد؟ وهي أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه. قلت: إن عاد قحطوا، فبعثوا وفدا لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، يقال: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم لم أجيء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا. قال: فلما بلغني أنه أرسل عليهم الريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال - أبو وائل وصدق -: وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد.

قلت: فمن خلال تفاصيل الرواية، وإن كانت لا تخلوا من ضعف في سندها، ومن زيادة في متنها، إلا أنه على فرض صحتها، فإنها لا علاقة لها بعاد الأولى، فعاد في خبر الحارث البكري أصابها قحط، فجفت العيون وأجدبت الأرض، وكانوا على مشارف الهلاك، ثم بعثوا وافدهم إلى تهامة - يريدون إلى بيت الله الحرام وإلا فما حاجتهم أن يبعثوا وافدهم إلى تهامة لولى قداسة البقعة التي بعثوه إليها - وهناك بعثت عليهم سحابة سوداء معها ريح حارّة، تجعل ما تمر عليه رماداً، من شدة حرها، لذلك جاء وصفها في الخبر "خذها رماداً رمددا" أي ريح حارة شديدة الحرارة.

فتفاصيل هذا الخبر، يؤكد وإن كان فيه شيء من ملح القصاص وزياداتهم وتهويلاتهم التشويقية، أن عاد الثانية، هلكوا من شدة القحط الذي أصابهم، بعد أن نال منهم الجهد والعوز والفاقة مبلغها، ثم ذهبوا ليستسقوا عند الحرم، ولما استسقوا، بعثت عليهم السموم، وهي الريح الحارة شديدة الحرارة حتى هلكوا.

وأما عاد الأولى، فقد قضي عليهم في عزّ قوتهم، وشدة شوكتهم، وغاية نفوذهم وصولتهم، ثم إنه في زمانهم لم يكن هناك حرم لله في تهامة، ولم يكن البيت الحرام قد بني بعد، وأما ما يزعمه القصاص من أن البيت بني في زمن أبينا آدم فكذب مفضوح، فإن البيت الحرام بني في زمن إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم ظهر بعد عاد بقرون طويلة جداً، ثم إن عاداً الأولى هلكوا بالريح الباردة، فماتوا من شدة بردها، وليس بالريح الحارة!

إن هذا التباين في خبر القبيلتين، يجعلنا موقنين، ويؤكد لنا، بأن عاد التي كانت أخبارها تتردد على ألسنة رواة العرب في الجاهلية، لا علاقة لها بعاد قوم هود، وأن عاد الثانية كانت تقيم باليمن، فأصابها قحط أعقبه صيف حار، فألهبت الرياح الحارة من عطشهم وجوعهم فهلكوا، وهو ما يفسر لنا تردد اسم عاد على ألسنة رواة العرب قبيل الإسلام، فتلك القبيلة هلكت قبل الإسلام بمدة مكّنت لذكرها من البقاء إلى ظهور الإسلام، كما هو حال طسم وجديس والعماليق وعبد ضخم وما عرف اصطلاحا بالقبائل البائدة، ولو كان زمن هلاكها بعيد جداً عن عصر الإسلام، لربما نسي خبرهم كما نسيت أخبار غيرهم من القبائل التي هلكت في الزمان القديم.

وقد عثر في النقوش الحجرية اليمنية على اسم "ذو عاد" كشعب يقطن في منطقة مأرب باليمن، ولا نراها سوى عاد الثانية، وبسبب هذا التشابه في الأسماء وقع الخلط عند الرواة فظنوا أن عاداً الثانية التي تقيم باليمن، هي عاد قوم هود عليه السلام.

والله وحده أعلم وأحكم.



  • 2

   نشر في 17 يونيو 2020  وآخر تعديل بتاريخ 01 يوليوز 2020 .

التعليقات

فكري آل هير منذ 4 أسبوع
عاد الثانية جزء من سبأ الكبرى في طورها الأقدم الثالث
أسسها(شمس عاد ملك سبأ) وهو المقصود في نصوص بابل وآشور باسم (شمس أدد ملك سبأ أرتو- ملك جميع البلدان)، والذي بدأ عصره في 1792 ق. م، وبحسب ما أشارت إليه النقوش المسمارية فإن حمورابي كان ملكاً لبابل في إطار ملوكية عليا لــ شمس أدد ملك آشور، وهذا ما يدل أن مملكتي بابل وآشور كانتا امتداداً لمملكة سبأ (عاد الثانية) وخضعتا للملك شمس عاد.
كما أن النقوش المسمارية البابلية قد ذكرت أيضاً اسم (الملك شداد بن شمس عاد) وهو الذي ذكره المؤرخون الأوائل- في السيرة الكبرى- أنه غزا الى العراق وفارس والشام ومصر، وبغزوه لمصر خضعت مصر لحكم الهكسوس، وهذا ما يقضي بأن يكون حكم الهكسوس لمصر امتداداً آخراً لمملكة سبأ (عاد الثانية)، وأن هذا الملك هو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد" المذكورة في القرآن، ثم حكم بعده الملك (لقمان بن عاد بن الملطاط)- كما في الإكليل- وهو (لقمان بن شمس عاد)، والذي ذكرته النقوش المسمارية البابلية والآشورية باسم (دقمان بن شمس أدد)، وهو صاحب النسور السبعة، وقد قام ببناء منشآت سد مأرب العظيم.
ذكر الهمداني في الإكليل إن الملك لقمان بن عاد لما مات دفت في مغارة بجبل شبام، وقد تم العثور في (ناووس جبل الغراس بشبام) على عدة مومياءات يمنية، تم فحص عينات منها في المختبر الفيزيائي بهولندا- بالكربون 14- واتضح أن أقدمها تعود الى (3025- 2795) ق. م- أي بالألف الثالث قبل الميلاد.
..
انتهى العصر الثالث لسبأ (عاد الثانية) في أوائل القرن الخامس عشر قبل الميلاد..


0
صقر العتيبي
حياك الله يا أستاذنا الفاضل فكري وأنا أسعد دائما بمثل هذه النقاشات لأنها تقوم على توسعة أبعاد الفكر أكثر وأكثر وتعطيه معلومات إضافية وتوسعه مداركه أستاذي الكريم أنت قلت بأن شمس أدد هو شمس عاد ، بناء على أنك ترى أن عاد هو بدل من أدد أو العكس والحقيقة يا أستاذي الكريم أني لا أرى هناك أي مقاربة بين الاسمين من ناحية المعنى، فعاد مشتق من الإعادة أو العودة بينما أدد هي صيغة مبالغة من أدّ وتعني الشدّة وبهذا فمعنى أد هو الشديد ومعنى أدد أي الأكثر شدة، هذا رأيي يا أستاذ فكري ولعل لك ما يعضد حجتك في هذه المسألة هذا أمر الأمر الأخر أنه كما قلت سابقا في البحث أعلاه أنه لا علاقة نسب أو تاريخ تربط بين عاد الأولى وعاد الثانية، ومن المعلوم أن عاد الأولى هي التي وردت في القرآن، وهي التي بنت إرم ذات العماد، العاصمة المجهولة، وكل ما يقال عن موضع إرم هو مجرد تخرص لا أكثر، لذلك الجزم بأن إرم هي مصر "عاصمة الفراعنة في ما بعد" مجرد ظن، والظن لا ينبني عليه حجة، ومصر في الأساس هي مدينة بنيت على انقاضها مدينة القاهرة، وقد سمي الإقليم كله فيما بعد باسم تلك العاصمة، لذلك محاولة ربط مصر بغزو ملك سبأ - إن ثبت ووقع - لمصر واحتلالها بقبيلة عاد الأولى وبنائها لمدينة إرم التي يرى البعض أنها مصر، لا اظنه صائباً البتّة، ولو صح أن مصر هي إرم فيكون اليمنيون وردوا على هذه البلاد ووجدوا أثار مدينة إرم، ولكنهم لم يكونوا بناتها، بل من بناها هم عاد الأولى، وعاد الثانية كما قلت في البحث أعلاه، لم تكن أبداً شعباً ضخماً، بل كانت فرعاً صغيراً يقيم بمأرب، وسبأ لم تكن تعرف مطلقاً بعاد، وشمس أدد، اسم علم أو لقب له، وليس اسما للقبيلة بأسرها، ولم تعرف به مطلقاً، والقبائل العربية اليمنية تدفقت إلى مصر واحتلت المنطقة بين نهر النيل وبين البحر الأحمر، في وقت مبكر، وأول من أشار إلى تواجدهم هناك هو هيرودوست في تاريخه، والذي نعلمه أن تلك القبائل العربية وردت إلى مصر كل قبيلة على رأسه سيدها وقائدها، ولم يكن للحميريين أي دور في دخول القبائل العربية إلى مصر وشمال أفريقيا، أما ما ورد من القصص الشعبي في كتاب الإكليل للهمداني، أو نقله الطبري في تاريخه، أو في الكتب الأسطورية مثل: التيجان في ملوك حمير المنسوب لوهب بن منبه الأبنائي، ووصايا الملوك المنسوب لدعبل الخزاعي، فتلك الكتب الأسطورية، كل ما فيها عبارة عن قصص شعبية موضوعة، وليست مرجعاً تاريخياً هي أشبه بتواريخ الفرس الأسطورية كفارسنامه والشاهنامة وأمثالها بل يظهر لي أن من وضع التيجان والوصايا متأثر وبقوة بأساطير الفرس ومقتبس منها ايضاً، وأما السيرة الكبرى فلا أدري ماذا تعني به؟
فكري آل هير
لم أقل اني قلت.. أحلتك الى صاحب الرأي وهو محمد حسين الفرح.. أو هذا بالأصح ما فاتني أن أذكره في تعليقي السابق.
صقر العتيبي
بل فاتك يا أستاذ فكري أن تذكر ذلك لأنك لم تحل أبدأ إلى محمد حسين الفرح في ردك وعلى العموم عاد الأولى هلكت ولم يبقى لهم باقية قال تعالى : (فهل ترى لهم من باقية) أي: لا بقية لهم. وعاد الأولى هم بناة إرم ، وأما عاد الثانية فهي عبارة عن فرع صغير من قبائل اليمن نشأ وهلك باليمن وكثير من الأساطير التاريخية تحتاج إلى مراجعة فقصاص حمير "خصوصاً" كانوا بارعين في تأليف القصص لملوكهم
فكري آل هير
لا بأس.. كل شيء وارد

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا