هجرة الأدمغة الشبابية: أزمة ثقة أم انقطاع للسبل؟ - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

هجرة الأدمغة الشبابية: أزمة ثقة أم انقطاع للسبل؟

  نشر في 23 شتنبر 2022  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .



في الآونة الأخيرة وفي لقاءات عديدة أتبادل فيها أطراف الحديث مع شباب يدرسون أو حتى يعملون في مجالات مختلفة (التمريض ، الطب ، الهندسة..) عن خطاهم المستقبلية ، وكالعادة فإنني لا أتعجب أبدا من جوابهم المشترك الذي تكرر على أسماعي مرات ليست بالقليلة ، إنه "الهروب للضفة الأخرى" كما جاء على لسانهم . ربما كشابة قرأت عن الوطن كثيرا واستهواها الطريق إلى حبه والغيرة عليه كانت ككل حديث من هذا القبيل تتملكها مشاعر مختلطة تتأرجح بين الأسى والخذلان والغضب أحيانا. حينها قررت أن لا أستغرق كثيرا من الوقت في الجدال والدفاع باستماتة عن وجهة نظر قد تفتقر إلى أدلة وبراهين منطقية ، بل كنت اتجنب الحديث في الأمر مرات عديدة .

ولأعزز وجهة نظري هاته تملكتني رغبة حثيثة في معرفة دوافع هذه الإرادة المتأججة لدى الشباب مثلي ، البحث عن الجواب هذه المرة  لم يكن عسيرا، كل الإجابات كانت قريبة مني بما فيه الكفاية يكفي أن أنظر إليها بعمق . ككل مرة كان يأتي في مقدمة هذه الإجابات الضغط الاجتماعي الذي تولده تركيبة المجتمعات العربية ، تركيبة قمعية لا يحق لنا أن نحط اللوم على من يعيش داخلها، لأن الأخير كأي إنسان مجبول على الفطرة لا يستطيع أن يتحرر من جذورها وهي دراسة قد فصل فيها الدكتور حجازي في كتابه (التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور ) . فضلا على أن ثنائية القمع والتسلط التي يعيش على أساسها واقع الانسان في المجتمع العربي بمختلف مستوياته دافع أساسي لشاب يستوعب هذه السيكولوجية جيدا ولا زال يحلم بالتحرر منها.

أجابني أحدهم يوما حينما سألته عن دافعه للهجرة (إنه هروب من أجل تحقيق الذات) ، لم اتوقع أبدا أن تخلف جملة لغوية كهاته هذا الحجم من الخوف لدي ، تسائلت يومها (أين هي ذواتنا إذا الآن ؟ أفعلا نستعشرها داخل بيئاتنا ؟ أنحن قادرون على تحقيقها في ظل هذا الواقع الذي تغيب فيه كل شروط هذا التحقيق؟ ) سؤال بدا غبيا جدا حينما علمت أن تحقيق الذات عملية تتدخل فيها بيئة ملائمة تحتضن أفكارها ومشاريعها وتمنحها فرصة التعبير عنها وبلورتها وصقلها .

إن هذه الرغبة المتواصلة لدى الطلبة الشباب في الهروب تضع نظام التعليم خاصة العالي والجامعي موضع شك وتساؤل ، ففي الوقت الذي تكون مراكز البحث العلمي بجامعاتنا ومدارسنا طريقا للحث على المواصلة في الابتكار وتنمية البلاد تصبح شبحا رئيسيا للبحث عن بيئة أخرى تحتضن على الأقل الأفكار العلمية وتعمل على مناقشتها . ولا غريب في هذا، ذلك أن أجواء التخبط والشعور بعدم الجدوى وافتقار المؤهلات والتقنيات والآليات التي يعيشها واقع البحث العلمي بمجتمعنا مؤجج لهذه الرغبة .  وفي ظل هذه الظروف قد أجزم القول أن السياسة العلمية العربية ستواجه كل مرة خطر الإخفاق كلما حاولت تحقيق أهدافها المتعلقة بدعم التدريس، وتنمية البحوث، وتعزيز الابتكار العلمي .لذلك فإن ثالوث البيئة التربوية التعليمية والبحثية بالبلاد العربية الذي يرجع واقعه لعدة خلفيات يبقى الواقع الطارد بامتياز للأدمغة والكوادر والكفاءات الشبابية.

خلاصة القول، إن غياب استراتيجية إصلاحية شمولية خاصة على مستوى جودة التكوين والتعليم بمجتمعاتنا ، وحلول جذرية للواقع الاجتماعي ، الاقتصادي والعلمي المتأزم تجعل من هذا "الهروب " مشروعا وإن خلف جروحا بليغا في وطن لا زال في أمس لحاجة لمن يشد بيده. 



   نشر في 23 شتنبر 2022  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا