عندما سرقنا سيارة أبي
لذة الإنجاز
نشر في 25 ديسمبر 2015 وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .
الكثير من القصص تعلق بأذهاننا و لا نتذكر أين و متى و من سردها لنا، قصة اليوم هي إحدى تلك القصص التي سوف أرويها بلسان بطلها.كعادة الشباب الطائش، كان من دواعي سروري الخروج بسيارة أبي و التباهي بها رفقة أصحابي في الأماكن التي تعج بالجمهور، و العنصر النسوي خصوصا.
ذات ليلة من الليالي التي أكرمني الله بها بنوم أبي و أمي باكرا، و وضعه لمفاتيح السيارة على طاولة البهو. اتصلت بأصدقائي المقربين لأزف لهم الخبر السعيد، و كعادتهم في هاته المواقف يحضرون في الميعاد، لنفتح سويا باب المرآب، و نتعاون على إخراج السيارة بالدفع فقطإلى نهاية الزقاق حتى لا نوقظ والديَّ.
بعدها أطلقنا العنان لسرعة السيارة و سقنا بكل رعونة، و استمتعنا بالسياقة مع النوافذ المفتوحة، و رفع صوت المذياع الذي يصخب بالأغاني المزعجة، و نحن لا نأبه حينها إن كان أحد معارف أبي قد رآنا، و صُلنا و جلنا في شوارع مدينة فاس، و من حسن حظي أن خزان الوقود كان مملوءا تقريبا عن آخره مما أعطانا هامشا كبيرا في حرية التجول، فلا هو مملوء عن آخره فينكشف أمرنا و لا هو منخفض جدا ليشل حركتنا، و خاصة أن وضعنا المادي لم يكن يسمح بتزويد السيارة بالوقود، فالدراهم القليلة التي نوفرها فضلنا أن نستعملها لإرشاء حارس الملهى الليلي حتى يسمح لنا بالدخول للإستمتاع بليلة من النشاط دون الإضطرار لدفع ثمن أي مشروب.
مرت الأمور على ما يرام و كادت أن تكون ليلة الفرار المثالية إلى أن عكر علينا صديقنا المدقق صفونا حين اكتشف أن هناك خدوشا جسيمة على هيكل السيارة، ماذا نفعل إذن ؟ و الساعة تقارب الخامسة صباحا ؟ لحسن الحظ أن أبي ليس من المواظبين على الصلاة عموما، و على صلاة الصبح خصوصا، مما أعطانا مهلة 3 إلى 4 ساعات لإصلاح السيارة.
قمنا ببعض الإتصالات قصد إيجاد ورشة لإصلاح السيارات يشتغل صاحبها ليلا، أو يكون صاحبها صائعا مثلنا و يسهر لساعات متأخرة، و بما أن الأحباب "لبعضيهم" فقد عثرنا أخيرا على من سوف يصلح السيارة بعد أن اتفقنا على ثمن أكثر من المعتاد بحكم أن العمل سوف ينجز ليلا و على وجه السرعة، و قد تشبث صاحبنا بهذا الثمن خاصة عندما علم بسبب الإستعجال و بأننا لن ندفع له الآن إلا تسبيقا.
الحقيقة رغم أن رائحة المخدرات كانت تفوح من فمه إلا أنه أتقن عمله لدرجة كبيرة، و أبلى بلاءا حسنا فكانت النتبيجة جد مرضية.
استمرت المغامرة حتى الساعة السابعة حين أدخلنا السيارة بنفس الطريقة التي أخرجناها بها من المرآب، بعدها أغلقت الباب بلطف و ودعت أصدقائي، و أنا أنسلُّ بهدوء إلى غرفتي فاجأتني والدتي، بصوتها، فتسارعت ضربات قلبي، قبل أن تتمم أمي كلامها لأفهم أنها طلبت مني عدم نسيان تسديد فاتورة الماء و الكهرباء في الصباح، فهي تعلم أنني أسيقظ متأخرا، و أنها سوف تسافر مع أبي إلى مدينة مكناس لعيادة خالتي المريضة هناك.
نمت ذلك اليوم نومة عميقة و كلي شعور بالطمأنينة و الإنتصار، و لم أستيقظ إلا بعد العصر على صوت بوق سيارة أبي طالبا مني فتح المرآب ظنا منه أنني قد صحوت ظهرا.
بعد أن دلف والدي للبهو الرئيسي ، و مرور الرسميات من سؤال عن حال خالتي الصحية، فاجاني أبي بتساؤل غريب : " يبدو يا بني أنني قد بدأت أصاب بداء الزهايمر، البارحة قبل دخولي للبيت حدثت لي حادثة بسيطة و تضررت السيارة قليلا، و قد اتفقت حينها مع مرتكب المخافة أن نتوجه إلى صديق له يصلح السيارات، ما فاجأني في الصباح أنني وجدت السيارة في حالة سليمة جدا، و عندما حاولت الإتصال بالشخص الذي صدمني وجدت أن الرقم خارج التغطية، فلم أفهم هل كنت أحلم ؟ أم أنني أصلحت السيارة و نسيت ذلك، و لكي أفند الفرضية الثانية توجهت إلى صديقي المختص في إصلاح هياكل السيارات فأنكر أيضا أنه أصلح سيارتي و أبدى إعجابه الشديد بحالة السيارة مقارنة بآخر مرة أصلحها"
لم أدر حينها هل أفرح؟ أم أحزن على المتاعب التي تكبدناها و المصاريف التي التزمنا بها، و الربكة النفسية التي سببتها لأبي.
لا أتذكر نهاية القصة، هل اعترف الإبن لأبيه بكل شيء حفاظا على صحة أبيه النفسية، أم أنه كتم الأمر و استمر في عادته الليلة ....
-
ضياء الحق الفلوسطالب علم في مدرسة الحياة. مولع بسباقات الطريق مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. مولع أيضا بالتدوين والرسم والتصوير.
نشر في 25 ديسمبر
2015 وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022
.
التعليقات
فاطمة هاشم
منذ 8 سنة
يالها من قصّة رائعة، قرأتها والإبتسامة تكاد تشق محيّاي خشية الضحك :-)، بالمناسبة قرأت مقالاً منذ هنيهة يوضح للمدونين كيف يجب لهم أن يسرقوا القارئ من أول كلمة، لابد أنك نجحت في فعّل هذا فلم يغمض لي جفنٌ حتى أكملت مقالتك فإن لها ما لها من أسلوب قصصي رائع!.
2
darbaoui imad
منذ 8 سنة
هههه منذ قراءتي للسطر الاول و انا اضحك الى ان سمع صوتي في البيت بعد وصولي للفقرة التي ظن فيها اب الجاني بانه مرض بالزهيمر كونه هو من اصاب السيارة بالخدوش و ليس ابنه ههه . كما عودتنا دائما عزيزي ضياء بدوقك الرائع مقال جميل.
2
لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... ! تابعنا على الفيسبوك
مقالات شيقة ننصح بقراءتها !
مقالات مرتبطة بنفس القسم
جلال الرويسي
منذ 2 شهر
Mariam Alsayegh
منذ 5 شهر
إلهة الأبجدية والإبداع
عزيزتي .. عزيزي.. منبر كلاود.. منبر جديد ., يسعدني أن أنشر به ويسعدني متابعتكم لكل المقالات به.. كما دعمتموني دومًا ادعموا ها الموقع العربي المؤثر .."بينما يتأوهون.. يسرقون.. يجيدون الفوتوشوب.. هاهاهاوحدي.. سر نبضه .. بهجته عبر الأكوان.. العوالم.. العصوروحده .. عشقي فاكسين..سموم شيخوخة قلوبكم الكاذبة..بلحظاته
منصور
منذ 6 شهر
عبد الرقيب البكاري
منذ 10 شهر
الخلاص
الخلاصقصة قصيرةفي ليلة موحشة وفي إحدى القرى التي لا يكترث لمآسيها أحد وفي سنوات الحرب واليأس كان الليل يوشك أن يرحل بعد عناء طويل عندما سقط رأس الأم على صدر زوجها من التعب والإرهاق ، ثلاثة أيام بلياليها وهي تضع
منى لفرم
منذ 10 شهر
حسن غريب
منذ 10 شهر
وتوالت الذكريات
قصة قصيرة /وتوالت الذكريات بقلم:حسن غريب أحمدكاتب وناقد مصر__________________________________قالت له ذات يوم : ولدى لا تغادر .. أنت جسر البيت .. نظر إلى الأفواه الجائعة فى الخارج .. كانت حبات المطر ترسم شكلاً ما فوق النافذة .. المدفأة تصدر شخيراً مخيفاً
أشرف رضى
منذ 12 شهر
nessmanimer
منذ 1 سنة
soumia kartit
منذ 1 سنة
soumia kartit
منذ 2 سنة
آلاء غريب
منذ 2 سنة
Mais Soulias
منذ 2 سنة
د. يـمــان يوسف
منذ 2 سنة
Rim atassi
منذ 2 سنة
آلاء غريب
منذ 2 سنة
عزة عبد القادر
منذ 2 سنة