فجــــوة زمنيــــة ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فجــــوة زمنيــــة !

  نشر في 01 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 03 أكتوبر 2019 .

نظرت لها نظرة الغريق , الضائع , المنطفئ , الذي وجد في بسمتها قوة عجيبة كفيلة بأن تمنحه قدراً من الشجاعة لمواجهة ما تبقى لها في زمنها الفاني ! , أغدقت عليها بعطفها , حتى وإن لم تجد منها سوى أقدام ضعيفة لا تقوى على الإتزان , وخطوات مُذبذبة لا تجرؤ على رسم أناملها الدقيقة بخطوة أخرى تستكمل بها مسيرتها الصغيرة , لم تجد منها سوى إبتسامة , كلما تسقط .. تطلق صرخات من البهجة حولها وكأنها لم تسقط بل إرتفعت للسماء ولامست قمراً ونجوماً بل وسبحت في فضاء الكون بأسمى معاني الحرية , تمايلت بين كواكبه وأخذت تهرول بعيداً عن شمسه وكأنها تلهو مع حرارتها التي لم تعي أنها محرقة , فقط تلهو ببرائتها المعهودة ..

أشاعت المرح , أفاضت على قلوب ذويها بالمحبة والبراءة ولم تبخل عليهم ببعض مشاعر طفولتهم التي سحقها الزمن دون رحمة ! ..

وجدوا فيها السلام , السلام الذي إفتقدوا معناه لدهور , فعالم البشرية أصبح موحشاً , أصبح كالغربة وأنت فيه الباحث عن وطنك , تارة تفقد أملك في العثور عليه , وتارة تتيقن أن الوصول آت لا محالة , ولكنه غربة تقتنص إنسانية من فيه وتلتهمها بمنتهى القسوة ! ..

دللتها , تقاذفتها , ومع ذلك هي لم تتركها تواجة الموقف وحدها , هي أبسط من أن تواجة موقف كهذا دون مساعدة , دون تشجيع وثناء على نجاحها في تقليد تصرفاتهم الهزلية , هي لا تعي أنها في مواجهة من الأساس ! , ولكن رؤيتها تتضح رويداً رويداً , نعم .. أيقنت الآن , فما هي إلا محاولة , محاولة لإسترجاع الحياة بداخل البشرية حولها , فقد أيقنت أنها السبب , مع من أشعلت الشيخوخة فيه نيرانها والتهمت شبابه هي السبب في ترميم ما حُطم فيه , وبعد أن تمادت تعرجات وتشققات العمر في تبديل وجهه , أصبحت السبب في إستعاده جاذبية ملامحه من جديد , وأما عن عظامه المتهالكة فلا مانع إن جعلته يتراقص كنسمات ربيعية دون ان يخشى أن تُكسر عظامه بفعل أمراضه المزمنة , تبدل لبشري يسير بفعل الحياة بعد أن كان يسير بفعل تأثير أدويته المرممة لشقائه ! ..

وأما عن الأخرى , التي لم يتمكن العجز منها بعد , التي لا تزال ترتشف قهوتها دون أن تخشى رؤية رجفة يديها , التي تلهو معها ولا تخشى نسيان هويتها بين اللحظة والأخرى , لم يتمكن المرض من سحقها , هي مفعمة بالحياة ولكنها لا تتذوقها حق التذوق ! , فقط تتمايل بخفة دون أن تشعر بوقع خطواتها , تنسجم مع إنضباط وهدوء نبض قلبها الذي لم يعتريه الإضطراب بعد وكأنه رسالة مبهمة بقرب موعد الرحيل , هي المفعمة بالشباب ولكنها عادت معها إلى المعنى الحقيقي للحياة , لقد استعادت برائتها حينما نظرت لها , حينما لامست كفوفها التي لم يتضح بها كفوف حتى الآن ! , وجدت عمرها الفائت الذي هو أقل من أن يُعد , وعمرها القادم الضائع إن لم تحياه بحق ..

وكأنهم وجدوا بها النجاة من قسوة لحظات عمرهم , عُمر أحدهم الذي أصبح على المحك , وبين ليلة وضحاها يصبح سراباً , ذكرى , وعُمر الأخر الذي لم يُكتب منه سوى سطور قليلة , ولكنها منحتهم بدقائق بسيطة متعة اللحظة , قوة الإستمرار , الأمل الذي لطالما يأسوا في العثور عليه , الذي قضت فيه الشابة أياماً تبحث عن معنى وجودها حتى تبدل سواد شعرها إلى شيب يتخلله بعض الوقار , وبسمتها الناعمة إلى ثغر منكمش لا تعرف بسمته من سخطه ! , أدركت أنها الهبة , التي قُدمت لهم حتى يتنسموا الحياة قليلاً , أدركت أنها الفجوة الزمنية التي تُعيدهم إلى البداية , بدايتهم الحقيقية وليست بدايتهم التي تفرضها عليهم الحياة المزيفة ..

بل أدركت معنى أكبر .. أنها ترى صورة أخرى لها , بأعمار متباينة , بحيوات مختلفة , بمشاعر متضاربة  هي ترى ذاتها أمامها ولكنها لا تود أن تنغمس بهم , لا تود أن تخرج من ذاتها البريئة هذه , أرادت أن تكون وتبقى هكذا للأبد , ولكن ما لها في هذا حيلة , فثمة عقارب لساعة حائطهم البالي , مهما أطال سكونه فلن يجد مفراً من المضي , ولكنها لم تشغل عقلها البدائي بكل هذا , ليس أمامها الآن سوى إتمام مهمتها على أكمل وجة .. أن تُشرق شمس الحياة بعتمة ليل قلوب هؤلاء البشر .. الغارقون في بؤسهم ! ..


  • 9

   نشر في 01 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 03 أكتوبر 2019 .

التعليقات

غيث القمر منذ 1 شهر
ابدعت سلمت اناملك
2
نورا محمد
أشكرك شكراً جزيلاً لكلماتك الجميلة ولذوقك العالي الراقي :)
DALLASH BAKEER منذ 1 شهر
احسنت ..خاطرة جميلة جدا ..دام المداد
2
نورا محمد
أستاذي المبدع .. أشكرك لرقي حروفك وذوقك العالي .. أدام الله عليك الخير لقلبك والرقي لعقلك والسعادة لأوقاتك :)
DALLASH BAKEER
ولروحك السلام اختي..أحييك على ابداعك
فعلا الاخت نورا . صارت النفوس في هذا الزمن تصارع الحياة ظهرت العجائب و كثرت الأمراض النفسية وازدات الأرواح تعقيدا في تعاملها مع غيرها .....مشكورةةة اخت نورا مقال معبر فعلا .التوفيق لك ان شاء الله .
2
نورا محمد
صدقتِ أختي الغالية .. أصبحت الحياة غير جديرة بالحياة ! , ولكن لبعض النفوس فيها أثرها الطيب الذي لن يجف , يظل نبعاً لكل خير وجمال , وأنتي خير مثال لنفس راقية مبدعة ذات أثر طيب لكل القلوب .. أشكرك لكلماتك الجميلة أختي :)
لينة بغدادي
,❤❤❤❤❤❤❤❤شكرااا اخت نورا وانتي كذلك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا