وجهان لجبــــل واحد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وجهان لجبــــل واحد

  نشر في 27 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 أكتوبر 2019 .

نشأت تلك القرية في سفح الجبل وتوسّعت بين أحضانه... بدأت خمسة أو ستّة أكواخ من الأخشاب المصقولة يغطيّها القش وأغصان الأشجار المورقة منتصبة في شكل دائري كحبات ضخمة من الفطر البري تحلّقت حول ساحة يستغلّها السكان للأشغال المشتركة.... ورغم أنّ القرية كبرت مع الوقت وتناثرت بيوتها في حضن الجبل إلاّ أنّ أهلها توارثوا حكاية ظهورها في أدقّ تفاصيلها حتّى لكأنّها حصلت البارحة.

يتحدّث جميعهم عن مطر طوفاني داهم قافلة كانت تعبر من هناك باتجاه الجنوب، فجرفت المياه بعضا من أفراد القافلة نساء ورجالا وأطفالا وذهبت بزادها ودوابّها. ووجد الناجون أنفسهم عاجزين على مواصلة السير. فلا الدواب والمؤونة تكفي ولا القلوب قادرة على ترك المدفونين تحت الأوحال. كان هناك إجماع على الاستقرار في ذلك المكان... ومع الوقت توسّعت رقعة القرية، وتلملمت الجروح واستطاب الناس الحياة هناك وقد وجدوا في ذلك الجبل مخدّة تسند ظهورهم...

كان ذلك الجبل الضخم جاثما كتنّين الخرافة، يقي القرية من لفحات الشهيلي ورياح الجنوب الرملية فيغلّف الأجواء بغلاف ظليل ويضمّخها بالرطوبة ويعطّر هواءها بروائح الصنوبر والإكليل فتبدو القرية كغرفة مسدلة الستائر... ينتصب الجبل بعلوّه الشاهق سدّا يمنع سحب الشمال الحبلى بالمطر الثقيل من التقدّم نحو الجنوب، فتفرغ حمولتها في وقت قصير حالما تصطدم بذلك الجدار. عند كلّ مطر، يظلّ الجبل في البداية يمتصّ الماء كالإسفنجة بين أحراشه وفي تجاويفه، كأنّما ليُمْهِلَ السكّان حتّى يبتعدوا عن المجاري. ولكنّه لا يلبث أن يتقيّأ ما في جوفه على القرية فيجرف الماء كلّ ما يعترض طريقه.

تكسو هذا الجانب من الجبل أشجار كثيفة تتخلّلها أحراش خطرة تجوبها الذئاب والخنازير وتغطّيها شجيرات تحجب ما تحتها من تجاويف وبالوعات... فيه أيضا دواميس ومغارات تعيش فيها ثعابين ضخمة يقال أنّه بإمكانها أن تبلع رجلا بحاله قبل أن تطحنه بعضلات بطونها فتحوّله إلى عجينة آدمية...

لم يمنع ذلك الصيّادين وأحباء المغامرة من المخاطرة بحياتهم والتوغّل في أدغاله وشعابه. ومنهم كثيرون دخلوه كي لا يظهروا بعد ذلك أبدا... ويسود اعتقاد لدى أهل القرية أنّ غيابهم لا يعني موتهم... ففي مغارات الجبل وتجاويفه حياة أخرى لمن يصطفيهم التنّين ويستبقيهم بين أحضانه... لكنّ الأمّهات يكرهن سماع هذا الكلام خشية أن يغري أبناءهنّ بالتجربة...

شخص واحد غاب في الجبل سنوات عديدة ثمّ ظهر من جديد في القرية... ولكنّه رجع فاقدا القدرة على الكلام، جاحظ العينين، شاخص البصر في الفراغ، مطلق الشعر حتى يكاد لا يحتاج إلى ثياب تغطيه، حافي القدمين، هائما دون وجهة محدّدة كالمخطوف عقله... ومن يوم عودته لم يره أحد يأكل أكلا أو يشرب شرابا... عبثا، حاول النّاس جرّه إلى الكلام ولكنّه كان غائبا عنهم تماما. راقبوه حتى في نومه عسى شيئا ما يصدر عنه فيساعدهم على فهم ما حصل معه، ولكنّه كان ينام بعيون مفتوحة... وقد عزّز ذلك من خوف الأمّهات، دون أن يثني المغامرين والصيادين عن الاستمرار في التوغّل داخل الجبل...

في الشتاء تغرب الشمس عن القرية عند الثالثة ظهرا ولا تتجاوز الرابعة والنصف صيفا... وقد انعكس هذا النسق الطبيعي على حياة القرية وأهلها. تغلق المدارس والدكاكين باكرا، وتتردّد في الأرجاء أصوات غريبة قادمة من الجبل... لكنّ هذا لا يدفع الناس إلى الانكفاء في بيوتهم أو النوم المبكّر. فقد تعوّدوا على إيقاد النيران أمام بيوتهم وفي الساحة الرئيسية، حيث يتنادون إلى السمر حول ألسنة اللهب المُزْهِرِ التي تضيء وجوههم وترسم عليها خيالات وظلالا تحوّلهم إلى كائنات أسطورية. يتشاركون في أكل ما جلبوه وهم يهمهمون بكلام غير مفهوم، وبعد ذلك ينطلق سمر يؤثّثونه بأحاديث لا تنتهي عن الجبل. فهو صندوق أسرار القرية ومُلْهِمُ خيال أهلها بالحكايات العجيبة التي تختلط فيها الوقائع التاريخية بالأساطير... حكايات عن بطولات الثوّار أيّام الاستعمار وعن كرامات رجال صالحين أعتكفوا هناك وأقيمت لهم زوايا بعد وفاتهم، وعن رجال توغّلوا في الجبل ولم يعودوا وعن قصص حب وعن كنوز خبيئة هناك وعن عصابات وأشرار وقطّاع طرق يأتون من بعيد...

أمّا من ناحية الجنوب، فيكشف الجبل عن وجه آخر، أبرز سِمَاتِه القحطُ والحرارة والريح والجفاف... نحتت الرياح الرّملية التي تصفّر منذ الأزل في لحم الجبل أشكالا يذهب في ظنّ من يراها أنّها من إبداع فنّان... استوطنت الناحيةَ بقايا قبيلة في طريقها إلى الانقراض لا يكاد عدد أفرادها يبلغ المائة. وعلى عكس سكان الناحية الشمالية الذين يعرفون كيف جاؤوا إلى قريتهم، فإنّ كلّ ما يعرفه سكان الناحية الجنوبية أنّهم موجودون هناك منذ العهود الغابرة. تقول الأمّهات للأطفال عندما يسألونهن عن سبب إقامتهم هناك في العطش وبجوار العقارب والأفاعي أنّهم جاؤوا طائرين على جناح الريح فلمّا اصطدموا بالجبل وقعوا في هذا المكان... وقد صرف جدّهم الأوّل بقية عمره متربّعا ينصت إلى صوت الرّيح عساه يفهم لغتها. وعلى نهجه، سار الأبناء والأحفاد، فصاروا يجلسون الساعات الطوال متربّعين وهم ينصتون إلى الريح بعيون مغمضة... أجساد طويلة، جِلْدا على عظم، ذات بشرة سمراء صهدتها الشمس. وجوه صغيرة بجباه عريضة وذقون ضامرة تكاد لا توجد، تتوسّطها أنوف عالية واسعة المنخرين كمناقير الكواسر، وفي أعلاها تنتصب عيون صغيرة برّاقة كضوء كشّاف، لا تتوقف عن التحرّك في محاجرها بقلق ظاهر من اليمين إلى الشمال كمساحات بلّور السيّارة، دون تحريك للعنق والرّأس، كاشفة عن حالة استنفار دائم ضدّ خطر داهم متأصّلة في أعماقهم. طويلو السيقان، عريضو الخطو كطيور البجع... يبدون في تنقّلهم بين الحجارة وهم يتسلّقون الجبل للوصول إلى مغاورهم كأنّهم ينطون، لا تكاد الساق تلمس الأرض حتى تتحرك الأخرى باتجاه الأمام... قليلو العمل والأكل والنوم. كثيرو الصّمت والعزلة والتأمّل.


  • 2

   نشر في 27 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 أكتوبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا