لترتدي معطفك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لترتدي معطفك

  نشر في 04 أكتوبر 2020 .

منذُ وقتٍ طويل لم أجلس مع كلماتي و لم أقابل نفسي ، كنتُ تائهة بالوسط و كانت الحياة بكل صخبها تأخذ مني الكثير في كل دقيقة و لم أكن أشعر بهذا ..

لستُ أدري ما إن كنتُ مدركة لما حدث ، لكنني أشعر بأن الحياة أجابتني عن كثير من التساؤلات التي كانت ترهقني لفترةٍ طويلة ، لا أشعر بأنني تلك التي كانت قبل يومين ، لم أعد أشعر بأنني تلك التي عهدتها ، أشعر بأنني شيء مختلف تماما عن ما كنت أريده.. و لكنه بشكلٍ ما يعجبني ..

كانت الحياة تحمل الكثير بحوزتها لتعطني ، كانت مليئة بالدروس التي لم أكن أنتظرها ولكنني أدركت أنني كنت بحاجتها للغاية ، شيء حزين ولكنه صحيح ، كان لا بد من كل ذلك أن يحدث فقط كي أرى نفسي مجرّدة من كل وهمٍ و حلمٍ عتيق لا جدوى منه ، لم تكن كل تلك التعثّرات كافية لكي أتعلّم ، و لكن شيء ما يتغير هنا بداخلي كل صباح أستيقظ به ، إن الحياة ليست بشيء نستطيع لحاقه و لكنها تلحق بنا عندما نتركها ..

لم أعد أرجو شيء منها ، فهي لا تكترث لما نرجوه ، فقط حينما نعطيها ظهورنا و لا نلتفت ، تأتينا بكل ما كنا ننتظره و ربما أكثر ، إنه شيء مضحك و مريب .. كيف أن الحياة لا تعطينا ما نريد ولكنها تعطينا ما لم نكن نريد لندرك أن ما أردناه كان لا يستحق كل ذلك ، كنتُ دائما أعتقد أن الحياة تعطي بقدرِ ما نسعى ، و لكن ليس الأمر كذلك دائما .. ربما نسعى خلف أشياء لا تمثلنا ولا تشبهنا و لكننا لا نشعر بذلك ، نبقى خلف كل تلك الأشياء حتى تبرد بداخلنا دون أن نحصل عليها ، و في وقتٍ قصير نحصل على كل الأشياء التي لم نسعى إليها و لكنها ما تليق بنا و تكمل نقصنا ..

لم أعد حزينة كما عهدت نفسي ، لم أعد أثرثر أمام مرآتي و أشكو لها عن ما خسرته في منتصف رحلتي الخاطئة ، أصبحت أخسر ولا أكترث ، أصبحت أريد ولا أتعلق ، أصبحت أسعى ولا أنتظر ، أصبحت أفعل كل ما يجب فعله ولا اتوقع الكثير ، هكذا فقط ننجو من البؤس الذي يلي كل توقعاتنا ، هكذا فقط ننضج و نتجاوز الكثير ، و هكذا ندرك أن لا شيء يستحق ، لأننا بالأصل أبناء الحاضر لسنا نرى المستقبل ولسنا موجودون في الماضي بعد الآن ...

كانت هذه حبكةّ الدنيا و حيلةُ الصبر ..

لكن طاقة المرء تكمن في ردة فعله تجاه كل تلك الأمور والأحداث ، كان يجب علينا من البداية أن نحتفظ بكل ذلك الجهد للمواقف التي تستحق ، كي لا نقف يوماً أمام الأيام بعجزٍ مفرط و طاقة مهدورة و ردات فعل باردة تتمثل في هزّة رأسٍ فقط ...

ما حبكةُ الدنيا  ، ما حيلة الصبر، و ما طاقة المرء ؟

كان سؤال قديم جداً ، و حينما توقفت عن البحث عن إجابة ، وجدتها تستقر على كتفيّ في ليلةٍ لم أكن بانتظارها ..

كنتُ دائما أسرح بين النجوم و أرى نفسي في واحدة منهم ، و لكنني الآن لا أرى سوى حقيقة النجوم ، بأنها لا تشبهنا بشيء ولا تحتفظ بتفاصيلنا ، لم تكن سوى ملجأ نهرب إليه من وحشة الحياة و قدرتها على تحطيمنا ..

كل شيء أحببناه يوماً في هذا الكون لم يكن سوى وطن يأوي جميع مخاوفنا ، و ما إن اختفى تلاشينا معه و انهدمنا ..

كان الأصل أن نكن بلا مأوى ولا وطن ، كي لا نفقد شيء ، كان يجب أن ننجو دائماً دون صخرة نتكئ عليها ، كان الأصل أن نمشي وحدنا و نختار أكثر الطرق ظلمة و برودة ، و كان يجب أن نرتدي معاطفنا التي تخصّنا ، لا تلك التي تخصّ من نُحبهم ، لأنهم حتماً سيعودون يوماً ليأخذوه منا ، فما إن تمرّ بنا ليلة واحدة لتمطر كل تلك الغيوم الغاضبة على أجسادنا الخائفة .. هكذا ينهدم المرء و يُكسر، حينما يختار أن يمشي الطريق مع أحدهم و يثق بمعطفه المؤقت ..

سأقول بأنني صنعتُ معطفي الآن ، إنه لي و لن يرتديه جسدٌ غيري ، و إنني الآن في الطريقِ وحدي بلا إنارات أو نجوم تدلّني ، إنني أراقب حركة الغيم و أستشعر برودة الطقس و أتبعها ، كي أصل إلى نفسي للمرة الأولى ، كي أنبش في تلك الفوضى و أغرق داخلي حتى أجدني ، أنا على يقين بأنني سأرى الكثير من الأشياء التي ستفزعني و و تغلق الوقت على ذلك المشهد ، سأجهل الكثير من ما سأرى ، ولكنني سأكسر كل تلك القيود التي تحيطني ، سآخذ ما يجب علي أخذه و سأترك كل ما يرجعني للوراء خطوة ..

إنها الحياة ، لم يكن طريقها متسقيم يوماً ، هي دائماً تتواجد بالمنحنيات و ملتوية المسار ، لن تلحق بها مهما فعلت و لكنها ستجدك على غفلة حين تكون في أشدّ حالاتك ضعفاً ، ستلتف على عنقك بكل تعرّجاتها ولكنها لن تقتلك  ، هي فقط ستلقّنك درساً لن تنساه ، ستدرك حينها أنه كان من الأجدر بك أن تمشي الطريق وحدك و تمسك بكفّك كي لا تنزلق على المنحدرات .. 

نحنُ لسنا من نكون عليه حينما نتواجد مع الآخر ، نحنُ من نكون عليه حينما نتواجد مع أنفسنا ، ذلك الشخص في تلك اللحظة هو من نكونه حقاً!


  • 6

  • Mais Soulias
    الكتابة ليست مجرد ورقة وقلم وانما حوار بين الاحساس والصمت ، أكتب لأنني أشعر، لأنني.. أريد أن أحيا لا أن أعيش أو أنجو❤
   نشر في 04 أكتوبر 2020 .

التعليقات

انت راااااااااااائعة وكلماتك معبرة مليئة بالشفافية العذبة التّي تصل الي عمق الأحاسيس المرهفة التي تملؤ فراغ قلبك وروحك وتحّطم كل حواجز الخوف المتعبة فوق صخرة النسيان ... أشعر بما كتبتيه فهو يصلني بكل شفافيه .. والكاتب المبدع يصل دائما إلي عمق احاسيس غيره وليس أحاسيه هو فقط وهذا يدل علي عبقريتك وموهبتك الفذة استمري انت موهوبة الي الأمام عزيزتي (اشعر بك)
0
Mais Soulias
أنا سعيدة جداً لأنني استطعت ايصال الشعور لكِ عزيزتي ، و أتمنى لكِ السلام والراحة ، أشكرك❤
Manal Khalil(منال خليل)
أشكرك عزيزتي (ميس) لم أقل غير الحقيقة أنت فعلا موهوبة
Amina منذ 2 شهر
نص جميل، كمية صور رائعة فيه
0
Mais Soulias
شكراً لكِ
حقيقتنا تكتشف عندما نحايد انفسنا بالكلمات التى تخرج بحقنا
احسنت
0
Mais Soulias
أشكرك
edlibi37
صراحة كنت سعيد بالقراءة
والحقيقة الأهم كلمات صادقة من القلب
تحياتي
Mais Soulias
سعيدة بك جداً ، أشكرك❤

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا