وَمَضَى زَمَنٌ... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وَمَضَى زَمَنٌ...

  نشر في 24 أبريل 2016 .

ضبطني أبي أدخن في الزريبة ولم يضربني، حملق فيّ مدة طويلة وكانت علامات الحسرة بادية على جبينه؛ ربما ندم بسبب إنجابه لشخص مثلي.

في الصباح الباكر، أحمل سلة متوسطة الحجم و"كَادُومَةً"*، وأُخْرِجُ الغنم، وألتحق بالركب. نشرع في البحث عن النبتة الثمينة، التي نغتني منها، ونشتري بثمنها السجائر وأشياء أخرى. لم يكن لأمي أدنى خبر بمشكل تدخيني، أعتقد أن أبي لم يخبرها بذلك. كنا نترك الغنم ترعى في الخلاء الهشيمَ ونتوجه رأسا إلى الهضاب البعيدة عن دوارنا، حيث "السّرْغِينَة"** بوفرة. نجمع تلك النبتة وننشرها فوق بيوتنا كي تجفّ تحت الشمس، ثم نذهب بها إلى السوق لبيعها. العَطّارُ الذي نبيعه إيّاها لم يسبق أن سألناه عن الهدف من هذه السرغينة، ولماذا تصلح، هل يستعملها في السحر، أم يبيعها للأجانب... في الحقيقة لم تكن تهمّنا معرفة ذلك في شيء، لذلك لم نسأله. كانت الدراهم العشر مقابل الكيلو الواحد تجعلنا نثمل من النشوة. كيلوغرامان من السّرغينة وها علبة مَارْكِيز بين يديك. هذا ما كان يحدث في حياة كل المراهقين في الدوّار. فالّذين لا يدخّنون ليسوا أسوياء. وأبي وأمي لم يكونا سويّين؛ لأنهما لا يدخنان.

نما لي شعر إبطيّ، ونما لي الشعر في مكان آخر أيضا، مما جعلني أكثّف العناية بجسمي. صرت أغضب من أمي عندما لا تلبي طلباتي، وأتجنب الاصطدام بأبي. أدخل بيتاً أنام فيه لوحدي، وأستيقظ باكرا للالتحاق بالركب، بحثا عن السّرغينة التي تعني المال الذي يعني السجائر التي تعني الإنسان السّويّ.

عندما نبيع _وهذا يحدث كلّ خميس_ السّرغينة نجتمع في "القهوة" لشرب الشاي وأكل السردين وتدخين السجائر أو "الكيف"*** في أحسن الظروف، وبعد ذلك، منّا من يذهب إلى دور الدعارة في سيدي بنور، ومنّا من يعود أدراجه. كنتُ من النوع الأخير؛ الذي يشتري درهمين من "الكَلْيَة"**** ونصف كيلو من الفول ويعود أدراجه متأمّلا الجَبَلَ الأخْضَرَ وأشجارَهُ التي تبدو نابتة عليه بشكل أُفُقِيّ.

في الصباح الموالي، عندما نجتمع من جديد في هضبة بعيدة عن الدوار بحثا عن السّرغينة، يشرع الذين ذهبوا إلى سيدي بنور في وصفِ ما فعلوه هناك. وعندما يبدأون الحديث عن الأماكن الخطيرة، أحسّ بقشعريرة تسري في جسمي من أخمص قدميّ حتّى شعر رأسيَ المليء بالقمّل، وغالبا ما أتحجّج بشيء ما وأغادر الجماعة، وسط استهزاءاتهم مني؛ كون الشيطان هو من يغادر الجماعة أولا.

وقبل وصولي لخيمتنا، تحضر في ذهني _كما العادة_ صورة عزيزة بنت العوني التي يحبها كل من في الدوّار جميعاً؛ نساء ورجالا. وأنا بدوري أحبها وأشتهيها، وإن لمْ أكذِبْ فهي السبب وراء إدماني السجائر. لم يسبق أن حدّثتها، ولن أفعل، لأنني لست من النوع الذي يجب أن يتغزّل بالفتيات مثلَه. ثمّ إنني لا أقوى على النظر في عينيها ولو التقت السماء مع الأرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أداة للحفر الخفيف.

** نبتة تستعمل في بعض العلاجات.

*** نبتة تجفف وتستعمل للتدخين مع مزجها ببعض العناصر الأخرى.

**** الذرة المقرمشة.

Facebook: iraoui_90@hotmail.com

Gmail: iraouibrahim90@gmail.com



   نشر في 24 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا