استطاع أن يقنعني بأنّنا من بين أولئك الذين يعدّون على رؤوس أصابع اليد الواحدة؛ ويقصدني أنا وهو بأنّنا من بين ”الأقطاب“ القلائل في هذا العالم. ولم يكن سوانا في باب الكنيسيّة الخشبي الكبير؛ أقدم بناية في مداوروش. قادتنا أرجلنا ولم أعد أتذكر السبب الحقيقي لوجودنا بذلك المكان الذي وقفنا نمضي الأوقات فيه.
وليتأكّد لي؛ ومن خلال ما لديّ من معلومات استقيتها من بعض الكتب الصفراء من التي عثرتُ عليها وتعاملتُ معها وأنا برعم صغير، أن هذا الفتى الغريب القادم من العوالم الأخرى والذي جمعتني به الأقدار وليس بإرادتي، ليس سوى ساحر من أكبر السحرة المشعوذين.
هذا ”الجدارمي“ الذي لا أملك عنه سوى بعض المعلومات الشّحيحة ومع ذلك أتعامل معه كأنّه واحد من الأصدقاء المقرّبين. ”إنّها الطيبة التي أوردتني المهالك يا أصدقائي“. لم أشكّ يوما فيه، وتولّدت لديّ ثقة عمياء فيه وفيما يدّعيه من اطّلاعٍ على الأسرار ومعرفة الغيب، ومن خلال تواصله مع بعض ملوك الجن.
لم أكن أنا الوحيد الذي يصدّق ما يقوله، فلطالما كان قد حظي هذا الفتى الغريب؛ غريب الديّار، بما لم يحظ به غيره؛ من السحرة والمشعوذين من الذين لديهم سمعة واسعة في منطقتنا.
كما أنّني لم أنسَ ذلك اليوم الذي طلب منّي فيه (هشام) أن أقدّم له خدمة، وتتمثّل في القيام بطقس لم أرَ فيه ما يجعلني ارتاب أو أتردد في تنفيذه. فقد طلب منّي أن أقوم بدهن البدن بالخل مع قراءة بعضا من أسماء الله الحسنى، من بينها قدوس، وأسماء أخرى لا أتذكّرها.
وفي الصباح ذهبتُ إلى العمل كالعادة، وقبل أن ألج إلى مكتبي وجدته في انتظاري، متلهّفا لسماع رأيي في الموضوع، وفيما إذا كنتُ قد نفّذتُ ما طلبه منّي. ثم سألني عمّا رأيته في المنام، فأخبرته بكل التفاصيل.
كانت تلك نقطة تحوّل في حياتي، ووجدتني أقتفي أثر هذا الفتى الممسوس، و في رؤياي للأشياء التي لم تقع فتتحقّق، وتأتى ”كفالق الأصباح“ في اليوم التالي. وبذلك اعتقدتُ أنّني بالفعل قطب من الأقطاب.
يتبع...
م. فوزي