الثمانون عاماً التي عبرت على جسد هذا العجوز وغيرت جغرافية ملامحه , وأشغلت ثقلها الذي نجح أخيراً بأن يحني ظهره ويستند على عكاز كابر كثيراً بجل جبروته على رميه ,إلا أن آلم المفاصل خانه في نهاية المطاف , وأقعدته ثمانية عقود أمام الصحيفة الوطنية وفنجان قهوة بدون سكر مازال جسده بحاجة الكافيين وشيء من التبغ يخفيه عن أعين أبنائه إلا أن رائحة التبغ فاضحة .
كان يقابل نظرات لومهم عندما يلقون القبض عليه وهو يمج من لفافة التبغ بإبتسامة تحيلك إلى اللامبالاة وكأن ترجمة الإبتسامة : وماذا بعد كل هذا العمر ..هل هو الموت ؟ فأهلاً وسهلاً به
ومن ثم يضحك مثل الأطفال ويطفئ اللفافة بكفه التي أحرقها الزمن وماعادت تشعر بحرارة الجمرة التي تعتلي رأس لفافة التبغ وكأنه هنا عاد مراهقاً يعلن رجولته من جديد .
هذا العمر نجح بإستباحة كل شيء إلا أنه لم ينجح أبداً بقتل الفضول الطفولي الذي راح يتسربل في شرايينه المرهقة .
مع آخر نفس من عمر اللفافة برفقة آخر رشفة من القهوة سمع أصوات زغاريد في ساحة البيت .
تحركت أذناه مثلما القطط وراح يتعثر بظله وظل عكازه مهرولاً ليعرف ماذا حصل , عيناه كانتا تتسابقان لإبصار ماذا حل في البيت ولكن نظاراته التي ضاق ذرعاً بها بعيدة عن متناول اليد , راح يمشي وكأنه يحبو على ثلاثة أقدام مفلصين والثالث من خشب .
والأفكار تتصارع في رأسه ...هل هو عرس ؟
أم شهيد ؟
أم ماذا وراء هذه الزغاريد , هذه الحرب نجحت في تغير أمارات الفرح , ماعاد البشري يفرق بين العرس والجنازة ... تباً لكم يا أبناء آدم ماذا فعلتم ؟
إلا أن أصوات الحناجر كانت تترافق مع غصة هي الأخرى مشفرة لا تعرف ماذا ينتج عنها دموع فرح أم حزن ؟
تمتم الشيخ في سره : لعن الله الشيخوخة أحتاج لسيارة حتى أصل باب الغرفة ؟
لحظات حتى انقشع الضباب عن الحدث وخمدت أفكاره المتضاربة في رأسه , إنه حفيده لقد أنهى إمتحانات الثالث الثانوي اليوم .
صرخ بصوت مرتجف صوت لا يقوى أن يهز سوى حباله الصوتية : لقد ارتعبت والقصة نهاية الإمتحانات ...
شعر بالندم قليلاً على إظهار ضعفه أمام أسرته , وشتم نفسه في سره على هذا الخطأ إلا أنه باح بما في داخله نعم شعر بالخوف .
فحاول أن يستدرك طالباً ورقة الأسئلة حتى يغطي على جريمته التي رآها كبيرة في حقه نعم الشعور بالخوف جريمة هكذا ناجته نفسه .
أعطاه الشاب الورقة التي اختلطت حروفها أما بصره الذي أنهكه العمر هو الآخر ولكن الصبي سارع ومد له نظاراته التي يمقتها وقرأ بصوت أقرب للغو لا يفهمه سواه
السؤال الأول :
عدد بنود مؤتمر جنيف 1
ومن هو المندوب الأممي المشرف على المحادثات ؟
السؤال الثاني
أشرح فيما لا يتجاوز عشرة أسطر { اتفاقية المدن الأربعة }
هنا فقط توقف كانت هناك دمعة جفت على أعتاب مقلته , كيف لهول تلك الحرب التي أغرقت البلاد بالدماء والدموع والتي استنزفت البشر والحجارة والتي أفقدت الأبن أمه والأم ابنها والتي سحقت المدن والتي شردتنا في أصقاع العالم والتي سمحت للبحر بإبتلاع جثاميننا والتي والتي حتى يجف اللعاب
أن تصبح سؤال في إمتحان ., هذا هو العدل ...إلا أن الجواب كان قد اعتلى رأس الورقة
إمتحان مادة التاريخ لطلاب الثالث الثانوي للعام الدراسي 2072/2073.م
-
أحمد خضر أبو إسماعيلالكاتب أحمد خضر أبو إسماعيل من مواليد 26.3.1993 سورية .سلمية كاتب في القصة القصيرة