اللص والكلاب - نجيب محفوظ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اللص والكلاب - نجيب محفوظ

"نجا الأوغاد وحياتك عبث"...

  نشر في 15 نونبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 28 نونبر 2021 .

لنعد قليلًا إلى الوراء قبل الإنطلاق، رواية اللص والكلاب للأديب المصري العالمي نجيب محفوظ مستوحاة من قصة حقيقية تناولتها الصحف بكثير من المقالات والتحليلات، لحد أشغل الرأي العام كثيرًا، وصارت التفاصيل متداولة على كل لسان، البطل الحقيقي يُدعى "محمود أمين سليمان"، ومما جذب اهتمام الناس في قصته مقدار ما ناله من خزيّ وخيانة من قِبل زوجته السابقة وصديقه المحامي، حيث أنهما حرماه ممتلكاته المالية، والأدهى حرماه طفلته.

هذه الخيانة من أقرب الأقربين أكسبته تعاطفًا من الجميع رغم خروجه على القانون وارتكابه الجرائم الآثمة للحد الذي لُقِّب معه بـ "سفاح القرن العشرين"، وظل هذا التعاطف قائمًا لما بعد نهايته على يد الشرطة في مواجهة عنيفة وقعت بواحدة من مغارات جبل حلوان، مطلع أبريل 1960م، فحينها عثر رجال الأمن على رسالة خطية مُدونة في كراسة مدرسية وموجهة لصحيفة الأهرام المصرية يشرح فيها آلامه ويبرر ردود أفعاله؛ فنال تعاطفًا على التعاطف.

لكن، هل ظل ذلك التعاطف مُتسيد الموقف مع "سعيد مهران" نسخة العم نجيب محفوظ الدرامية من السفاح الأصلي؟

بالطبع لا، لا لم يقع شيخ الأدباء العرب في هذا الفخ، وكيف له ذلك وهو من أجاد الإبحار في النفس البشرية كاشفًا مكنوناتها المتضادة، لقد ظُلم نعم، هذا ما يتملك القارئ طوال رحلته مع "سعيد"، ولكن لم يصور الجد "نجيب محفوظ" هذا في الإطار الذي يزيد مُعجبيه والمتعاطفين معه، هي الشفقة ليس إلا من غدر الأقربين، مع رفض قاطع لنوازعه الإنتقامية.

العجيب في سردية "محفوظ" أنه أوقع القراء في شَرك متلازمة الأضداد، أوقعهم بحرفية شديدة واحترافية مبهرة، متلازمة جامعة بين الشعور ونقيضه، تحبه لرومانسيته، حنّوه، شغفه بابنته، روحه الخاطئة وفي نفسس الوقت منكسرة دونما تبجّح بين يديّ شيخه "علي الجنيدي"، وأيضًا لعذوبة كلماته، واتقانه الوصف. نعلم بلا شك أنها كلمات الجد "نجيب محفوظ" أديب نوبل العالمي، ولكن قبس من الاحترافية هنا توحد القارئ مع البطل، حتى ليحسب أن لا للرواية من صانع، اسمعه حين يصف "نور" (أو شلبية) شريكته بعمى الحب في جرائمه فيقول: "وظهرت نور عند الباب غير متوقعة للمفاجأة التي تنتظرها، فلما رأته توقفت على بُعد خطوات في ذهول، ونظر إليها باسمًا في إمعان، بدت أنحل مما كانت، واختفى وجهها تمامًا تحت المساحيق الدسمة، ونطق بالإغراء فستان أبيض انطلقت منه الأذرع والسيقان بلا حرج، وقد شُد حول جسدها كالمطاط حتى صرخ التهتك، وعربد شعر رأسها القصير في تيار الهواء...". إنه عزف بالكلمات، لوحة فنية راقية تراعي أدق التفاصيل دون خدشٍ للحياء.

كل هذه العذوبة، وما أكثرها على لسان "سعيد مهران" تحثك على حبه كشخص، وتُشفق عليه مما قاساه على يد "نبوية" زوجته الخائنة و"عليش" تابعه الواشي و"رؤوف علون" صديقه المتحول، والأهم الإشفاق من نكرانه في قلب الطفلة "سناء" ابنته وجفولها عنه، لكن أن تبلغ بك الشفقة التعاطف الحادي لإنكار جرائمه وفساد مذهبه وتفكيره في الانتقام؛ فلا يا صديقي.

إن شيخ الأدباء العرب "نجيب محفوظ" أوقعك في فخ الأضداد بسلاسلة شديدة، حب وكره، شفقة وبغض، مراعاة ما كان وتوقف عن الانجرار صوب توابعه.

مما برع فيه العم "محفوظ" أيضًا أنه لم يكتفِ بإسناد انتقام "سعيد مهران" على ما اقترفته أيدي عشيرته في حقه وفقط، وإلا كان "سعيد" قاتل وحسب، ولا مغزى من اللصوصية التي احترافها، احترافه السرقة هو طرف الخيط في الانتقام، وليس غدر الأحباب؛ فالسرقة هنا كانت انتقامًا من المجتمع ككل، ارجع إلى الفصل الحادي عشر واعرف ما حصل مع أمه المسكينة في المستشفى الفخيمة التي تشبه القلعة، ففي أروقتها بُذر الانتقام في قلب الصبي.

من كمال العجب؛ أنك وإن علمت كامل تفاصيل القصة الحقيقية لـ "محمود أمين سليمان" قبل قراءة اللص والكلاب، إلا أنك أبدًا لا يمكن أن تُخمن مجرى الأحداث، تصاعد الدراما، صحيح البطل الحقيقي مات على يد الشرطة، و"سعيد مهران" البطل الخرافي كذلك أيضًا، لكن سرد الجد نجيب محفوظ يصعد بك ويهبط، تثاورك معه الشكوك أنه انتقم، لتفاجئ أنه قاتل أبرياء، تظن أنه نجا؛ فتستلمه على كفيك جثة هامدة.

ملمح مقتل الأبرياء عوضًا عن الخونة والأوغاد (أو بالأحرى الكلاب)، هو الآخر ملمح درامي لن تغفله طوال القراءة، كيف ينجو الأشرار ويدفع الأبرياء حياتهم في سبيلهم؟! إنها قيم مجتمعية قاسية، فكم نُضحي براحتنا وأيامنا خدمةٍ لوغد لا يحسب لنا حسابًا ولا يُقيم لنا وزنًا.

مات "سعيد مهران" بنفس الطريقة التي مات بها "محمود أمين"، ولكنه مات وهو يردد: "نجا الأوغاد وحياتك عبث".


  • 1

   نشر في 15 نونبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 28 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا