ثورة يناير : كأن يدهس أحدهم وجهك فتقول له شكراً سيدي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ثورة يناير : كأن يدهس أحدهم وجهك فتقول له شكراً سيدي

  نشر في 24 يناير 2021  وآخر تعديل بتاريخ 31 يناير 2021 .

ربما يسأل أحد المتشائمين ويقول : لماذا فشلت ثورة يناير . فيجيب عليه أحد المتفائلين : كيف يتسنى لنا أن نسأل هذا السؤال وهي لم تبدأ بعد .


عيش حرية عدالة اجتماعية . مطالب تبدو كمُزحة في بلاد أخرى الأن في القرن الحالي لكن الجيد في الأمر أن ذروة ما وصل إليه الغرب من مناخ ديمقراطي وحرية شخصية (على ثغراته) هو نفسه بدأ مع مطالب الثورة الفرنسية الكبري 1789 التي كانت مطالبها الحرية والإخاء والمساواة . مطالب تشبه كثيرا ثورة مصر في 2011 ربما يصيبنا الاحباط حين نتأمل الفارق الزمني دون أن نغفل عن الانقلابات العسكرية التي عرفتها فرنسا والنكسات السياسية بعد الثورة بعقود لكننا لا نملك إلا أن نلوذ بما يسمى الحتمية التاريخية ذاك المصير المنتظر لأي ديكتاتورية عرفتها البشرية . هي مسألة وقت إذا ، وقت لا يخلو من أصوات الرصاص وأفواه المعارضة المكبوتة وألوان الدم وقسوة المعتقلات وطعم الصبر .


عشر سنوات رقم ضئيل في ذاكرة الثورات حين نقرؤه في كتب التاريخ لا نشعر به أما حين نعيشه يصبح اثقل على الروح بطبيعة الحال فيجبرنا أن نقلل من عاطفتنا تجاه الثورة قليلاً ونناقش الحدث بعقولنا وأن نتخلى عن حميمية من عاش اللحظة في سبيل أن نضع الحدث في موقعه التاريخي من العالم ونسأل أسئلة واقعية مملة كحال السياسية في كل وقت . من مسبب الثورة ولماذا عادوا مرة أخرى من قامت الثورة أساسا ضدهم .


ستضعنا الحقيقة المؤلمة أن الثوار كانوا فاعلين صحيح ولكنهم كانوا مفعول بهم أيضا إن حسني مبارك -على جبروته وذكاءه مع فساده- ظن أنه يستطيع أن يورث ابنه كرسي الحكم وتلك كانت ثغرة بمثابة هدية للمؤسسة لكي تحمي أي حراك شعبي ضده وقد كان. فبعد عدة جولات مع الشرطة (التي كانت مخلصة برصاصها للنظام السابق) لم تستطع مواصلة التصدي للشعب كما المتوقع من المؤسسة فحين "يركب" الشعب ويعتصم الميدان ويستولى على الشارع تنزل الدبابات تحميه من اللاشيء وتجاوره وتبتسم له وحين ينتهي الحدث يظن الشعب نفسه سيد موقفه فتلفت له الدبابات مصوبة فوهتها على رأسه مباشرة . 


لعبة قذرة صحيح لكنها ذكية و وجهتها المصلحة وما السياسية إلا هذا التجمع الثلاثي بعينه . أو كما قال برغاس يوسا الروائي البيروفي " هكذا هي السياسة ، إنها شق الطريق بين الجثث" . إن خطأ الثورة التراجيدي هو الخوف من بطش القوي ! فراحت كل مجموعة تحاول أن تقصي الأخرى وغاب عنهم أن هناك وحش قابض عليهم يستخدمهم كأصابع يده ولا سبيل للتخلص منه بخطوات لا تشملها التفرق الذي حدث . فلم يكن غريب على أصحاب الذقون إبرام اتفاقات قذرة كعقولهم ليبدو بعد عام واحد كدُمية بالية تم استخدامها كجسر لنعود خطوات للوراء مرة أخرى فرغم أهمية إقصاء الاسلام السياسي فما انتفاضة 2013 إلا نسخة باهته من ظل ثورة ضلت الطريق للنصر والمستفيد منها نفس المؤسسة العسكرية، اي كرم وتوفيق يحمله القدر لهم فالضحية متواجدة دائمًا بل تقدم نفسها بكل حب لتُقتل !


ثمة فقرة مؤلمة نقرأها في بيان ماركس وإنجلس المكتوب عام 1848 تقول : " فتآزُر العمال الواسع الجماهيري ، ليس بعد نتيجة اتحادهم الذاتي ، بل هو نتيجة اتحاد البرجوازية التي عليها لبلوغ أغراضها السياسية الخاصة ، أن تُحرك البروليتاريا بأسرها طالما هي قادرة على ذلك . والحالة هذه فإن البروليتاريين في هذا الطور لا يُحاربون أعداءهم بل أعداء أعداءهم ".

فهنا السياق مختلف لكن الفكرة مشتركة ، وقع الشعب إذا في الفخ فحارب أعداء أعداءه وتم استخدامه ليمحي في المرة الأولى ارهاصات التحول المدني والثانية ارهاصات التحول الإسلامي السياسي (مع الفارق بينهما) إذ لا يوجد أفضل من حراك شعبي كشرعنة للتحول . السؤال هنا يطرح نفسه وهو متى يرتفع الشعب درجة ليحارب أعداءه مباشرة ؟ 


المميز في يناير أنها انتفاضة شعبية حقيقية لم تكن مُهجنة لم تحدث صناعيا اي أن بدايتها كانت صادقة للغاية يرجع هذا لعدة أسباب بداية من الجيل الذي تربى في المدارس الخاصة على التمرد والمطالبة بحقه (على عكس المدارس الحكومية حيث العلاقة القاهرة بين المعلم والتلميذ) مرورا بفساد دولة مبارك المتراكم ، و وصولا لهامش الحرية الذي فتحه النظام في اخر سنواته استجابة للمعارضة . هامش مزيف بالطبع لا احد يستمع له لكنه كان موجود على اي حال ومع وجود موقع الفيس بوك أصبح التواصل الشعبي أكثر سهولة وكل هذا كفيل بإشعال ثورة . صحيح حين يتكالب الإعلام والرصاص على الثوار فيما بعد سوف يهزموهم لكن بعد أن يكون الحدث قد بصم على صفحة التاريخ بصمة لا تمحيها اي محاولة يائسة. 

أما إذا نظرنا على الوضع الحالي فهو مخجل في حقيقة الأمر فمن جهة وسائل التواصل أصبحت أكثر سهولة واقوى تقنية ولكن هامش الحرية الذي تم ذكره لم يعد له وجود لا في شكل حزبي أو شكل فني او حتى ساخر . أمر يدعو للإحباط ولكن المتفائلين يقولوا أن عشر سنوات رقم ضئيل كما قلنا وان التغير السياسي الذي طالبت به الثورة لم يبدأ بعد كل ما فعلته أنها قدمت وعي إجتماعي للجيل الجديد وحلقة فاصلة في المشهد السياسي للجيل القديم المستنير منه والغافل وان التغير الحقيقي لم يحن آوانه . لو كنا أُناس في رواية لبات الوضع أسهل فبعد عدة صفحات ستمر سنوات ونصبح نعيش في بلد يحترم الإنسان ويقدس الحرية لكننا هنا علينا أن نرى قفزات التراجع مثلما رأينا خطوات التقدم دون أي حيلة . 


إن كوابح التغيير الاجتماعي لا تكمن في رؤوس النظام فقط بل توجد في بعض من فئات الشعب نتيجة للتخلف الناتج عن القهر من جهة أو الخوف من جهة ثانية

هكذا يكون الحال في دول العالم الثالت دائمًا ففي كتابه الهام { التخلف الإجتماعي} يشرح الأكاديمي وعالم النفس اللبناني د. مصطفى حجازي الآليات الدفاعية التي يلجأ إليها مواطن الدولة التي تقهره ففي الأخير مهما بلغ ضعف الإنسان أمام قوة أكبر منه فإنه يملك رد فعل أيضاً فمنهم من ينكفئ على نفسه ومنهم من يتماهى مع المتسلط فيقول : " إن الإنسان المقهور لا يعيش في علاقته بالزعيم علاقة فعلية بين إنسان وآخر (على اختلاف المقامات) بل بين إنسان وتصور خرافي يسقط على الزعيم (...) فهو تابع ولكنه يحس في قرارة نفسه أن هذا الزعيم مجرد أداة لتحقيق آماله ". هي إذا الآفة نفسها، خلق زعيم من ورق ومنقذ شعبي من وهم وتستمر الحياة . والمتسلط من جهة يستغل هذا فيقول : " يستغل المتسلط هذه الظاهرة ويعمل على تغذيتها وترسيخها بكل السبل الممكنة . فهو يؤكد على ضعف وجهل وتأخر ومهانة الإنسان المقهور ، ويغرس هذه الصورة في نفسه غرسا من خلال عملية تبخيس دائبة تحاصر ذلك الإنسان من كل الجوانب " . 


هو داء نفسي عند بعض الأفراد انتقل من الحكام قديما للشعب حديثاً إذ إن مصر لم يحكمها حاكم مصري قبل 1952 إلا من قرون عدة فكان المسؤول يرحب بأي مستعمر أجنبي ليدير البلاد أما الأن فأكل وسمن على لحم الشعب . وبذلك لا يواجه الجيل الجديد نظام مستبد فقط بل وفئات متخلفة من الشعب أيضاً لتبدو معركة غير عادلة بين الإثنين . ولكننا ننحاز للمتفائلين حتى ولو تم وصمهم بالسذاجة ونأمل ألا تكون قد بدأت الثورة بعد . 





   نشر في 24 يناير 2021  وآخر تعديل بتاريخ 31 يناير 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا