يستخدم الصينيون منذ أمد بعيد كلمة "ويجي" تعبيرا عن الأزمة. إلا أن المفردة تحيل على معنيين أساسيين هما: الفرصة والخطر؛ بمعنى أنها من جهة خطر ينبغي تفاديه، ومن جهة أخرى فرصة يجب استغلالها. وبهذا يخف وقع الأزمة على نفوس الصينيين حين يوجهون أنظارهم إلى ما تنطوي عليه من مكاسب.
إن ثقافتنا العربية زاخرة بنصوص حول الشكوى بمختلف أنواعها. شكوى من الزمان، وغدر الإخوان، وهجر الحبيب، وتقلب الأحوال، وإتلاف العمر في اللهو، وغيرها من تداعيات الاجتماع الإنساني وضريبة العمران في الأرض!
وإذا كان الإنسان يشكو من أية أزمة تعترض سبيله، فإن مرد ذلك بالأساس إلى وهم استقرار الحال، والذي تبثه في نفسه الأيام حين تجري رياحها كما تشتهي نفسه. ومع ذاك الاستقرار الموهوم ينشأ طول الأمل وما يفضي إليه من ادعاء التحكم في زمام الأمور، وتوقع النتائج المطابقة تماما للأسباب.
كما يؤدي الجهل بسنن الله في الكون إلى الوقوع في فخ الإيمان بالقدرة البشرية النسبية على إدارة الكون ومقدراته، وتوقع حركة خطية لا تنزاح عن الحسابات الدقيقة، والمعطيات الأكيدة. فإذا حلت أزمة أو وقع خطب، ترى علامات الاستفهام والشكوى وبواعث الدهشة و الاستنكار تتصدر الخطاب اليومي، وتحاول إيجاد المعطى الناقص الذي هز أعمدة اليقين.
رغم أن الملايين من الناس يعتقدون بوجود خالق لهذا الكون، إلا أنهم فيما يتعلق بدوره ووظيفته ينقسمون إلى فريقين: فريق يدعي أن الخالق الذي أبدع الوجود ترك للبشر بقية التفاصيل، تماما كصانع الساعة الذي يركب أجزاءها تاركا لعقاربها حرية الدوران.
أما الفريق الثاني فيؤمن بأن للخالق حضوره المستمر في التفاصيل، وتنبيهاته الضرورية حين توشك عربة المخلوقات أن تنزاح عن مسارها. فلا يمكن للإنسان أن ينفرد بحرية التصرف مادامت قدراته ومواهبه نسبية، وعلمه متجدد على الدوام و لا يمكنه أن يستوفي الإجابة الكاملة عن كل شيء. لذا فإن الأزمات هي توجيه إلهي إلى مواطن الخطأ، ومظاهر القصور التي تستدعي الوقوف عندها وتصحيحها، وبهذا الشكل يتأسس للأزمة حضور إيجابي في حياتنا.
يرشدنا القرآن الكريم إلى معية اليسر والعسر في سورة الشرح، كدليل على أن الرحمة الإلهية تقتضي رد الأمور إلى نصابها، وتصحيح الوجهة الخاطئة، والانتصار للمظلوم حتى لو كان عضوا في جسد صاحبه.
إن الألم وعاء للشفاء.
وتفكك العلاقات إرشاد إلى تجديد البناء على أساس سليم.
وتقلبات النفس رياضة لها كي تواصل العيش بأخف الأضرار.
والطلاق تصحيح لبداية خاطئة.
والرسوب هدم لمخطط النجاح الزائف.
والأوبئة تحرير للطبيعة من أضرار التدخل الإنساني .
والطغيان انبعاث لنداء الحرية !
والعاقل من يرى ببصيرته ألف منحة في طيات محنة، ومن ينكشف له العطاء في ثوب البلاء !
-
حميد بن خيبشكاتب شغوف