ما ودعكِ حرفك وما قلى ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما ودعكِ حرفك وما قلى !

  نشر في 17 أبريل 2020 .

حتى الحرف أصبح يكابر، وصار يشمخ بغرور نائيا بأذياله بعيدا عن مسالك الروح ومساربها. إنها المصيبة الكبرى أن تستجدي حروفك فلا تجيب، تناجيها بكلّ أوزان الحزن والأسى فتبقى في معاقلها معلقة تأبى الخروج إلى العلن. خيانة الحرف أمر جلل لا يمكن الفكاك ولا النجاة منه ، آلام الحبسة قد تصل إلى حد الموت ، والموت صمتا هو أحد أشنع أنواع الموت. لازلت أقف عند أعتابه أناجيه عله يحن.. عله يلين فأتمثله طيفا غاضبا مترددا سرعان ما يأسره الحنين وتأخذه الرأفة فيرد بلهفة بعد طول مكابرة : كلا ماودعكِ حرفكِ وما قلى ها أنا ذا فارس أفكارك حمليني منها ماشئتِ وأنا رهن بوحك وإشارتك. ولكن هيهات أنى لبشر أن يكسر عناد حرف اتخذ قراره بالرحيل او ان يراجع قسوته إن اختار الجفاء شرعة وسبيلا.

في أيام خلت ، كانت الأستاذة تشزرني بنظراتها وانا أطلب ورقة إجابة إضافية أثناء الامتحان ، هذا بالنسبة إليها يعني بتمام المعنى عملا إضافيا، وبالنسبة لي كانت فرصة بوح لا تعوض ، كانت الحروف تأتي كالموج بلا انتهاء سواء بفرنسية أو عربية ، الأفكار تتراص كجيش جرار تنتظر دورها مرة بعد مرة لتتراص على الورق كحروف متعجلة متداخلة ، تلتئم باكتظاظ منتظم وتستقر بوقار على الأسطر تحمل أسفار معانيها معها وتدس تأويلاتها فيما بينها.

في أحد تدريبات الصحافة كنت أسود المقال بتأن وأطيل واستطيل البوح فيه ، فإذا جاء رئيس القسم ورآه بتر ثلثيه وترك أشلاءه تتخبط فلا أفيق على نفسي إلا وأنا أصيح بحرقة كما فعل زياد أمام خالد بن طوبال " أتبتر نصوصي؟ّ" لأكتشف في الأخير أنني لست زياد ولست أمام خالد ولأفيق على أشلائي وقد مرت للنشر بلا عزاء . لازلت أتساءل كيف تُبتر النصوص ؟ كيف تقتطع هكذا بذاك العبث بتلك البلادة؟

هذا النوع الفظيع من البتر نجده عادة في جزارة الصحافة ، يمر النص كالجسد تقطع أطرافه تحذف منه الجوارح تقلّم روحه ويُشذب جوهره ويرسل على عجل إلى النشر وصاحبه ينظر جزعا مبتلعا ريقه لهول ما رآه في تلك المجزرة المريعة، مهما كانت دوافعها ومسمياتها. نصوصنا تبقى جزءا منا حتى وإن تحولت فيما بعد إلى ذمة القارئ، إنها أكبادنا الحبرية التي تمر حية على ورق ، وكلّ ما ولد منها في حالة إلهام يبقى نتيجة فعل خلق كامل ، وبتر حرف منها سيكون كبتر طرف أو كجدع عضو ، بالآلام ذاتها بالصراخ ذاته بلا زيادة ولا نقصان.

كان الحرف سخيا، وكان الكلم يهطل مدرارا كالغيث يروي الروح قبل الورق، إلى أن جاءت لعنة التكنولوجيا التي أنهكتنا فقصرت أنفاسنا ، وتضاءلت نصوصنا لتتقوقع في المربعات الضيقة المعدة مسبقا للبوح العجول. ماذا نحن الآن؟ وماذا تكون نصوصنا التي أضحت أمساخا وأقزاما تمر من حساب إلى آخر.تتكثف ملامحها بلا معنى تحتمل استعارة او اثنتين ثم تتجعلك في نسخة جاهزة للتعليب والاستهلاك السريع.

لهذا فقط أعلن الحرف ثورته ، فلم تعد أنفاسنا القصيرة تسع عنفوانه، ولا مربعاتنا الضيقة تليق بمقامات جنونه . لقد أتعبه تكديس الاختصار ، وأنهكته السطحية والتعجل. لقد رحل عنا الحرف إلى غير رجعة موليا وجهه إلى من يليق بقداسته وجلالته ، رحل بحثا عن متسع ، عن أنفاس طويلة متأنية تهبه أنفاسه وتفرده على كل اتساعه ليطال كل أكوان البوح بامتدادها اللامتناهي.


  • 32

   نشر في 17 أبريل 2020 .

التعليقات

Heba Hamdy منذ 3 شهر
أسلوب جزل وألفاظ منمقة أحسنت
0
Heba Hamdy منذ 3 شهر
أسلوب جزل وألفاظ منمقة أحسنت
0
Heba Hamdy منذ 3 شهر
أسلوب جزل وألفاظ منمقة أحسنت
1
منال خليل منذ 3 شهر
رااااائع أختي فاااطمة أسلوبك غااااية في الجمال ودقّة الوصف وروعة المشاااعر فعلا انت مبدعة حقيقيّة إلي الأمام دائما عمل أدبي قمّة في الروعة وجودةعاليه في الأسلوب والوصف مشاعر تدخل القلب بلا إستئذان
1
Assem Gohar منذ 4 شهر
كلمات واضحة وتعبيرات رائعة ، اشكرك اختي الكريمة
1
Null منذ 4 شهر
في خصام مع الكتابة, متلازمة الورقة البيضاء مرهقة حقآ!
راقني العنوان جدآ, سلمت يداك.
2
فاطمة بولعنان
وراقني مروركم أكثر.. سلمكم الله
عندما اقرا مقالتك اشعر باسلوبك العذب في كل مقال ، احب الصور البلاغية التي ترسميها بحروفك فتنتقل الى الاذهان صورة نابضة بالحياة.. تحياتي استاذة فاطمة
2
فاطمة بولعنان
هذا يشرفني أستاذ محمود ..كل التقدير والاحترام لك
جميل جدا
4
فاطمة بولعنان
بجمال مرورك يا سهام ..
هاجر منذ 4 شهر
ابدعتي
3
فاطمة بولعنان
شكرا لك هاجر
شيماء أحمد منذ 4 شهر
من أروع ما قرأت
3
فاطمة بولعنان
سرني أنه أعجبك ..بوركت شيماء
شيماء أحمد
وفيك بارك الرحمان أخيتي
Abdou Abdelgawad منذ 4 شهر
برغم جودة المقال ورقي اسلوب عرضك للموضوع الا انني لم استسغ مطلقا استخدامك الآية القرآنية بهذه الكيفية وأخشي أن يكون هناك حرمة في الأمر بالطبع لست فقيها ولامفتيا لأفصل في ذلك ولكنني لو تخيلت نفسي محلك كاتبا للمقال فلن أطاوع نفسي مهما كان اندماجي مع الموضوع أن أضع لفظة (حرفك) محل (ربك) أبدا لن أجرؤ .
7
فاطمة بولعنان
أشكرك سيدي على هذه الملاحظة القيمة ، أذكر أني بحثت حول حكم الاقتباس من القرآن الكريم قبل نشر نص بهذا العنوان ، ووجدت أن المحرم في الاقتباس القرآني هو إنزاله منزلة استهزاء واستخفاف أو إقامته في مقام لا يليق بقداسة كتاب الله ..أما فيما عدا ذلك فلم تطل عيني مايكره أو يحرم الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر والأدب ..بل وجدت من الفتاوى ( أنظر فتاوى إسلام ويب) ما تجيزه مالم يخالف المقاصد الشرعية. ثم إني لا استطيع مغالبة حرفي في الامنتاع عن البلاغة القرآنية ..أرى أن هذه الاقتباسات شرف يزيد روعة النصوص ويرفع مقاماتها البلاغية والأدبية .. والله أعلم
Abdou Abdelgawad
وجهة نظر تحترم وطالما بحثتي وأطمانت نفسك لذلك فلا بأس أما بالنسبة لي شخصيا لا أجرؤ علي ذلك.. بالطبع لا توجد في الكون بلاغة تفوق بلاغة القرآن ولكن.لابد من التدقيق في الكلمات وما استبدل محلها فراجعي الامر لأن هنا تعديل وليس اقتباس وفي رأيي أن المقال في العموم جميل حتي بدون هذا الاقتباس الذي أزعجني وربما يزعج غيري أيضا.. لا أعلم ..تحياتي ودام قلمك
Value Goods & Services
بجد كنت ببحث عن شخص ناقد وأنا أقبل جبينك، للأسف أخت فاطمة حضرتك قبل البحث في الحكم لازم تعرفي معنى الاقتباس، وهو واضح جداً ما يحتاج فلسفة وتحليلات.. الاقتباس حتى أنه يوضع بعلامة ترميز معينة يوضح أنه منقول طبقاً للأصل... أولاً ابحثي هل عنوانك يسمَّى اقتباس.... أم تحريف والعياذ بالله.
ولو بحثك ما لقيتي ما يستنكر هالأسلوب، فأنا بكملك المعلومة، الدين ما خلى شيء ناقص ويتركك في حيرة .. في آية بتقول "اتقوا الشبهات" .
في بديننا شيء آخر يسمى "القياس"، وهو الإدراك بالعقل والمنطق أن هذا الفعل لن يكون مقبولاً وليس بالشرط أن يكون قد ورد نصاً في حديثٍ أو آية.
مثل ما سبقني الأستاذ وقال، فعلاً مهما وجدت اندماج ومهما كان الظرف، "لن أجرؤ" على تحريف آية وبشكل خاص كلمة "ربك"، لن تجرئي وليس لن يناسب بلاغتك وقلمك..
سلمت أناملك أختي فاطمة
3
فاطمة بولعنان
سلمك الله أخي ياسين ..شكرا لك
آيــة سمير منذ 4 شهر
الصحافة غير العمل الأدبي و هي تستوجب الاختصار و المباشرة فهي نقل لحقيقة أو أحداث و ليست تأملاً فكرياً !
3
فاطمة بولعنان
هذا أمر لا نختلف عليه صديقتي .. سعدت بمرورك
musaed alazemi منذ 4 شهر
مقال رائع وجميل
4
فاطمة بولعنان
شكرا جزيلا لك
Ayoub Sedki منذ 6 شهر
مقال رائع وجميل أستاذة باراك الله لك تحياتي
4
فاطمة بولعنان
شكرا جزيلا لك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا