الرجل ذو العادة السرية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرجل ذو العادة السرية

من داخل الصندوق

  نشر في 16 ديسمبر 2019 .


أعلم أنه أمر قبيح و ليس من الجيد ذكره علناً ولا أخلاقياً إطلاقاً الحديث عنه خارج الإطار العلمي، و أن أغلب ما كُتب عنه كُتب في سياق الأضرار أو الإقلاع عنه، لكنني أحدثكم اليوم عن تساؤل لاحقني منذ يوم جمعة بعيد للغاية، كُنت صغيراً حينها حينما تحدث خطيب الجمعة عن تلك المدن جمعياً، بدأ الأمر بتلاوة الخطيب من سورة الأعراف ما يلي من الآيات :

"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَاكَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٩٦﴾أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧﴾أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩٨﴾أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚفَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩٩﴾ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿١٠٠﴾ تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾ " ( الأعراف ) ( 96-101)

كُنت حينها أحفظ تلك الآيات و أعلم تفسيرها و سبب نزولها ووقتها إلى أخره من التفاصيل، و لكن الشيخ قضى الخطبة يحدثنا عن تلك المدن الفقيدة و تلك المدن التي وُجدت، حد أنني ظللتُ معه لختام درس يوم الجمعة، و كان الحديث يبدأ بإرم ذات العماد، ثم سدوم و عمورة، مروراً بمدائن صالح دار قوم عاد و ثمود، ثم كانت الخطبة قد انتهت، بعد الصلاة كانت قضية هذا المقال.

جلسنا حول الشيخ كُنا تقريباً أربعة عشر فرداً حضر تلك الواقعة، حدثنا الشيخ أنه حدثه أخوه الشيخ في أحد حلقات علم شيخ ثالث بارك الله عليهم جمعياً أنه شاهد ولده يشاهد التلفاز في أحد القنوات العلمية التي عرضت فيلماً وثائقياً عن مدينة تسمى بومبي و هركولانيوم، بعيداً أنهما قريتان متجاورتان، لكن الشيخ استكمل القصة و قال أنه جذبه قصة تلك المدينتين التي غمرهما بركان فيزوف في عام 79 ميلادياً و قد كان الفيلم يعرض حياة تلك المدينتين، و ظل يسرد الشيخ بعض تلك التفاصيل و التي كانت كالآتي.

أول الأمر أن المدينة تتكون من حمامات عامة و ميادين عديدة بها غرف خفيضة المستوى و غرف أخرى عالية المستوى استخدموها كثيراً في ممارسات غير شرعية، و كان الشيخ ينقل على حساب الشيخ الذي ينقل عن التلفاز قول مُقدم الفيلم بأن المدينة كان يُمارس فيها اللواط بشتى أنواعه و كانتا تلك المدينتين اشتهرتا بتلك الممارسات التي كان أهلها يعلمون جيداً حرمانيتها بحُكم أن العقد الثامن من القرن الأول من الميلاد قد مضى فترة ليست بالقليلة منذ دخول تلك البلاد الديانة المسيحية.

هُنا استوقف الشيخ تساؤلات جلساء درس الجمعة الذين سألوه كيف وجدوا تلك المدينة، و كيف غرقت بالرماد أليس الغرق بغمر المياه القُرى، و أحد تلك الأسئلة التي لن تغيب عن ذاكرتي مهما مضى العمر هو أن أحدهم سبح لله و قال إن كانت مدينة لما أهلكها، لأن الله مُهلك القرى كما ورد بالكتاب، و تسائل فيما بعد هل إن أهلك الله مدينة أيهلكلها قرية قرية أم هلاك القرية مثل المدينة مثل البلد.

كان الشيخ يسمع الأسئلة و يعتبرها لم تكن، لذلك لم أسأله شيئاً، أعاني حساسية تجاه هؤلاء الذين يسمعون قولك و لا يجيبونه ، و ذلك يفسر كثيراً لماذا لا أقدم أسمي كمرشح لمؤتمرات الشباب التي ينادي لها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لأنه لا يختلف عن الشيخ أو هُبل .

مضى الشيخ يتحدث عن بقايا المدينة واكتشافها، اكتشفت بومبي عام 1779 بالحفر في المنطقة المحيطة من قبل المهندسين في ذاك الزمن و ذلك ما لم يذكره، قال الشيخ أنه تم اكتشافها عن طريق الخطأ حيث أن فلاح أشترى أرضاً و كان يحفر فيها فسقط و وجد نفسه بين جثث مفحمة محفوظة على وضعها التي كانت فيها وقت الانفجار الهائل لبركان فيزوف، و الحقيقة أنه وقت اكتشاف المدينة كان هناك 2000 جثة لأناس كانوا يعيشون حياتهم العادية العابرة و لكن هنا يبدأ فصل الخطاب.

فصل الخطاب يا سادتي أن المدينة التي يعتبرها الناس لوحة فنية من الفناء، بها أناس شتى و تعددت ألوانهم، الذين لقوا تحذيراً من صانع الهلاك و ولي نعمتهم بركانهم العزيز، تجد في جثثهم باعة متجولين رفعوا أيديهم قرب أفواههم حتى يعلوا صوتهم بما يبيعون، و رجال كانوا يمضون معاً فبان في بقاياهم أنهم كانوا يمشون سوياً، و بعض الذين تحجروا كانوا يمارسون الجنس، و هم الذين ظلوا في ذاكرة الوعاظ، كانت هناك سيدة شهيرة تُسمى سيدة المخاض، كانت تلد أبنها يوم 24 أغسطس عام 79، قد فات الشيوخ و الوعاظ كل ما بالمدينة من مظاهر الحياة و ظلت أربع صور، امرأتين معاً في غرفة نوم بحمام عمومي اتخذ من الرسوم الإباحية تزييناً له، رجلين يعتلي أحدهما الأخر في سوق قديم، و رجل مسكين يمارس العادة السرية، و سيدة كانت في بيتها تصنع ذات الأمر.

منذ صغري كُنت أتمنى أن أكون تلميذاً للمقريزي أو ابن تغرى بردي حتى يتثنى لي أن أعلم ما لم يصل من بين أيديهم إلينا من التاريخ، و لا ريب أنني قد قرأت و مررت على تلك المدن الفقيدة و الفانية في قراءتي، و مررتُ في حياتي بأربعة مُدن منهم، لم أكن محظوظاً للغاية لكي أمر بقريتي بومبي و هركولامنيوم، لكني لا أنظر لهما كمُدن الشهوة أو نُزل النشوة التي يرصدها لنا الوعاظ، كثيراً ما أراهما لوحة رسمتها الطبيعة أو صورة التقطها العالم للواقع.

أول أمور الرجل الذي كان يمارس العادة السرية و بطل أسطورة هذا المقال، أن العالم مُخطئ منذ بدايته، و أن أي محاولة لاختصار مصائب العالم حول أخطاء أفراده هو أمر يجعل الأفراد الذين يسمعون تلك المحاولات يشكون في أمرين، جدوى ما يصغون إليه، أو جدوى استمرارهم في فعل الصواب، لأنك إن فعلت الأمر الصحيح دائماً و تعلم أن غيرك يفعل الخطأ، أن تصلح المركب التي يخرقها الأخريين، ما فائدة ما تصنع؟، علينا أن نُدرك أن المدينة هلكت ليس بما يصنع أهلها بل بما لم يحذره أهلها، لأن نيرون قال لهم أن البركان سيهلكهم من قبلها بأشهر و لم يستمع له أحد .. نيرون كان لوطياً و كان يتخذ له زوجاً في العلن، و يزيد في أمره بللاً ياعزيزي إن من بين جميع حُكام العالم لا تقل فرصة أن يكون نبياً أو إلهاً قدر تلاشيها عند نيرون.

ثاني تلك الأمور التي تخص صديقنا ذو العادة السرية أن هناك ألفي جثة في ذاك الوقت، لأناس كثيرين كانوا في حياتهم اليومية، هؤلاء كانوا في نزواتهم الخاطفة من يومهم، لا نعلم حقيقةً طبيعة حياة هؤلاء أو هؤلاء ، و كل ما نراه فيهم هي تفسيراتنا بما نعتقد عنهم، تخيل معي أن يدك قد شُلت في وضع ما، وضع عفيف شريف نظيف للغاية مثل أنك تعمل كوب من الماء، و أخذنا من يديك كوب الماء، و تجمدت يديك على هذا الوضع، هل يظن الناس فيك ظن غير ذاك الظن؟ ، أنت نفسك تبتسم رغم الفاجعة التي أقول أنها ستحدث لك مما أتى إلى ذهنك من شأن الناس.

ثالث الأمور يا سيدي، هو أن العقل الواعظ مهمته الأساسية هو أن يرى نواقص البشر الذين لن يكتملوا مهما صنع الزمن فيهم، مررتُ بنفسي في مدائن قوم صالح، كُنت أبغض قوم عاد و قوم ثمود لتكبرهم، لكني رأيت تفسيراً له حينما دخلت دارهم بنفسي، كان دارهم يبعد عن داري بخمسمائة كيلو متر ، و كُنت أراعي قول نبي الله في دارهم حينما مررتُ فيها، فلم أذكر اسم الله فيها و لم أبق هناك لمغيب الشمس، لكنني أقسم بالله أن من يسكن مثل مسكنهم له ألف حق في تجبره من شدة البيئة التي كان ينشأ فيها، أن إدراك البيئة التي عاش بها البشر يعلمك كيف تنظر إلى قصة هؤلاء الذين لم ترهم، إن الأثر يحمل ما تبقى من صاحبه.

رابع تلك الأمور، أن الله لم يهلك قوماً لم يبعث فيهم رسولاً، و لم يهلك قوماً لخطاياهم بل بما ظلموا، و قصة قوم لوط لم يكن هلاكهم إلا لأمرين أولهما لوط نفسه، إن بعث الله لهم بنبي يعني أنه أخر ما يصطفي منهم الصالح من الطالح أتباع هذا النذير، و ثانيهم هو أنهم تجبروا حتى أنهم كانوا يقفون ضد ما هو صالح أي أنهم إذ لقوا من يأتي شهوته من النساء يقفون له حتى يأخذوه إلى الطريق الآخر، و كذلك كان يفعل أهل عاد فيما يخص إرم، إن لقوا أحدهم يتبع هوداً الذي يعدهم بجنة عدن كانوا يتحدثون عن عمدان الذهب و الأرض ذات الأحجار الكريمة، إن التحدي مع الله ما أهلك القرى.

أما جزاء خطايا البشر مصائرهم، الهلاك الجمعي يأتي من التحدي الجمعي، و قد نرى صوراً كثيرة في التاريخ أخشى أن أسميها إلا سخرية القدر خشية من أقول أن لدي القدرة على معرفة مشيئة الله في عباده، و هذه الأمثلة عديدة و كثيرة، لكن اليوم لدينا شعوب كاملة محاصرة مثلما رضيت هذه الشعوب بحصار فئة قليلة منها، و جميعهما محاصرون من نفس الحاكم ، و هذه سخرية القدر و المصائر الجمعية من ردود الفعل الجمعية يا عزيزي القارئ.

ختام القول، أن الذي كان يمارس عادته السرية و التي كانت تمارس عادتها السرية، و المرأتين السحاقيتين، واللوطيين الذين كانا يمارسان ما يمارسان في ذاك الوقت، رُبما هم في نار جهنم لأسباب كثيرة الآن، و لكن تذكر أن طفلاً في يوم ميلاده، و سيدة في مخاضها، و أناس عائدين من أشغالهم، و باعة الأسواق، و عدة من البشر لم يكن يد في يد هذا او ذاك أو غيرهما فيما فعلوا هلكوا، أنه حدث طبيعي و مثل بسيط للدنيا، و أي محاولة لاعتباره عذاباً إلهياً لكم سؤالي،

 أين ما تبقى من عاد و ثمود ؟.



   نشر في 16 ديسمبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا