قراءات في فكر علي عزت بيغوفتش! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قراءات في فكر علي عزت بيغوفتش!

  نشر في 05 يونيو 2022 .

-لا شك في أن علي عزت بيغوفتش من أهم المفكرين و الفلاسفة المسلمين في القرن العشرين بالإضافة إلى كونه رئيس لدولة البوسنة و الهرسك في فترة هي الأهم و الأصعب في تاريخ هذا الصغير المساحة و القليل السكان , قاد علي عزت هذا البلد في الحرب التي شنتها عليه صربيا و أذنابها من صرب البوسنة رغبة منهم في القضاء على مسلمي البوسنة "البوشناق" و هم العزل , فعل الصرب في مسلمي البوسنة الأفاعيل التي لم تكن مجزرة سربرنيتسا التي راح ضحيتها 9000 مسلم بوسني أخرها أمام أنظار العالم و قائده المزعوم  الغرب المنافق .

-إنه لمن الناذر أن تجد رئيس دولة على هذا المستوى العالي من الفكر و الثقافة فلو لم يكن علي عزت مسلما أو ذو  توجه غير إسلامي لكان تبوأ مكانة عظيمة في تاريخ الفكر الغربي و في التطور الفكري الغربي , و فهم علي عزت عميق لفلسفة الغرب و للمنتج الفكري الغربي فقد وصل إلى منتهى أطروحات الغرب و أفكاره .

و إنه لمن أكثر ما يثبت المرء و يعمق إيمانه رؤيته هكذا شخصيات فهمت فلسفة الغرب و خلاصة أفكاره بعد أمد طويل من بحث هذه الأفكار و تمحيصها و في الأخير تعود إلى المنبع الأول و إلى الخط الإسلامي بعد إتضاح الصورة لها و تبين سخافة و ضعف حجة الجاهلية الغربية.

في حين نرى في نفس الوقت من يمكن أن نصفهم بالأوباش أمام هؤلاء العمالقة أوباش لم يطلعوا إلا على النزر القليل من فكر الغرب و فلسفته و تراهم لا يكفون و لا ينثنون عن مهاجمة الإسلام و نشر الشبهات حوله.

ولد علي عزت بيغوفيتش في يوم 8 أغسطس عام 1925 في مدينة بوسانا كروبا البوسنية من  أسرة تنحدر من مسلمي البوسنة السابقين الأرستقراطيين الذين فروا من بلغراد إلى البوسنة والهرسك في عام 1868، وذلك بعد انسحاب قوات الجيش العثماني من صربيا و بدأ اضطهاد المسلمين بها، وكان جده يخدم كجندي في بلدة أسكدار التركية.

نشأ علي في ظلال أمه الوارفة هذه الأم التي كانت شديدة التقوى و الإيمان فكانت توقضه لصلاة الفجر في المسجد و هو فتى لم يبلغ 13 من عمره و مسألة صلاة الفجر هاته تركت أثرا كبيرا في نفس علي يظهر من حديثه في مذكراته .

مر علي بفترة من المراجعات وهو في سن 15 في ما يخص مجموعة من المسائل منها الوجود الالهي و صحة الإسلام ,خرج منها علياً آخر, علي المسلم الحق المتيقن من صحة هذا الدين ,علي المسلم ليس لأن أبويه مسلمين و الأنه ولد في أسرة مسلمة بل مسلم لمعرفته بهذا الدين و كونه هو الحق من الله و هذا بعد قراءات طويلة إطلع فيها على إدعائات الماركسية و على مختلف الأفكار الرائجة في عصره .

يصف المفكر المصري الكبير عبد الوهاب المسيري في مستهل تقديمه لكتاب الإسلام بين الشرق و الغرب علي عزت بأنه "صاحب اجتهادات مهمة في تفسير الظاهرة الإنسانية في تركيباتها" .

 إجتهادات يقدم فيها علي عزت بديلا للنموذج المادي العدمي الكامن وراء حضارة الغرب و علومه اللذي يفسر به ظاهرة الإنسان فلا يعدو أن يجعله نتاجا طبيعيا للتطور الدارويني الشيء اللذي  يضحده علي عزت و يظهر خطأه و يظهر علي عزت  أن التطور الدارويني يستحيل أن ينتج إنسانا يضحي بنفسه الأجل دينه ووطنه و قيمه إنسانا فنانا منتجا للجمال متذوقا له .

فالظاهرة الإنسانية بتعقيداتها تستعصي على التصنيف المادي المجرد و يقول بيغوفتش في هذا (إن التطور "بغض النظر عن درجته في التعقيد أو الحقبة الزمنية التي استغرقها "  لم يستطع أن ينتج إنسانا إنما مجرد حيوان مثالي قادر على التحرك داخل الجماعة بكفائة عالية لتحقيق هدف البقاء المادي ) و لعلي عزت تساؤل غاية في الجمال و العمق يطرحه في كتابه الإسلام بين الشرق و الغرب  يقول " ما اللذي جعل الإنسان لا يقتنع بالدلالة المباشرة للأشياء؟".

و هذا هو خط سير علي عزت في نقد التطور و الداروينية إذ ينأى عن الخلاف التفصيلي في النظرية ذاتها و إن كانت مليئة بالثغرات و التساؤلات إذ قد تتساوى أدلة المعارضين و المؤيدين و يذهب إلى الإنسان و إستحالة تفسير ظاهرته بمنهج داروين التطوري .

-الحداثة و سقوط الإنسان:

يجعل التصور الحداثي الإنسان في مركز الكون بعد أن كان الإله هو اللذي يتبوأ ذلك الموضع في الفكر الغربي ما قبل عصر النهضة, فللإنسان في الفهم الحداثي قيمة مطلقة و حقوق أصلية يولد بها و له جوهر و إن كانت الحداثة تعجز عن تفسير هذه الرؤية للإنسان بأدواتها المادية و كذا منطلقاتها الأخلاقية فضلت الحداثة في تناقض يغفل عنه البعض و يتغافل البعض الأخر من فلاسفتها إلى أن أتى نيتشه و أعلن الفضيحة كما وصفها المسيري .

 فضيحة  تناقض الحداثة بين التنكر للوجود الإلهي و إعطاء قيمة متجاوزة للإنسان و فضيحة  أخلاقها ذات الأصل الديني , الدين نفسه اللذي أعلنت القطيعة معه فكان البديل عند نيتشه القوة و النسبية و الإنفتاح على التأويلات لا الحقائق ليدخل الغرب في دوامة ما بعد الحداثة التي ما زال يقبع في داخلها فكانت ضربة نيتشه هذه شرارة تيارات اللاعقلانية و اللامعنى و اللاحقيقة التي سيعرفها الفكر الغربي تيارات العداء للحداثة التي لم تف بوعودها .


-المجتمع و الدولة الإسلامية:

يقول بيغوفتش أنه لا يمكن تأسيس دولة إسلامية إلا إذا كانت الغالبية فيها من المسلمين وإلا كان هذا النظام قهريا وقمعيا او طوباوي خياليا مجتمع يؤمن ايمانا لا شك معه في تفوق هذا النظام الاسلامي على باقي الأنظمة ويؤمن بعلوية الفكرة الإسلامية, من هنا يقول بيغوفتش "اعطيني مجتمعا مسلما اعطيك دوله اسلامية".

-بين دعاه الحداثة و دعاه الاشكال القديمة:

يفرق علي عزة كثيرا في كتاباته بين فئتين في المجتمعلت المسلمة هما دعاة الحداثة والتغريب الذين يتشبثون بكل ما هو أجنبي وغريب وبين دعاة الاشكال القديمة الذين يرتبطون ارتباطا وثيقا بالأفكار القديمة ويرفضون أي علاقه بما هو حديث سواء النافع منه  والضار ويعتبر علي عزت كلتا الفئتين على خطأ.

 فدعاة الحداثة هؤلاء ينسون أن أساس وقاعدة التقدم الحقيقي هوالبناء على المكتسبات السابقة والثوابت وليس بالتنكر للماضي والارتماء في أحضان ثقافة أخرى بدعوى الإنفتاح , إنفتاح غير محسوب يمر  فيه من عوالق جاهلية الغرب إلى جسد الأمة الشيء الكثير أما بالنسبة للمتشبثين بالأشكال القديمة فمذهبهم ظاهر الفساد فنحن في عالم يرفض إلا التعامل و التفاعل معه .

و يقيم هنا علي عزت مقارنة بين اليابان وتركيا بعد إنهيار الخلافة العثمانية فالبلدان كانا في نفس النقطة ونفس الوضعية و أحوالهما تشابهت كثيرا لكنهما أخذا مسارين مختلفين.

 فاليابان إتخذت مسار البناء على الأصل الثقافي وفرضت ثقافتها على الغرب في حين تنكرت تركيا لأصولها وامتدادها الاسلامي وارتمت في احضان الغرب ارتماء الولد الصغير في حضن أمه (وبالطبع نحن نتحدث هنا عن الحكومات والقادة الذين يحددون  توجهات الدولة فشعب تركيا المسلم لم يرضى بما حصل من تهميش ومحاربة لدين الله )ويذكر علي عزت  في نهايةً أن النتيجة بالنسبة للبلدين معروفة.

-الوحدة ثنائية القطب:

يقسم علي عزت الأفكار و التصورات في العالم إلى (دين,مادة,إسلام) ففكرة المادة و المادية إعتبار الوجود كله وجود مادي و نفي وجود أي قيم متجاوزة أو كلية فالوجود مادة و لا روح في حين أن هنالك الفكرة الدينية التي تقابل الفكرة المادية في التطرف فتغالي في الروحية و تتعالى عن الواقع و لا تتفاعل معه في حين أن الفكرة الإسلامية وسط بين هاتين الفكرتين فلا هي تغالي في المادية و لا هي تغالي في الروحية فهي خيار تالث و حل وسط يصفه علي عزة بالوحدة ثنائية القطب .

يعطي علي عزت مجموعة من الأمثلة على هذا التوازن الإسلامي بين المادة و الروح و جمعه بينهما دون طغيان إحداهما على الأخرى .

أحد هذه الأمثلة على هذا التوازن و على هذه الوحدة ثنائية القطب ما يصفه علي عزت بالمسجدرسة المكان اللذي يشكل مكان للعبادة و في نفس الوقت مكانا لإكتساب المعرف الدينية منها و الدنيوية في تناغم واضح بين المادة و الروح.

 و الصلاة كذلك حيث يسبقها وضوء يشكل الجانب المادي منها و هو ما يخالف الفكرة الدينية في الأصل التي ترى في عدم التطهر و النظافة  علامة على الزهد و الروحانية وانفكاكا عن الواقع و المادة و تروى قصص عن رهبان و قسيسين منهم من لم يستحم لعام يعلنها متفاخرا كأنها علامة من علامات الإيمان و منهم من لم يمس الماء لمدد طويلة و هذا و الله مما تتقزز منه القلوب قبل العقول و ما هذا من الدين في شيء و النضافة مما أكدت عليه الشريعة الغراء أمراً و تحبيباً و تعضيماً. 

يصف علي عزت الإتحاد السوفياتي بأنه المثال الأكثر تطرفا للفكرة الأولى(المادة) في حين أن محاكم التفتيش في الجانبا لاخر من هرم التطرف في الفكرة الثانية (الدين) فهاتان التجربتان هما التمثيل الأمثل لفكرة المادة و فكرة الدين  .

-بيغوفتش و الدولة الشمولية:

يرى علي عزت  استحالة بقاء و استمرار الدولة الشمولية مهما طالت  مدة بقاءها و ذلك بسبب محاربتها و مخالفتها لفطرة الحرية لدى البشر فكان من غير الممكن أن تستمر في البقاء مهما حاولت تشويه و تحوير فطرة الحرية هذه يقول علي عزت هذا في زمن كانت الأنضمة الشيوعية الشمولية تعيش قمة مجدها و أوج قوتها ,مهيمنةً على جزء كبير من العالم .

و يكون علي عزت بذلك تنبأ بنهاية هذه الأنضمة, هذه النبوءة التي لم تتحقق إلى بعد سنين من خطه لها في كتابه و يمكن أن نستقي من هذه التجربة  عدم الإغترار بمظاهر القوة التي قد تظهر بها بعض الأنضمة و الدول في حين أنها في الحقيقة أهون و أضعف ما يكون فعدم الإغترار و لإنسياق غلف الرؤى المعلبة التي قد تخالف المعطى التاريخي و الفطرة البشرية أمر بالغ الأهمية.

و عداء علي عزت للشيوعية كبير و عميق ناتج عن فهم كلي الأطروحاتها و مقولاتها الكبرى فخلاصة قول الماركسية و المادية الجدلية هي القول بالحتمية التاريخية و وجود غاية للتاريخ و هي فكرة استقاها ماركس من هيجل و حسب ماركس فالعامل الاقتصادي هو الأهم على الإطلاق و طبقة المرء هي التي تحدد تفكيره فالمادة تسبق الفكر و يقول كذلك بأن التاريخ سينتهي عند ثورة البروليتاريا و سيطرتها على الحكم فقال بالحتمية التاريخية وهو مذهب ظاهر الفساد قبيح التوابع. 

 و يناقض ماركس نفسه عندما يبشر بأمل كوني غير مادي لا يمكن تبريره إلا إذا كان صاحبه مؤمنا بالألوهية على حد قول راسل .

و الحديث عن فكر علي عزت يطول فهو خصب كثير الثمار و البذور ضارب الجذور في أعماق الفكر الإنساني ناقد لكل تأطير مادي للإنسان يجعل منه مجرد حيوان كباقي الحيوانات فكان علي عزت بحق مجاهدا..فيلسوفا...مسلماً.


  • 2

   نشر في 05 يونيو 2022 .

التعليقات

تلخيص رائع للأفكار . دام قلمك وفكرك موفق ان شاء الله أخ صلاح الدين
1
صلاح الدين
بارك الله فيك و رضي عنك !

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا