دعوني أشكر الحرب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دعوني أشكر الحرب

خواطر مغتربة

  نشر في 16 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 19 مارس 2018 .

عندما دخلت المصعد، ذلك الذي شهد على اغترابي، شعرت بأنني أغادر الحياة، أغادر الأرض، أغادر كل الأشياء.. حتى أنا.. غادرتني. اللاصوت الذي يهاجمني، وكأنه ثورة فوق رأسي، يخبرني أنه سيكون جليسي في غربتي. ما إن تغترب حتى تعلم أن الوطن ما هو إلا روح تسكنك، تعلم أخيراً أن الجغرافيا التي تقطنها لم تكن إلا نبضك. أرض وطني ليست جميلة كما يجب، لكنها أرضي، نشأتي، طفولتي، هي كل الأشياء الجميلة.. هي أنا..

يأخذني الحنين هناك، فتداعب ذاكرتي أصناف الطعام التي لطالما رفضتها، "صحناً من الحمص، حبات متناثرة من الزيتون، رائحة الفلافل، فرض المنسف يوم الجمعة، وكأس من الشاي تسبح به أوراق الميرمية".. كلها أشياء أرجو لو عادت، لو أعيشها ثانية، لو أشمها فقط. قابعة كلها بحلوها ومرها تحت ثقب القلب، تعيش معي، تؤنسني، تطبطب على كتفي، وتخبرني بـ أنها "الأقدار".

وحدها السماء تشبه شيئاً من هناك، أيدركون عظمة الامتداد في السماء كما ندرك؟ هل يحدق بها أحدهم ذات مساء؟ أيرسلون السلام لنا عبرها كما نفعل؟ أم أن لعنة التأمل تلازمنا نحن فقط؟ يا للرعب! أي عالم هذا الذي تفتح أمامي فجأة؟ أي نوع من النضج وهبتني الأيام؟ أي ملامح البشر قادرة أنا على تفسيرها؟ أي مكان أنا أتيت؟ وأي غربة تلك التي غُربت؟

الآن.. دعوني أشكر الحرب.. الحرب التي جمعتني بمن باعدت بيني وبينهم الدماء، بمن جمعتني بهم في بلاد هي ليست لي أو لهم. الحرب التي أخرجتهم من ديارهم، حملتهم إلى هنا، وهدأت من ألمي. بعد حرب دامت ٦ سنوات، لم أعد أذكر من أوطاني سوى ملامح وبعض ذكريات، فكيف أنت تذكرني؟ كيف تعرفني؟

دخلت إحدى المطاعم التي تقدم الطعام السوري في مصر، لأرى أمامي رجلاً كنت في الأعوام السابقة أدخل اليه وأطلب مما لديه. والآن، ها هو، إنه هنا، يسألني عن حالي وكأنه يعرفني، وبكل بهجة أجيبه وكأن روحي عادت، هَدَأت نفسي واستقرت، كأنني لم أغترب، وكأنَّ نسائم البلاد عادت بنفحاتها تنعشني. هي الأقدار تفرقنا ثم تجمعنا على حال لم نكن نتوقعه، ولعلنا أيضاً لا نريده.

أن تكون زائراً في وطنك خير لك ألف مرة ومرة من أن تغترب في رحمه، من أن تحمله على الورق وفي داخلك وطن آخر، أن تشرب من مائه وبحر وطن آخر يستقر في أوردتك، أن تعيش فيه وتفتش بداخله عن غريب يشبهك ومن ذات موطنك. الآن فقط أشعر بألمك يا رسول الله، اليوم فقط أتشرب الألم من كلماتك، وأعلم ما معنى أن تخرج من وطنك مجبراً لرسالة هي أعظم من الوطن والأهل والناس أجمعين. الآن فقط أعلم أن كل الألم القابع في الروح، لا يذهب إلا إن عدت لوطنك وخيراتك تسبقك إليه.

لعلي في لحظات يأسي لا أريد من أحدهم إلا أن يشد أذناي للوراء، أن يعيدني طفلة، تطهو الفراغ في الهواء، تطعم الباربي، وتنام ممسكة يد دميتها الحسناء، فلا تلبث الفكرة أن تتمكن مني حتى أقتلعها من داخلي، وأربي ذاتي على أن جمال الوطن لن يظهر إلا حين نبذل له الصعاب، ولأنه يستحق، سأفعل.


  • 2

  • آية القزاز
    Aya Al Kazzaz, 21 years ago. Muslim and proud. Blogger at ajablogs & huffpostarabi. I have a dream and I wish to be come true...
   نشر في 16 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 19 مارس 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا