في منتصف العجلة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في منتصف العجلة

في منتصف العجلة

  نشر في 20 يوليوز 2021 .

في منتصف العجلة

في كل وقت وفي كل زمان دائما هناك شهود يقفون في وسط العجلة التاريخية لأي مجتمع , يشهدون على ما مضى , وينتظرون الشهادة على ما هو آتٍ , وربما لو كان هناك مقياس لمستوى الدهشة أو الإنكار أو الاستغراب أو السخط , لكانت نفس المستويات تتشابه برغم اختلاف الزمان والمكان , وربما البيئة , أحيانا يقف بعض هؤلاء الشهود وقد عجزوا عن استيعاب التغيرات في مجتمعهم ولا يصدقون أنهم يعيشونها , فذاكرتهم مازالت تختزن الكثير من الصور للماضي القريب والذي من المؤكد أن جيلهم المعصر من الشباب لن يصدقوا أنها كانت فعلا وتيرة حياة حتمية , التاريخ كائن حي يتغير ويتفاعل وربما أحيانا يخضع للمتغيرات التي يفرضها البشر سواء عن قصد أو بشكل تلقائي وتطوري , التاريخ لا يشيخ هو دائما شباب ويستمد شبابه ونظارة وجوده من الأجيال التي يحتضنها حقبة بعد حقبة , هو قد يمرض وتصيبه لوثة من حماقات البشر ربما , ولو قُدر له أن يتحدث لاستاء من بعض تلك المتغيرات خاصة التي تصيب الأخلاق بالتشوه والشذوذ , فكثير من الفضائل والتصرفات النبيلة والتي كانت يوما يختص بها نبلاء القوم وما يُعرف بأخلاق الفرسان , أصبحت تخضع لاعتبارات حضارية بدأت تفرض نفسها مع كل حركة للتاريخ نحو المستقبل , وكل التشوهات الأخلاقية على اختلاف أنواعها من قتل وسرقة وكراهية وعنصرية وتدمير روح الإنسان وربما الشعوب أصبحت تخضع لاعتبارات جديدة , فأصبح قتل الشعوب يسمى سياسة , وقتل الفرد يسمى جريمة , وتجويع البشر يسمى اقتصاد , وسحق العمال والبسطاء يسمى ظروف العمل , من يقف في منتصف عجلة التاريخ يقف مصعوقا لتلك الحياة التي اضمحلت أمام عينيه وهو من كان أحد أبطالها ذات يوم , يراقبها وهي تبتعد بملامحها الباهتة شيئا فشيئا حتى تتحول لصورة أثيرية يكاد أنه لن يصدق أنه عاشها ذات وقت , ومع مراقبته لعجلة التاريخ بدأ يفطن أن حاضره قريبا سيصبح صفحات باهتة وكأن كل شيء مجرد شريط سينمائي يمر بذاكرته وهو مستلقي لا يملك من أمره شيئا , لكل منا وقفة مع نهاية التاريخ الذي يعرفه , وكأنه رفيق درب ولا بد من وداعه , هو مجرد جزء من أعواد العجلة الكبرى للتاريخ ولن يوقف فناؤه حركة تلك العجلة .

ذات وقت ستصبح كل الحكايات التي تكتبنا وعشناها هي مجرد قصص خيالية يستمع إليها أبناء اليوم غير مصدقين وربما غير مبالين بتلك الخرافات التي عشناها هباء لا يهتمون به , ألم نكن نسمع ممن عاشوا قبلنا عن قطع الصحاري والأودية على ظهور الجمال والخيول والحمير وحتى على الأقدام , وكنا نتعجب كيف تحملوا تلك المصاعب وقاوموا قسوة الحياة ؟ كنا نظن ونحن في مقتبل العمر أننا بالنسبة لهم نعيش عيش الملوك رغم بساطة تلك الحياة مع واقع اليوم , ولكن ماذا عن الغد بالنسبة للواقفين في منتصف المسافة بين الماضي والمستقبل ؟

هل يتقبل أبناء اليوم فكرة أننا عشنا بمعزل عن التقنية والأنترنت والجوالات والأطباق الفضائية وحتى التلفزيون , هل يتصورون أو يصدقون أننا لم نعرف مكيفات الهواء ولا نحلم حتى بتملك سيارة قديمة مهترئة , وفي وجه أخر هل يمكن أن نتخيل ما يمكن أن يخبئه المستقبل من صفحات هذا التاريخ من قفزات تقنية وحضارية بنفس الوتيرة التي حملتنا من الماضي للحاضر ؟

ماذا لو نقل أبناء اليوم ذات المشاعر التي حملناها ونحن نقف في منتصف التاريخ لأبنائهم غدا , ماذا لو عاشوا ذات التغيرات التي عشناها وعاشت كحكايا خرافية بين ماضينا وحاضرنا لا نكاد نصدقها ؟

والأهم من ذلك , ما القدر الذي سيربطهم بمنظومة الأخلاق والدين والأسرة , وما الذي سيشكل سيطرتهم على الحاجات الأساسية المادية ؟

هل ستتناغم خطواتهم مع تناغم عجلة التاريخ , هل سيسبقونها أم تسبقهم ؟

هل ستسحقهم حتى يقدموا لها قرابين الطاعة والخضوع ؟

ورغم اختلاف الأزمان سيظل الأجداد ينقلون القصص الخرافية لما كانوا عليه , وسيظل الأباء يمارسون ذات الشيء مع الأبناء وهم ينقلونها للأبنائهم وهكذا , فلن نتوقف نحن عن دهشة التغيير , ولن تكف عجلة التاريخ عن الدوران . 


  • 3

   نشر في 20 يوليوز 2021 .

التعليقات

Fatma Alnoaimi منذ 2 شهر
(لن نتوقف نحن عن دهشة التغيير , ولن تكف عجلة التاريخ عن الدوران)

وأنا أعترف بأني لن أتوقف عن تلك الدهشة المصاحبة لقراءتي لكل ما تكتب.
مقال رائع يستحق القراءة.
1
adelmoleh
سعدت كثيرا بوجودك قريبة من مقالي ,, شكرا بحجم الكلمة الجميلة التي تكتبيها يا فاطمة ,,, أتشريفك لمدونتي (ركن قصي) http://adelansare6.blogspot.com/
Fatma Alnoaimi
سأكون هناك في ذلك الركن القصي؛
بفضول كثيف
فأنا
تستهويني كثيراً لعبة إكتشاف سحر الكلمات.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا