آخر الراحلين. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

آخر الراحلين.

  نشر في 08 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 29 يوليوز 2018 .

عدد الصفحات 352 صفحة.

رواية من الأدب الابخازي

الكاتب: باغرات شينكوبا.

المرتجم: الدكتور محي الدين سليق

مختصر الرواية:"تحكي مصير شعب الاوبيخ بعد نهاية الحرب القيصرية وأثر اصطدام الحكومة القيصرية ، بدأ أمام الاوبيخ أمران مران هو النزول إلي سهول القفقاس أو النزوح إلى تركيا وقد اختار الشعب العريق الأمر الذي يبيّن قصر نظر الاوبيخ وهو النزوح إلى تركيا في 1864 ، وقد كتب هذه الرواية الحقيقية شاراخ وهو عالم لغات ابخازي هاجر بحثاً عن شخص اوبيخي فوجد زاورقان زولاق العجوز المئوي ذو الذاكرة القويّة التي تحمل في طياتها كل ما عاشته ، فأخبره بهذه القصة أو السيرة الذاتية له ، كما علمه اللغة الاوبيخيّة خلال شهر كامل ، وإن كان شاراخ قد لاقى حتفه خلال الحرب العالمية الثانية ليترك مخطوطته الغير جاهزة وراءة ، فيسوقها القدر إلى باغرات شينكوبا فيعمل على تنقيحها وتقسيمها ، ولو قدر لشعب الاوبيخ أن يحترف القراءة والكتابة ، لكان منهم من خرج من تلك الأحداث بفلسفةٍ خاصة حول الحياة والألم والمعاناة...


أحاول استباق الأحرف والكلمات ، بحر بكامله من الأحزان يعتصرني ، أغوص بين موجات المرارة ، ويتسرب في داخلي آلام المواجهة مع هذه الموجة المرّة ، إثر الأخرى ، أشعر أن هذه المرارة تخنقني ، تستبق كل المشاعر التي كانت تلازمني ، لتفوز هيّ بالصدارة...

آخر الراحلين ؟ ليس كأي كتاب سبق وأن قرأته ، أنه بحرٌ من الألم ، بل ربما سماء أليمة بكاملها قبع الاوبيخيون تحت مهدها ، يتضرعون الرب وبيتحا أن تعيد الطفل إلى بطن أمه ، ليس تلك الدعوة الحقيقية بل أنني أردت بذلك أن اشعركم استحالة الدعوة التي كانوا يناجون بها الرب هيّ: أن تعيد الاوبيخ إلى أرضه ، وأوج عزته ومجده ... وذلك استحالةٌ مشؤومة تحت قبضة القيصر والسلطان .

تساءلت هل هذا الكتاب حقيقة ؟ أم من خيال خصب لباغرات شنكوبا ، لكن الحقيقة هيّ حقيقة ، إنه ليس محض قصة تاريخية ، أو حبكة روائية ، أو سيرة ذاتية ، إنه يحاكي مصير الاوبيخ ، مصير شعبٌ كامل أنتهى وباد ، ومن فني منهم أخيرا كان يبحث عن الكلأ والزاد ، كان شعباً يتغنى القفقاس بقوته ومجده ، ويحسده الروس من على أهبة عرشة ، ويتنافس السلاطين ليكون هذا الشعب تحت قبضته ، لقد عشت كل حدث في الرواية ، كل ألم ، كل دموع ذرفها الاوبيخ ، كل أغنية شجيّة صرخت بها الابخاريتسا ، في انسياق مع صوت الأعمى ساكوت ، مع إنني لا أعلم كيف هو لحن تلك الأغنية وكيف هو وقع الابخيارتسا إلا أنني شعرت بالحزن مع كل أغنية ، وشعرت بالجرح وأنا أغني أغنية الجرح ، شعرت بالدموع الخافتة ، وانا في تمام الساعة الواحدة والنصف مساء أقرأ تلك الكلمات الأخيرة التي أنطلق عبقها ، من شواطئ اوبيخيا ، لتنعي أطفالا عن أمهم إلى الأبد ، طيلة الرحلة كنت معهم في ذات السفينة ، أعاني معهم ضياع وطن وشعبه والمسؤول لا جهة تدينه ، أبكي معهم مع كل من سيق إلى البحر منهم ليدفنه ، واشاركهم آهات ارواحٍ للرحيل مذعنة ، لتقول وداعا لتلك المروج الخضراء ، وجبال غرب القفقاس التي تحمل هناك موطناً عزيزا عليهم ، ، وداعاً اوبيخيا ، والينابيع التي تتراقص من أعالي الجبال ، ونهر سوتشي القريب من بلدهم ، وأشجار الدلف ، الكرز البريّ ، ثمار التين البرية ، والتوت الأرضي بعبقه الفواح ، واشجار الجوز والكستناء وعناقيد العنب ، ولا أنسى خلايا العسل الذي استمد الاوبيخ منها دواءهم ، تذوقت معهم المماليغا المطهوّة من الذرة الصفراء ، شعرت بالهيبة والمجد كلما ذكر الفرسان الاوبيخ وخناجرهم وخيولهم وكأنهم سبقٌ بها دون غيرهم من الشعوب في زمانهم .

إنني مُدانةٌ بالشكر لتلك الجزائرية الجميلة التي قد جعلتني إحدى أصدقائها على Goodreads لأعبّ منها الكثير ، فاتذوق معها أجمل الكتب ، وإن كان كتاب آخر الراحلين قد انهكني تماماً ، فأراني لا أنام الليل سهراً لأجله ، أتلذذ بالألم والدموع والقهر والحزن المكبوت في كل حرفٍ منه ، أشعر وكأنني سأضع روحي بين طياته ، لن اجعلها تغادره ، لأنني لا أود له أن يغادرني ، قد تهت مع زاورقان ، لقد حضرت حريق البيت الكستنائي وألم الغدر بهم، وامتطيت صهو بزاو ، غدوت معه روحةً وجيئة ، ذهابا وإياب ، سافرت إلى مصر ثم اقاسي أفريقيا ، تناولت الغزال المشوي من يد ذلك الافريقي الذي كنا كلانا لا نعي لغته ، لقد عدت مجدداً معه إلى تركيا ، لقد سمعت بعدها صدى أغنية الجرح وهيّ تخترق جدار السجن السميك ، وشاهدت عائلة نافي من تلك النافذة الصغيرة ، ورأيت النجم ليلاً ولونه الخافت من خلالها ، لقد عشت زمن الحرب الروسية ، وثورة الشباب الأتراك ، ونزوح الاوبيخ والابخاز ، لقد عشت ازمنةً أخرى مع زمني ، وكنت قد شاهدت قبلها الشمس وهيّ تغيب من سمسون وقد خمد أوارها ، لكن كان لهيبها وحرارتها في كل بيت اوبيخي لم يخمد آواره، في صدر كل اوبيخي تشتغل النار على مصير أبناء فلذته ، وهم تتناوب عليهم الكوليرا والتيفوئيد والطاعون ، ويبحث كل طفل صغير عن قطعة خبز و جرعة ماء ، وذلك ما تحمله الشعب قصرا نتيجة قصر نظر في نظر من حملهم إلى الفناء قصراً، لقد قالوا " يذنب أحدهم ليسري القصاص على الجميع " وما أراه أنهم اصبحوا أهلا لذاك المثل الذي شتت بجثثهم في قبور مشتته في مواطن تركيا ، موجهةٌ أجسادهم بكل أسى نحو اوبيخيا ..

لقد ظنّ الاوبيخ ، بل آمن أن بعد وفاة طاهر كانت وفاة تاريخهم الذي سيموت دون تدوين ، دون علمهم بأن تاريخهم سيكتب معنوناً بآخر الراحلين ،لكن القدر لم يحمل لتاريخهم الموت كما حمله لهم ، لقد ساق لهم من يكتب قصتهم وتاريخهم على لسان حالهم زاورقان زولاق ، فقد عاش المعاناة أكثر من غيره حتى وفاة آخر اوبيخي سواه ، لقد عفى الزمان على اوبيخيا وعلى بقاءها ، أما ذاكرتي وقلبي سيخلدان بقاءها ، وبقاء شعبها العظيم مبجلاً إلى أن تُفنى الذاكرة ، ستبقى في ذاكرتي بلدٌ تدعى الاوبيخ  ، تقع على جبال غرب القفقاس ، يحدها من الجنوب والشمال نهريّ خوستا وسوتشي..

أمثال وعبارات وردت في الرواية:


يظطرب البحر بالريح والشعب بالإشاعة

بم تختلف الذاكرة عن المرأة ؟ يمكن للمرأة أن تخون الرجل حين تكون شابة ،أما الذاكرة فتخونه حين تشيخ.

إذا بقي ضمير الإنسان حيّاً صافياً ، بينما تزداد المصائب على كاهلة فإن من حقه أن يقرر أنه يعاني ما يعانيه لقاء آثام غيره .

من يقدم الهديّة لا يكررها في كل مرة.

مثل اوبيخي: الزهرة تلقى الموت ولا أكثر إن امسكها منقار حدأة عجوز.

حين يهرب الإنسان بنفسه من الجنة فإن كل الطرق تؤدي به إلى جهنم.

دفأتم النحلة تحت القميص .

ثلاثة أشياء،خطرة جدا في العالم :" السكين بيد الطفل ، والمديح من شفاه المتزلف والسلطة لدى مجنون العظمة"

الوفاق بعيد عن طبيعة الإنسان.

لا تخشى السلاح بل احذر النميمة .

حين ينتهي الجلد يقترب القبر .

لإنقاذ القطيع كله .. يجب إبعاد النعاج المعدية.

لتربية الإنسان تكفي سنوات طويلة أما لإفساده فتكفي ومضة عين .

روح الغريق تحصد بذور الأمل حتى في قاع البحر.

الزمن يخفف الآلام ، ويجفف الدمع ،و يجلل الذاكرة بعمامة النسيان ، إنه مواسٍ عظيم ، فلو لم يكن لديه هذه الوظيفة لجن نصف البشرية حتماً.

ينتظر القادم طريق العودة .

ألم يتحدث النهر إليك حين وقفت قريباً منه ؟ أم أنه تحدث فعلاً لكنك لم تفهم لغته ، إنه يتكلم طالما أنه يجري ولن يكف عن الكلام حتى تجف آخر قطرة ماء في مجراه وليس قبل ذلك إطلاقا.

حين يخونك الحظ تغرق على اليابسة ، لا في البحر فحسب.

على من يلاعب النمر الارقط الاعتياد على خدوشه

ريح الموت لا تحدد الساعة التي ستهب فيها .

الثراء الفاحش يولّد النزوات.

السفينة تبلغ الشاطئ والحقيقة تبلغ الناس

وأخيراً ما أود أن أختم به هيّ تلك العبارة : يوّحد الحزن أحيانا جميع الأقارب في جنازة واحدة بعد جفائهم الطويل.

إن مصير الأوبيخ هو مصير الجنس البشري ، هو مصير إنسان ، بل أناس كُثر كانوا على هذه الأرض ، وما أراه أننا نحن كبشر قد اقمنا جميعاً عزاءنا لهم في جنازةٍ واحدة شاركنا جميعاً حضورها ، وتلك الجنازة المُرّة التي خلدت مقبرة كاملة في احشاءها ، نتناوب عليها نحن الجنس البشريّ لنقيم طقوس العزاء ونعيش آثار من رحلوا من هذه الأرض ، وتلك المقبرة كانت آخر الراحلين ، أما العزاء فهو كل تلك الأنات الحارّة الملتهبة التي عشناها مع كل حرفٍ أليم ....

شكراً زاورقان زولاق على لسان صدقك ، شكراً شعب الأوبيخ على رحلكم الأخير نحو الأوبيخ فقد اهديتمونا أن الأمل لا ينتهي و أن المحب لوطنه لا يموت حبه ، شكراً من القلب شاراخ كڤادزبا شكراً  لكَ أيها الكاتب العظيم باغرات شنكوبا... 


ما أكثر العبارات التي أحببتها ولماذا؟ شاركنا رأيك (:


  • 3

   نشر في 08 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 29 يوليوز 2018 .

التعليقات

ريح الموت لا تحدد الساعة التي ستهب فيها
السفينة تبلغ الشاطئ والحقيقة تبلغ الناس
أكثر عبارتين احدثتا صدعا بنفسي ...ريح الموت لا تحدد الساعة التي ستهب فيها لكن نحن نحدد متى يمكننا ان نحتمي من هذه الريح وكلاماتك تبلغ التاريخ هذه المرة يا يسر يعجبني كونك شاملة في كتاباتك وانه كل مرة اكتشف شيء جديدا من خلال ما تنشرينه واصلي ايتها المبدعة الصغيرة❤
1
يسرى الصبيحي
الاحتماء من ريح الموت يكون بأن يعد المرء نفسه لذلك بأنه مستعد لأن يرحل في أي وقتٍ كان ، لكن المسألة صعبة إن كان الشخص ليس ناضج بعد ، ستهب عليه فجأة !
شكراً لكِ حقاً تسعدني كل كلمة تقولينها لي ، ههه لست صغيرة يا أميمة ):

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا