كوريغرافيا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كوريغرافيا

  نشر في 13 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 نونبر 2019 .

لا أحد منّا كان يهتمّ بمادّة التربية البدنية، إلى أن تمّ تعيين سي كمّون بالمعهد الذي غيّر الوضع كلّيا. وسي كمّـــون حاصل على الأستاذية في الرياضة من رومانيا أيّام تشاوسسكو... كان عملاقا له جسد تمثال إغريقي، طويل القامة غليظ العظم مفتول العضلات جميل المحيّى. لا يعاب في مظهره شيء سوى أنّه لا يجد بدلة رياضية على مقاسه فيبدو في ما يلبسه من أزياء غريبا وطريفا بتلك البنطلونات القصيرة والملتصقة بمؤخّرته والفاضحة لماعونه الأمامي... وهو ما يجعله مثيرا للضحك والهمهمات كلّما مرّ أمام التلاميذ... وعلى ضخامة جسمه كان له وجه طفولي، يجعلنا لا نأخذ كلامه وحزمه مأخذ الجدّ... لكنّ سي كمّــون ليس ملاكا كما يوحي بذلك مظهره...جاء ليدرّس التربية البدنية، وسرعان ما صار مشرفا على الشبيبة المدرسية ثمّ مدرّبا للفريق المحلّي لكرة القدم... وقد كنت شاهدا وأنا الكاتب العام لمكتب الشبيبة المدرسية على حركاته التي يرمي من وراءها إلى خدمة مصالحه.

لابدّ أن أوضّح أنّني لم أختر تلك الخطّة ولم أُسْتَشَــرْ عمّا إذا كنت أرغب فيها أم لا. كان تفوّقي الدراسي كافيا كي يتمّ تعييني من طرف مدير المعهد كاتبا عاما للشبيبة المدرسية. قال لي وهو يعلمني بقراره أنّ ذلك شرف كبير فضلا عن كونه سيفتح لي أبواب السفر إلى تونس لحضور المؤتمرات والمهرجانات التلمذية وربط علاقات واسعـــة. وأعترف أنّني استحسنت الأمر وفرحت له.

ما إن علم سي كمّــون بزيارة المجاهد الأكبر إلى قريتنا حتّى سارع إلى اقتراح فعالية شبابية يشرف على إعدادها وتنفيذها من الألف إلى الياء...

كنت حاضرا بمكتب المدير يوم عرض سي كمّون مقترحه باسطا تصاميم ورسوما ازدحمت فيها أسهم مختلفة الألوان في كل الاتجاهات. كانت فكرته أن يتوزّع التلاميذ في ساحة المعهد على نقاط محدّدة ويتحرّك كل منهم في مسار خاص به يكون مرسوما على الساحة. وتؤلّف الحركات الفردية في تقاطعها وتكاملها لوحات جماعية يكتب من خلالها التلاميذ بأجسادهم عبارات ترحيب بالزعيم ويرسمون لوحات تعبيرية وهم يلوّحون برايات متنوّعة الألوان والأشكال والأحجام. قال سي كمّون أن تنفيذ فكرته يتطلّب تدريبات يومية لمدّة لا تقلّ عن شهرين. وأضاف أنّ تدريبات التلاميذ ستكون فردية في البداية ثم تتحوّل إلى جماعية في مرحلة ثانية يديرها من مكان في الطابق الأوّل يشرف على الساحة. وختم بأنّ كلّ ذلك يستدعي تعليق دروس العشية... أجاب المدير وقد أخذه حماس أنساه التحفّظ أمام تلميذ مثلي: "نعلّق أمّها. ونعلّق الصباحية أيضا إذا لزم الأمر..."

لم نبت ليلتنا إلاّ وقد علّق المديـــر بلاغا في كامل أرجاء المعهد. ومن الغد انطلق سي كمّـــون في رسم الإشارات والأسهم على أرضية الساحة بالدهن. وافقت السلطة المحلّية على المقترح ورفعته إلى السلطة الجهوية لإدراج العرض في برنامج الزيارة وتمّت دعوة سي كمّـــون إلى مكتب الوالي.

كنّا في البداية نتدرّب يوميا من الساعة الثانية إلى الخامسة بعد الزوال. وكان الجوّ مرحا، يبث سي كمّون موسيقى سمفونية عبر الإذاعة المحلية للمعهد وهو يمسك مضخّم صوت يوجّه به حركاتنا من مكانه في الطابق الأوّل. كنّا ندرك أنّه وحده من يملك رؤية عامة لما ترسمه حركاتنا من أشكال وكلمات. أمّا نحن فنعيش حالة استلاب وتيه في أماكننا وسط فوضى الحركات، فكنّا نصطدم ببعضنا البعض أثناء ركضنا للالتحاق بالنقاط المحدّدة لنا حتى نرسم جملا وشعارات متغيّرة مع تغييرنا لأماكن وقوفنا. لكن سي كمّــون كان يدعو إلى جانبه بين الحين والآخر أربعة إلى خمسة تلاميذ حتى يمكّنهم من منظر عام يساعدهم على فهم ما يفعلونه ويحفّزهم على الاجتهاد والجدّية...

ورغم وعيي بخطورة تلك الفكرة التي عنّت لي، إلاّ أنّني لم أستطع مقاومة إغراءات تنفيذها حتّى أردّ على سخرية سي كمّـــون المتكرّرة... كان دوري في كتابة إحدى الكلمات نقطة على حرف ال"ز" من لفظة الحزب. وصادف أن تهت مرّة عن مكاني وظللت أبحث عنه وسي كمّـــون من مكانه في الطابق الأوّل يصرخ غاضبا "أين النقطة؟ مكانك أيها النقطة" ممّا أثار ضحكات التلاميذ الذين صاروا من يومها يسمّونني النقطة... كنت كلّما رأيته يشرح في زهو للمسؤولين المحليين هذا العرض المشهدي من مكانه في الطابق الأوّل أردّد في سرّي "أنا نقطة!؟ طيّب، ليكن.. ستعرفون قيمتي أيّها الأغبياء يوم نضع النقاط على الحروف..."

يقول لهم سي كمّون أنّ العرض سينطلق منذ أن تظهــر الطائرة العمودية المقلّة للزعيم في سماء القرية، وذلك بناء على إشارة بصفّارته يعطيها للتلاميذ، بحيث نكون أوّل من يسقبله وهو لا يزال في الجو، من خلال جملة ترحيبية يقرأها من الطائرة تقول له: "مرحبا بمحرّر الوطن ومؤسّس الحزب"، على أن يتواصل العرض ربع ساعة... وكان سي كمّون يراهنهم مازحا على أنّ طائرة الزّعيم ستظلّ معلّقة في السماء لمتابعة كامل العرض. وكنت قد عقدت العزم على أن أقف تحت حرف ال"ح" من عبارة الحزب بدل أن أكون نقطة حرف ال"ز"...

قبل موعد زيارة الزعيم بأسبوع وزّعت علينا البدل الرياضية والأزياء التي سنلبسها يوم العرض ووقّعنا على التزامات بإعادتها إلى الإدارة بعد نهاية الفعالية. وقال لنا المدير أنّه يفكّر في تنظيم عرض لنا في تونس العاصمة بقبّة المنزه... وكلّما اقتربت زيارة الزعيم، كانت الحوافز تزداد، حتّى صاروا في الأسبوع الأخير يوزّعون علينا سندويتشات.

ليلة الزيارة، تمّ إبلاغ سي كمّــون بضرورة اختصار العرض إلى خمس دقائق لأنّ صحة الزعيم لا تتحمّل برودة الطقس... أمّا نحن فتمّ تجميعنا منذ الصباح الباكر في الساحة حيث كانت أسناننا تصطك وأجسادنا ترتجف من شدّة البرد في انتظار أن تهلّ طائرة الزّعيم، فيكون عرضنا أوّل فقرات الزيارة، كتحية ترحيبية. ومن ثمّة يستقل الزعيم سيارته المكشوفة ويشق شارعا غاصا بالجماهير المحتشدة على جنبات الطريق ليتوجه إلى مقرّ المعتمدية... لم يشأ سي كمون ولا المدير إعلامنا باختصار العرض حتى لا تتأثر معنوياتنا. ولكنّني سرّبت الخبر. ولمّا علم المدير بذلك عزلني من خطتي ككاتب عام للشبيبة المدرسية في انتظار أن ينظر مجلس التأديب في أمري... وقد زاد هذا العزل من عزمي على تنفيذ خطّتي...

لماّ حلّقت الطّائرة فوق رؤوسنا، أثارت مراوحها غبارا أعمى الناس وطيّر الرايات التي كنّا نمسك بها في السماء، فتملّكنا الذّعر ولم نعد نعرف ما الذي علينا فعله ولا كيف سنرسم عبارات الترحيب. أمّا أنا، فقد كان قلبي يدقّ بقوّة يكاد ينطّ من بين أضلعي... طغى ضجيج محرّك الطّائرة على كلّ شيء فلم نسمع صفّارة سي كمّون ولا الموسيقى. ارتبكنا وصرنا ننظر إلى بعضنا بعضا في حيرة، وفينا من جازف بالانطلاق في تنفيذ حركاته دون أن يتبعه الآخرون...

نزل الزعيم من الطائرة ليركب السيارة المكشوفة مباشرة ويمرّ إلى حمّام الجمهور الصاخب الذي كان أكثر شيء يحبّه في زياراته الميدانية...بقينا واقفين كأشجار جرّدها الخريف من أروراقها والرايات مبعثرة من حولنا، نتابع موكب الزّعيم وهو يتجاوزنا مبتعدا ليغوص في زحمة الجماهير الضاجة والمهرولة وراءه، مخلّفا فراغا بطعم الأسى. أمّا سي كمّون فقد ظلّ متسمّرا مكانه في الطابق الأوّل كتمثال لقائد عسكري مهزوم يتأمّل ساحة تناثرت فيها الجثث...


  • 5

   نشر في 13 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 نونبر 2019 .

التعليقات

Ahmed Mahmoud منذ 2 أسبوع
فخابت خطة السي كمون و بعدها طبعا خطة النقطة في أن تنتقم لنفسها... قصة ممتعة...تابعتها بتفاصيلها... و ما زلت أتخيل الزعيم يقرأ "جرب" بدل "حزب" ....
أحسنت.
1
إيمان منذ 2 أسبوع
يضفي الحس الفكاهي لمقالاتك تشويق... ابتسم واضحك. واتابع بلا ملل.
مبدع..
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا