حوار في حديقة المنزل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حوار في حديقة المنزل

  نشر في 10 نونبر 2019 .

هل خطر ببالك يوما ما وأنت جالس ، لحظات من المستقبل تتمنى أن تعيشها ، أن تكون تفاصيلها مما يخبئه لك القدر، أن تكون  أيامها واقعك يوما ما.

أنا لدي الكثير منها واليوم سأشارككم إحدى تلك اللحظات .

اليوم يوم الجمعة عصرآ، أنا جالس مع أم فارس نشرب قهوتنا وبجانبنا ابتنا لينا ذات السنة الأولى. أهتف مناديا أبنائي بأن يأتوا إلينا. جاء فارس ذو العشرة أعوام أولا قادما من سطح المنزل وفي يده أطباق بلاستيكية وقال لي: 

أبي انظر لقد استطعت أن أصنع هذه الأطباق من الماكينة التي اشتريتها لي من موقع علي بابا، إني أتوق شوقا لأخذها إلى محلات الأواني ليعرضوا بضاعتي عندهم.

ولم يكد يكمل كلامه حتى دخلت ريم ذات التسعة أعوام والبسمة تعلوا محيا وجهها قائلة لنا:

 لقد رتبت أنا وصديقاتي معرضا للأزياء المحتشمة ووافق مالك قاعة الإحتفالات على أن يعطينا القاعة مجانا تقديرا لعملنا، أنا سعيدة جدا فالمعرض سيقام يوم الأحد القادم وكلي شوق لحضور الناس ومشاهدتم لما قمنا به.

عندها دخل عمر ونورة ورائحة شهية كانت تفوح منهما قائلين: 

ونحن لدينا في عطلة هذا الأسبوع طلبات كثيرة لزبائننا. لدينا طلب لتجهيز كعكة زفاف وطلب لتجهيز عشاء فاخر وعدة طلبات أخرى، وقد تجاوز عدد متابعي حسابات مطعمنا المنزلي في مواقع التواصل الإجتماعي أكثر من ألف متابع.

أخيرا دخلت هند الصغيرة والأتربة والطين تعلوا قدميها ووجهها قائلة : 

انظروا إلى مافي يدي، وإذا بها تحمل شتلات صغيرة فتكمل قائلة:

لقد تواصلت البارحة مع مشتل الحي وطلبت منه أن يرسل لي شتلات تين من عنده وهاقد جاءت. انا سعيدة جدا فقد اكتملت الآن حديقتي الخاصةـ لقد زرعت فيها بعض الفواكه كالعنب والليمون وقسم آخر جعلته لنباتات لاتوجد في مدينتنا.

عندها سأنظر إليهم وأرى ذلك البريق في تلك العيون والسعادة الغامرة بهذه الأنجازات الصغيرة.

سأتمنى أمنية من كل قلبي، لن أتمنى أن ينجحوا أو أن تستمر إنجازاتهم اللطيفة، بل الأمر على العكس تماما. سأدعوا الله أن تتحطم نفوسهم وأن تفشل كل أعمالهم التي قاموا بها وتذهب أدراج الرياح.

في صباح يوم السبت، أعدت لي أم فارس فطور في حديقة المنزل تحت ظلال الأشجار وتطرب آذاننا زقزقة العصافير حولنا. عندها أهمس إليها قائلا: أين الأولاد؟ فترد قائلة بالحدث المؤسف الذي وقع لكل واحد منهم البارحة بعد العصر. وحالما انتهت من إخباري بالقصة ، أعود إلى مكتبي لبعض الوقت ثم أرجع إليها قائلا:

 اجمعي لي الأولاد:

فيأتون إلينا مطئطئين رؤؤسهم وعلى وجه كل واحد منهم علامات الحزن، وبقايا الدموع قد جفت تحت أعين بعضهم.

فأنظر إليهم وأسألهم عما حدث لهم. فيبدأ فارس الحديث قائلا:

 لقد خربت ماكينة صنع الأطباق البلاستيكية ولم أعرف السبب وحاولت منذ البارحة إصلاحها لكني لم أستطع ذلك. فتكمل ريم الكلام وتقول:

 أما أنا فقد تواصل معي مسؤؤل من البلدية ورفض إعطائنا تصريج إقامة المعرض لأن الشروط لم تكتمل، والآن أنا حائرة ماذا أفعل. عندها يبدأ عمر ونورة في الحديث معا قائلين: 

أما نحن فقد تهكرت حساباتنا في مواقع التواصل الإجتماعي ولم نعد قادرين على الدخول لها والتواصل مع العملاء، وهذا يعني أن كل مافعلناء طيلة الفترة الماضية قد ذهب أدراج الرياح. أخيرا بقيت هند، التفت إليها وفي عينيها دمعة تقاوم السقوط فأقول لها :

 وانتي ياهند ماذا حدث لك لما تبكين؟. لقد ماتت أزهاري ياأبي. هذه كانت إجابتها.

فأسألهم: هل قلتم كل مالديكم؟ فيجيبون : نعم. فأسألهم من جديد: إذآ ماذا سوف تفعلون الآن؟. فيجيبون بصوت واحد: لاشيء.

عندها سأبتسم وأقول لهم: ياأبنائي أنا اليوم قد جمعتكم لأريكم حدثا مهما ،اليوم سوف ترون لينا تمشي على قدميها لأول مرة. فينظر بعضهم لبعض قائلين: منذ متى وهي تعرف المشي، لم نرها تحاول ذلك مطلقا.

عندها أطلب من أمهم أن ترفع لينا وتجعلها تقف على قدميها. وما إن حملت الأم لينا وأوقفتها وأبعدت يديها عنها، سقطت لينا على الأرض بسرعة وبدأت بالبكاء. عندها نظر الأولاد إلي مستغربين، فقلت لأمهم :

 لقد أعطينا لينا فرصة وجربت لكنها سقطت على الأرض، لذلك لن تتمكن من المشي أبدآ لذا إياك أن تجعليها تحاول الوقوف مجددآ على قدميها طوال حياتها فلن تتمكن من المشي مطلقا.

إلتفت بعدها إلى الأولاد وإذا بنظرات التعجب والإستغراب تملاْء ملامحهم. وبدؤا يجادلونني جميعهم: 

يبه أنت من جدك تقول كذا. كيف تخليها تجرب مرة وحدة وبعدين تمنعها من تكرار المحاولة. وآخر يقول: يبه أكيد بتطيح كل الأطفال بالعالم يطيحون بالبداية بس بعدين يتعلمون. ويستمر كل واحد منهم يطرح رأيه ويلومني على قراري، ماعدا فارس. فهو ينظر إلى الأرض وعيناه تتلألأ محاولة إيجاد مبرر لتصرفي. عندها يصرخ قائلا: عرفت مقصد أبوي، هو يبينا نجرب مرة ثانية وننسى فشلنا الأول.

ثم سأنظر إليه وأنا مبتسم، وأمسح بيدي على شعره الناعم.

وأقول عندها لهم: ياأبنائي إن الحياة ليست طريقا مفروشا بالورود، لا تتوقعوا النجاح من أول محاولة، سوف تقعون وتبكون وتتألمون، لكن يجب أن تواصلوا مهما حدث. لقد فشلت في حياتي كثيرآ ولاأزال أفشل حتى الآن والفشل والخطأ ليس منقصة بل هو أول طريق للنجاح, ولا نجاح بلا فشل. إن اليأس والإستسلام وعدم المحاولة مجددآ ماهو إلا سلاح فتاك لأمالكم وسم قاتل لأحلامكم.

والآن ياأبنائي ماذا قررتم أن تفعلوا الآن: فيجيبون جميعا وقد مسحوا آثار الدموع من عيونهم وأبدلوها بعيون تشع نورا وتفاؤلا بالحياة: لقد قررنا أن نحاول مجددا ومجددآ وأن لانستسلم مهما كانت الظروف. وعندها أراهم يحاولون مغادرة المكان أسألهم أين تذهبون فيجيبون: سنحاول إيجاد حل لمشكلتنا، ولن نيأس أبدآ.

فأبتسم وأقول لهم: اجلسوا، فلقد أجريت بعض الإتصالات قبل قليل في مكتبي وحصل التالي، أما أنتي يا هند فقد أخبرني صديقي وهو صاحب مشتل في أطراف المدينة أن ماقمت به يعتب خطئأ فأجوائنا لاتتحمل زراعة العنب والتين وتلك الأزهار الجميلة في حديقتك. وقد أخبرني بأنه سيرسل لي اليوم قائمة من النباتات والأزهار الموجودة عنده والتي يمكننا زراعتها في بيئتنا لتختاري منها ماتشائين. فتقف هند ضاحكة وتقول : الله، شكرآ ياأبي، سأذهب الآن لأزيل بقايا حديقتي السابقة وأهيئ مكانا للنباتات الجديدة.

ثم ألتفت إلى ريم وأقول لها: لقد تواصلت مع البلدية وأخبروني أنهم رفضوا إعطاءك التصريح لأنه يجب أن يكون هناك راعي رسمي للمعرض وإلا فإنه لن يسمح لنا بإقامته. فأخبرته بأن لدي شركة للتجارة وأني سأكون راعي لهذا المعرض. فأجابني : إن كان الأمر كذلك فإننا سنسمح لكم بإقامة المعرض. ولم أكد أكمل كلامي إلا وريم قد قفزت إلي تحضنني قائلة : شكرآ شكرآ يبه، الله يخليك لي،أبروح أعلم صديقاتي بالقروب.

ثم ألتفت إلى عمر ونورة وأقول: أم أنتما فقد أخطئتما لأنكم لم تجعلا الحساب موثقا إما بالإيميل أو برقم الجوال منعا لإختراقه من قبل ضعاف النفوس. لقد تواصلت مع صديقي وهو خبير في أنظمة الحاسب وقد أطلعته على اسم حسابكم وقد استطاع بفضل الله أن يسترجع الحساب وهاهو أمامكم. وأمد لهما الجوال ليريا حسابهما قد عاد أخيرآ. فينظران لبعض والضحكة تعلو محياهما قائلين: الحمد لله كنا نتوقع ان حسابنا راح ولازم نبدأ من جديد. فيقول عمر: نورة شوفي فيه أحد مرسل لنا طلب يبي كيكة بعد العصر، قومي قومي نجهزه ماباقي وقت. فيركضان سويا نحو المطبخ.

أخيرآ بقي فارس، ابني البكر. ألمحه ينظر إلي من طرف عينه وما إن التفت إليه وتقع عيني بعينه إلا وأراه ينظر إلى الأرض حياء مني. ثم أقول له: أما أنت يافارس، فقد تواصلت مع صديقي صاحب مصنع للبلاستيك وأرسلت له صورة للمشلكة وأخبرني بأني لديهم فني متخصصا لإصلاح عيوب تلك الماكينة ووافق على إرساله إلى منزلنا اليوم بعد العصر. فيقول فارس : شكرا يبه ، الله يطول بعمرك أبروح الحين أجهز المكينة عشان يشوفه الفني لاجاء. وما إن يهم فارس بالمغادرة ويركض نحو البيت أناديه قائلا: انتظر، فيلتفت إلي: سم يبه. فاأخبره أن صديقي التاجر قد طلب مني صور للأطباق التي صنعتها، وبعد أن رءاها قال لي :

 إنها جميلة جدآ تكاد تضاهي جودة أطباقنا البلاستيكية التي نعدها في مصنعنا، إننا نريد أن نشتري كل الأطباق التي سيصنعها ابنك وبالسعر الذي يعجبه إن كان يرغب بذلك.

إذا يافارس مارأيك بكلامه؟.

فيقف فارس فاتحا فمه وأذناه لاتكاد تصدق ما يسمع، فهو أخيرآ سيصبح تاجرآ أو تاجرآ صغيرآ كما كان يحلم منذ صغره. وعندما يستوعب صدمة الخبر، يركض نحو ويقفز إلى حضني ويقول : أحبك ياأبي.

وما إن يغادر الى البيت وأبقى مع أمهم في الحديقة، ألتفت فأرى لينا مستندة على جذع الشجرة تحاول الوقوف على قدميها من جديد...

هذه الموقف وإن بدت أحداثه من صنع عقلي إلا أن مجرد تخيله يشعرني بالسعادة دوما. ولو أن تلك اللحظات تشترى لدفعت فيها عشرات الآلاف في سبيل أن أعيشها ولو لدقائق فهذه صورة لطالما تمنيت رؤيتها.


  • 1

   نشر في 10 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا