اللغة و الهوية و الثقافة! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اللغة و الهوية و الثقافة!

  نشر في 07 ماي 2022 .

-يقول الأصمعي" ثلاثة تحكم عليهم بالدنائة حتى يعرفوا رجل شممت منه رائحة نبيذ في محفل ورجل سمعته على رأس الطريق ينازع في القدر ورجل سمعته يتكلم بالفارسية في مصر عربي" ولو اعتمدنا معيار الأصمعي هذا لحكمنا بالدناءة على الكثير اليوم في بلادنا العربية والاسلامية.

 -ولحكمنا  بما هوأكثر من الدنائه على كثيرين ممن يستحيون من التكلم بالعربية  مع أبنائهم في منازلهم و في كل محفل و ناد كل هذا في بلاد العربية و الاسلام , وسبب هذا واضح فما هذا  الا مشهد و تجل من تجليات طبقة و فئة انفصلت عن واقعها الاسلامي والعربي اللذي يمتد الأكثر من ألف سنة  وعاشت في واحات، طبقة هي المسيطرة والمتحكمة في هذه الشعوب المغلوبة على أمرها للأسف.

نابليون بونابرت أول من دعى للبعثات الطلابية.

 وان لم تكن لها ادنى علاقه بهذه الشعوب فخريج السوربون العربي "بالاسم فقط بالطبع" تشبع بالثقافة الفرنسية وأصبح يفكر بعقل فرنسي فكيف لهذا ان يفهم ويستوعب ويعي حال وثقافة الشعب والمصيبة ان هؤلاء هم اصحاب المناصب العليا في الاعلام والوزارات والقطاعات الحيوية في الدولة ناهيك عن تأثرهم بافكار فرنسا المعادية للدين  ككل وكم عانينا من أمثال هؤلاء منذ الرعيل الأول من المبتعثين الأوروبا أيام محمد علي فيعودون و هم أكثر حرصا  على فرنسا و قيم فرنسا من أبنائها أنفسهم  وهذا موضوع آخر اما موضوعنا فهو اللغة .

-اللغة و الهوية:

اللغة لغةً مشتقة إما من : لغا، يلغوا ،لغواً :من ساقط الكلام مما لا قيمة له.

أو من: لغي ،يلغا : لهج بالشيء وأكثر من عبث القول.

أما إصطلاحا فالأغلبية على أن اللغة تعرف بكونها نظام من الأصوات تستخدمه أمة معينة تحت قواعد معينة  من أجل أن تعبر عن الوجود و يمكن القول كذلك أنها نسق من الرموز والإشارات التي يستخدمها الإنسان.

-أما الهوية فتضاربت آراء الفلاسفة في تعريفها وتقييدها ومن أقصر التعريفات وأكثرها تركيزا القول أن "الهوية هي ما يكون به الشيء هو هو" وعرف كانط الهوية كأمر مطابق لنفسه باستمرار والهوية كانت احدى ركائز الفلسفة اليونانية قديما و إحدى مباحثها الكبرى.

-وظائف اللغة:

-البعض لا يعرف من وظائف اللغة الا وظيفة التواصل مع انها هي الأقل شان فيها في حين أن هناك وظائف أخرى أكثر أهميه كوظيفة التمثل والتصور بحيث تمكنك اللغة من أن تفرق وتميز بين قط وكلب مثلا دون وجود اي منهما امامك و  الوظيفة التعبيرية التي تعبر بها عما يجول في صدرك من أشياء كي يفهمها الأخرون و وظائف أخرى يطول عدها .

لكن السؤال الاكبر يبقى هل اللغة ناقل محايد للمعنى دون تدخل منها فتكون أشبه باناء يمكن وضع الحليب أو الماء أو العصير فيه دون تأثير منه على ما فيه, فإن كانت كذلك فلا داعي إذن لحديثنا هنا عن اللغة والهوية ولعلنا نتبنى لغات أخرى تكون أكثر نفعا وانتشاراً من لغتنا لكن الأمر ليس كذلك واللغة ليست محايدة ولا هي بالناقل الموضوعي الغير المؤثر في المضمون المعرفي الذي ينقله ,وبالطبع فدعاة الانفتاح غير المشروط لا يروقهم هذا ولا يتفقون معه وان كان مدعوما بأبحاث علمية رصينة من أرقى الجامعات ومن شخصيات ذائعة الصيت في مجال اللسانيات واللغويات 

نعوم تشومسكي : الفيلسوف و اللساني الأمريكي

وعلى رأسهم الفيلسوف واللساني الأمريكي نعوم تشومسكي وهو عمدة وحجة في هذا المجال.

-اذا اللغة تشتبك مع المضمون المعرفي وهي ذات إرتباط وثيق بثقافة المتحدثين بها لكن كيف يكون هذا التأثير اللغوي على الواقع و على الفكر , مما توصل اليه الباحثون في مجال اللغويات واللسانيات  في اطار العلاقة بين اللغة و الواقع و كون اللغة مرآة لفهم الواقع كون الفعل المساعد في اللغات الأوروبية مثل (être)  في الفرنسية و (to be) في الإنجليزية هو من تجليات  و تمظهرات انتشار الوثنية في الغرب و انفصاله عن الاله فنقول(Issam est malade) ,  و نقول (Issam is sick) عكس العربية التي يغيب فيها هذا الفعل المساعد دلالة على التوحيد و الارتباط الشرقي بالاله عموما ,فنقول( عصام مريض ) و موضوع علاقة اللغة بالهوية و الواقع هذا موضوع بالغ التعقيد تستعصي بعض مباحته عن المتخصصين أنفسهم ناهيك عن عوام يختطفون شذرات من هذه العلوم أمثالنا.

والشاهد عندنا هنا هو أن للغة بالفعل دور في تحديد الانسان مركزه من الكون و الوجود و فهمهما اذ بها يعبر و هي تقيد تفكيره بشكل ما حيث لا يخرج عن الإطار التعبيري و البنية المفاهيمية الخاصة بها و هذا هو القصد. 

لا ننفي إختلاف العلماء في هندسة اللغة للوجود الانساني لكن الغالبية على الرأي الذي طرحناه وهو أن اللغة محورية في فهم الانسان لوجوده  علاوة  عن كونها وسيلته و اذاته في تعبيره عن هذا الوجود _وهذا المعروف_  ومنهم من يذهب الى كون اللغة مفتاحا لفهم الانسان  وأن النحو فقط يمكن ان يؤثر في تفكير هذا الانسان و نظرته للوجود ناهيك عن المنظومة اللغوية كلها و ممن ذهبوا هذا المذهب في الاطار التخصصي الأكاديمي (Lera Boroditsky) وهي أستاذة في مجال اللغة والإدراك. هي حاليا واحدة من المساهمين الرئيسيين في نظرية النسبية اللغوية.و لها أراء جريئة في هذا الباب.

-ويذكر هنا النقد التيمي للمنطق الأرسطي فإبن تيمية عندما نقد المنطق و المناطقة و المتأثرين بهم من الفلاسفة أشار إشارة لا تصدر الا عن لبيب فطن دو ذهن متوقد و هو المعهود عن أبي العباس , ذكر ابن تيمية كون النحو في اللغة اليونانية هو سبب مناسبة المنطق لليونانيين و عدم صلاحيته لنا كمسلمين و كعرب تختلف لغتنا نحوا و صرفا و تركيبا عن اللغة اليونانية لدى  ظهر فيهم وصلح لهم و لم يصلح لنا .

و نقد المنطق الأرسطي عدد من الفلاسفة و المفكرين منهم ديكارت و بيكون لكن النقد التيمي كان هو الأقوى و الأبدع و كان مرجعا لمن جاء بعده.

-اللغة و الثقافة:

أما موضوع اللغةو الثقافة فهو موضوع أكبر و ان كان أقل تعقيدا من سابقه و هما يجتمعان في كونهما مظهرين من مظاهر تأثير اللغة في الواقع.

أجمع العقلاء من كل الأمم أن اللغة ركن بالغ الأهمية و الخطورة من أركان الثقافة و جزء من أجزائها المركزية فلا يمكن تصور الثقافة الاسلامية دون اللغة العربية مثلا فاللغة هي لسان كما كان يصفها المتقدمون زمانا و حالا,لسان تعبر به هذه الأمة عن نفسها و عن خصوصيتها الثقافية هاته و عن تميزها و تفردها بين الأمم فلا فلسفة دون لغة و لا شعر و لا نثر دون لغة و لا يمكن للانسان أن يصرخ بما يعتريه دون لغة باختصار لا إنسان دون لغة .

اللغة العربية و رهانات المستقبل:

-العربية تتجاوز كونها لغة تخص شعب معين هم العرب إلى ما هو أكبر من ذلك و أرحب بكثير ,تتجاوزه لتكون لغة آخر رسالات السماء الى أهل الأرض و لغة حامل الرسالة و لغة قومه اللذين هم معدن الرسالة الأول و قوامها ,فالعربية اذن تتجاوز الأهمية الثقافية المجردة الى الأهمية الدينية الأكبر و الأخطر.

لا يمكن فهم الاسلام و شريعته و روحه إلا من خلال اللغة العربية وأي خلل في اللغة سيؤدي الى انحرافات فجة في فهم الاسلام و شريعته و ما أكثر هذه الانحرافات التي كان سببها اللغة و ما أغزرها لدى من يسمون بالمستشرقين فالكثير من انحرافاتهم و شطحاتهم لم يكن باعثها الا فساد لغتهم و ضعفها  و بالتالي فساد فهمهم و احاطتهم بدأً بمصادر التشريع القرآن و السنة إلى مختلف كتب التراث .

كيف يعقل لمستشرق درس اللغة العربية لثلات سنوات فقط أن يفهم النص فعلا و يتذوق النص العربي  و يحيط بمعانيه و قد عجز أمام هذه المطالب كثير من أبناء اللغة و أولي السليقة... أشك في امكانية هذا.

وكانت هذه احدى النقط التي أشار لها العلامة محمود شاكر في  كتابه الرائع " رسالة في الطريق الى ثقافتنا" حيث عالج الظاهرة الاستشراقية من جانب ثقافي مبينا عدم استطاعة أي مستشرق ذو ثقافة مختلفة عن ثقافتنا و لغة مختلفة عن لغتنا مهما ذاع سيطه و مهما لج ذكره في كتابات أحفاده من العلمانيين فهمها فها صحيحا و استيعاب ظواهرها استيعابا سليما فالثقافة كما يقول شاكر  نتلقاها كما يتلقى الطفل لبان أمه . 

محمود شاكر

ويقول شاكر كذلك أن "الثقافة و اللغة متداخلتان تداخلا لا انفكاك له و يترادفان و يتلاحقان  بأسلوب خفي غامض في المداخل و المخارج و المسارب و يمتزجان امتزاجا" و اعتبر شاكر آراء المستشرقين و كتاباتهم غير جديرة بالاعتبار حتى ناهيك عن اعتبارها اجتهادات حقيقية داخل المنضومة الاسلامية .

ادوارد سعيد

من أكبر أغلاط المستشرقين قرائتهم للمجتمعات الاسلامية و للظاهرة الاسلامية عموما بعيون غربية و لم يكن ليمكن لهم أن يروها بعيون اسلامية كما هي ولو أرادوا ذلك و هم لا يريدون ذلك بالطبع فمآرب المستشرقين فضحت و كشفت فأغراضهم إما تبشيرية أو استعمارية بعيدة كل البعد عن البحث الحقيقي عن المعرفة ة الحقيقة , ونقد شاكر هذا للاستشراق يختلف عن نقد ادوارد سعيد اللذي لم يكن جذريا في نقده للفكر الاستشراقي ربما لطغيان ايديولوجيته الليبرالية عليه عكس نقد شاكر اللذي لم يعتبر الانتاج الاستشراقي أصلا.


-مأزق العربية:

بعد أن كانت اللغة العربية في العصور الذهبية للاسلام لغة العلم و العلماء و لغة يتسابق الى تعلمها الأعاجم من غير أهلها لمعرفتهم أنها باب الاسلام و مادته و لغة العلم و أهله , ولعلمهم أن تحصيل جديد العلم و المعرفة لا يكون و لا يحصل الا بتعلمها و معرفتها  , في حين أننا نرى اليوم في عصر الانحطاط و الجمود عكس كل هذا فمع أن هناك اقبالا على تعلم العربية من المسلمين غير الناطقين بها  الأغراض دينية إلا أن اللغة العربية فقدت كثيرا من مكانتها  بسبب التخلف الحضاري كما كانت قد اكتسبتها بفضل التقدم الحضاري .

 كذلك نرى اليوم تراجع للغة العربية في الدول المسماة عربية أنفسها بتفاوت بينها بالطبع في هذا التراجع , فمستوى سطوة لغة المستعمر في المغرب ليست كسطوتها في مصر مثلا فهناك تباين حقيقي.

وهذا ليس مقام تعديد محاسن العربية من غنى المعجم الى دقة الوصف و التصوير و تكريم الرسالة إلا أننا نقول أنه مهما بلغت درجة شدة الحرب على العربية التي هي في الأصل حرب و عدوان على الاسلام نفسه فإن الله عز وجل سيحفظ هذه اللغة الأنه حفظ كتابه فاللغة محمية و مصانة اذا و الخطر علينا لا على اللغة أن نصبح مسوخ ثقافية لا يمكنها أن تعرف و تحدد نفسها إلا بعيون الآخر القاصرة.




  • 1

   نشر في 07 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا