التاريخ لا يعرف الأمنيات - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التاريخ لا يعرف الأمنيات

اكسبو من 1992 إلى 2021

  نشر في 12 أكتوبر 2021 .

التاريخ لا يعرف الأمنيات

اكسبو من 1992 إلى 2021

تم افتتاح معرض دبي اكسبو 2021 , وهنا لا أستطيع إلا أن أتذكر مقال كتبته في صحيفة (الندوة سابقا ومكة اليوم ) , وذلك قبل ما يقارب 29 سنة , وكان بعنوان :

(من باريس 1900 إلى اشبيليا اكسبو 92)

كان باختصار عن قراءتي الخاصة للعالم منذ عام 1900 وحتى العام 1992 وهي السنة التي كتبت فيها المقال , والجدير بالذكر أن تلك المتابعة للعالم من وجهة نظري البسيطة كانت بعيدة عن ما نعايشه اليوم من تطور إعلامي مذهل , فلم تكن وقتها الشبكة العنكبوتية قد ظهرت ولا أطباق التلفزة الفضائية , بل مجرد صحف ورقية وما يلقيه علينا التلفزيون المحلي بقناته الوحيدة , ومع ذلك لا بد من إلقاء الضوء على بعض تلك المعلومات التي وردت في ذلك المقال لعلاقتها بمقالي اليوم .

بالمناسبة يجدر الذكر أنني كتبت مقالة في 2016 , عن نفس الموضوع , ولكن لم أتوقع أن يتأخر افتتاح المعرض 5سنوات بعدها , ولأن هذه الخمس سنوات انطوت على تغييرات مهمة قد لا تختلف عن التغييرات التي حدثت بين 1900 و 2016 , لذا وجب مراجعة الأوضاع بين 2016 و2021 .

في البدء سأمر مرورا سريعا على بعض أهم النقاط التي وردت في المقال عام 2016 , في ذلك العام نُشر أن عدد الزوار المتوقع هو (25) مليون زائر , وهو أول معرض يُقام في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق اسيا , وفيه قارنت بين المحاور التي تناولها معرض باريس 1900 مثل تفجر الغرور البشري بما حققه العلم من تطور صناعي وهيمنة غربية على العالم , كظهور الكهرباء والنفط وآلات الاحتراق الداخلي وغيرها من الاختراعات التي غيرت وجه التاريخ , وغرقت البشرية وقتها في أحلامها الوردية خالية من الفواجع والفتن والحروب والأوبئة والكوارث وغير ذلك , وقتها كان أكثر من (50) مليون زائر غربي ترسخت في أذهانهم نمط الرجل الغربي المتطور الحديث قائد العالم الحر , فالأضواء تبهر الأنظار في كل ركن , والإنتاج الحديث يتراكم , ولكن الملفت للنظر أن هذا المعرض كان خاليا من عروض القوة خاصة العسكرية , أي ان روح التفاؤل برغد العيش والحياة الهادئة في ظل عشرات الآلات التي انتجها عباقرة الغرب ومعاملهم من أجل تفوق العرق الأبيض وقيادته للعالم .

في الواقع لم يكن أي واحد من أل50 مليون زائر يدرك المخاض التاريخي القادم لحربين كونيتين ستأكل الأخضر واليابس , وتحطم الحجر وتقتل البشر وتحرق الشجر وتحول المدن المزدهرة لغابات من الأشباح التي يعجز العقل عن تصورها حتى في أفلام الخيال العلمي آنذاك , بعد نهاية ذلك الأمل الخادع في اكسبو باريس ذاق العالم الغربي خاصة مرارة الخيبة وتبخرت أحلامه بحياة هانئة سعيدة , فبعد 14 عاما فقط وقعت الحرب الأولى , واستمرت 4 سنوات فقط كانت نتيجتها 16 مليون قتيل بين عسكري ومدني , فقط 14 عاما لم تكفِ الكثير من زائري معرض باريس من نسيان أحلام الرخاء والتفوق الذي عاشوه بين جنبات ذلك المعرض , وبعد مرور 21 سنة قامت الحرب الثانية وكان ضحيتها 2.5% من سكان العالم (60000000) قتيل , وفيها انتهت اسطورة الرايخ الثالث , إنشاء الأمم المتحدة , ظهور الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوى عظمى تسيطر على العالم , ومازال الكثير من زوار معرض باريس احياء يتذكرون أحلامهم عبر أروقة ذلك المعرض الحالم .

نعم التاريخ لا يعرف الأمنيات , ولكنه نتائج تخضع لمسببات سواء كانت ظاهرة أم مستترة .

وبعد مرور(92) عاما على معرض باريس , أقيم معرض (أشبيليا 92) , وقد سجلت وقتها ما خطر ببالي من أفكار حول الموضوع عبر المقال (من باريس 1900 إلى اشبيليا اكسبو 92) الذي أشرت إليه

ومن تلك الملاحظات :

- فمن حيث المكان (مدينة أوربية) .

- الهدف : عرض أقصى ما توصل إليه الإنسان من تطور تقني وحضاري .

- تألق كلا المعرضين بالأنوار المبهرة والمعروضات المختلفة وصورا الرخاء المرتقب بينما تقبع أمم وشعوب ودول تحت رحمة الجوع والفوضى والخوف والانهيار الاقتصادي .

- سيطرة النظام الرأسمالي على العالم .

وهناك نقاط اختلاف أشرت إليها لا بد من ذكرها لمحاولة فهم الاختلافات بين المعارض وأزمنتها والأوضاع العالمية في كل فترة مثل :

- سبق معرض (باريس 1900) فترة زمنية هادئة من التطور التقني والاختراعات المدهشة والاكتشافات العملاقة , في الزراعة والصناعة والتجارة وقفزة كبيرة في بعض الاكتشافات العلمية النظرية في كافة المجالات .

- ومعرض (اشبيليا 1992) فجاء بعد سلسلة من الحروب والمجاعات والأوبئة وسقوط أنظمة ودول وظهور أخرى ,

- كان معرض باريس مخصصا للدول الأوربية الصناعية , بينما معرض أشبيليا فقد اشتركت فيه (110) دولة .

- كان معرض أشبيليا أشمل وأعم من معرض باريس .

- بعد معرض باريس بخمس سنوات قامت الثورة الروسية , ومنها بدأت الحرب الباردة , وأما معرض أشبيليا فقد شهد نهاية الحرب الباردة وانتصار الرأسمالية الغربية .

وهنا نسأل كيف نرى العالم من أشبيليا 92 وحتى دبي2021 ؟

لا نقلل من حجم المتغيرات بين 2016 وبين اليوم 12اكتوبر 2021 , وهل العالم خاصة (عالمنا) نحن تغير بينهما ؟

هناك كلام يطول حول العولمة وما تخططه وتخبئه لنا في مستقبل أيامنا , ورغم أني أعتقد أنهم قطعوا اشواطا كبيرة في الوصول لتحقيق أهدافهم بما يخفى على ملايين المغفلين في عالمنا , فهل يمكن أن نشير لبعض المتغيرات المزلزلة والتي اجتاحت مجتمعاتنا كإعصار خفي أحيانا وظاهر أحيانا أخرى , وبوجيه مقنعة ربما ؟

وقبل أن نبحث في ما يقدمه معرض دبي لنا كشرقيين أذهلتني كثيرا بعض المتغيرات من 2016 وحتى2021 , وهنا أتساءل هل هي نتائج مباشرة ولكنها متسارعة لما يُعرف (بالعولمة) ؟

الدول الصناعية ومنذ 1975 في (رامبوبيه) قرب باريس عقدت أول اجتماع لها لوضع نظام سيطرة على العالم , وبالرغم جهلنا بتلك الخطط الموضوعة وقتها للسيطرة على العالم اقتصاديا وثقافيا وعسكريا وحتى مجتمعيا , فاليوم لا يوجد أدنى شك وعند أصغر مراقب أننا وبعد المضي الهوينا في الوصول للعولمة منذ اشبيليا وحتى دبي , أننا بتنا ندرك ولو خجلا أن بؤرة الانبهار ستكون في دبي ليست اقتصادية ولا عسكرية ولا ثقافية ولكنها ستكون تقنية , ستكون الغلبة للرقائق الإلكترونية , والعالم الرقمي الافتراضي , والانبهار بالعروض الرقمية والتشابك المجتمعي , وسقوط الحواجز والحدود بين الثقافات والأجيال والجنس , وحتى الأديان , ما شهدناه بعد 2016 من ظهور التوافه كنجوم للمجتمع وتغييب الصور الإيجابية والقدوات التي يمكن أن تجذب الشباب للفضائل , وإطلاق العنان لخرق الحواجز المتوارثة حتى قريبا للدين والمجتمع والأعراف , بل وتجاوزها بما لا يمكن تصوره حتى في الأمس القريب , وصار التعدي من السواقط والتافهين وعديمي الثقافة على الأخلاق والقيم المتوارثة وحتى على الدين أمر شائع وربما مأمون العواقب , وأصبح الشواذ والمراهقين من الجنسين يتسابقون في عرض التوافه من القول والعمل أمام الملايين عبر تلك النوافذ الاجتماعية بكل حرية وصفاقة وأمان .

وأصبحت صور الإنكار التي كنا نتعودها من قبل ونتحمس لها أصبحت من الممنوعات والتي قد تودي بصاحبها للمهالك .

هذا ما تسعى إليه العولمة لصهر العالم المستقبلي عبر استيعاب الشباب القادم للمستقبل عبر دوامته فقط , فهناك بروتوكلات جديدة للدين والأخلاق وحتى للوطنية , كلها ستذوب تحت أضواء الحماس الشبابي القادم كالطوفان باستقبال التوافه كعبقريات لا توصف , وتكون هذه التوافه في الملبس والقول والحركات والتجرد من الحياء والتطاول على الدين والأخلاق والأسرة والأب والأخوة والأم كلها مخل واسع للثراء والشهرة والجماهيرية وسحب الأضواء نحو الذات مهما كان الثمن المتنازل عنه , فيكفي أن تنطق الفتاة بكلمة سخيفة أو بذيئة لتصفق لها الجماهير الإلكترونية ومواقع التواصل وتسبغ عليها الإعجابات والتهاني والتعليقات المختلفة لتقع في وهم التفوق والذكاء والحظ الكبير وحث البقية المتابعة للتنافس في تلك الممارسات السخيفة حتى تكون هي الأمثل للحصول على المستقبل والشهرة والمال .

بينما نلاحظ تغييب الكثير من النماذج المشرقة والتي يمكن لها أن تبني مستقبلا حقيقيا واعدا لمجتمعاتهم لما يساهمون به من انتاج ونشاط فكري وثقافي وتقني وأخلاقي من خلال تقديم القدوة الحسنة عن الساحات الإعلامية .

ربما تكمن أهمية مثل هذه المعارض العالمية كل فترة زمنية معينة في أنها تقدم خلاصة ونتيجة ما اكتسبته المجتمعات خلال الفترة السابقة وتضع تخيلا لما ستكون عليه في الفترة اللاحقة , كما أنها تعتبر مقياس تنبؤ لما سيكون عليه المجتمع مستقبلا , ومنه يضع (قادة العالم المظلم) , توجهات خفية مغلفة بالأضواء والوعود بالثراء والشهرة لمن ينضمون لجيوشهم الخفية .

إن خلخلة المجتمع , بسقوط الثوابت وإظهار التوافه من الشباب , وتضخيم البذاءات والإيحاءات الخادشة للحياء في الملبس والقول والتصرف , وتسليط الضوء على سفاسف الأمور والمنحطين أخلاقيا ودينيا من الرجال والنساء والمراهقين , ومحاولة خلخلة بناء الأسرة والتعليم , كلها معاول للعولمة , فخصوصيات المجتمع والبيئة والعادات المتوارثة وروابط الأسرة التي كانت تشكل حاجز الصد الأول ضد التفلت الأخلاقي يجب أن ينهار , ويبقى الدين هو حائط السد الأخير الذي يجب أن يسقط ليكون المجتمع العالمي يدين بدين واحد وقائد واحد وثقافة واحدة ومثل أعلى واحد ورب أسرة واحد وقائد أخلاقي واحد يضع كافة القوانين الدينية والأخلاقية والأسرية للجميع وهو قائد (العالم المظلم للعولمة) .

في 2016 كتبت عن معرض دبي أنه يقوم على شعار:

( تواصل العقول ... وصنع المستقبل)

ومن الواضح أن الهدف منه سيكون تعاون العقول البشرية في صنع المستقبل البشري ولن يكون ذلك إلا عن طريق الريادة للعلم والتقنية , وربما لن يكون للأخلاق والدين والموروثات الثقافية أي مكان , وربما من الطبيعي أن العولمة لن تفسح مجالا لأي فعاليات دينية أو أخلاقية أو موروثات مجتمعية في خططها , فتلك العبارات العدو الأول للعولمة وقادتها , ولا شك أن صناع المستقبل لهم أدواتهم وخططهم في صنعه ومحاولة جر الجميع في طريقه , وكما أن المستقبل للشباب , فيجب تهيئتهم بتلك الأدوات التي تجندهم للعالم الجديد , وهو عالم ليس به مكان لفلسفات الأخلاق والدين والأسرة , بل العبودية المطلقة للعالم الجديد .

لا شك في أن دولة الإمارات العربية ستنجح نجاحا باهرا في إخراج هذا المعرض في أبهى صورة , تنظيما وإخراجا وتقدم واجهة مشرفة للعرب والخليج في قدرتها على إبهار العالم بذلك المعرض , ومما يميز معرض دبي أنه جاء في وقت أصبح العالم فيه فعلا قرية صغيرة , والمتتبع لبرامج معرض دبي يدرك أنه يواكب العصر الحديث بك معطياته وتداخلاته العميقة , وربما صنع عالما خياليا لا يشبه واقعنا العربي المعاصر , فالعالم العربي ينوء بالكثير من المشاكل الاقتصادية والعسكرية والسياسية من مشرقه وحتى مغربه , ولكن التنوع العالمي في المعرض يطغى على تلك الصورة العربية القاتمة , فكونه معرضا عالميا يقدم كل ما يمكن أن نتخيله من فرص وتجارب وخطط مستقبلية ثرية في مضمونها ومحتواها العصري , لن تجد إشارة لواقعنا العربي المرير , فلن نجد في المعرض معروضات للدمار في سوريا والعراق واليمن , وركن يتحدث عن مشاكل مصر وأثيوبيا أو مشاكل ليبيا أو السودان أو محاولات إيران لتدمير أي بقعة عربية , أو مشاكل دول المغرب , ناهيك عن بقية دول العالم شرقا وغربا , إنه معرض اسطوري خيالي يذكرنا بمعرض باريس 1900 عندما كان الأوربيين يتجولون فخرا وأملا في المستقبل , ولم يتخيلوا أنهم وبعد سنوات قليلة ستتحول أحلامهم لدمار هائل لم يكن بالحسبان , ولكن التصدع العربي قائم رغم أضواء معرض دبي , ورغم فعالياته المثالية والمثقلة بالأمل والزهو , إلا أن دبي ذاتها بكل هذه المفخرة العالمية التي تقدمها للبشرية محاطة بتلك الصور الكارثية لواقع عربي مرير كما ذكرنا ذلك .

إن مشاركة ما يقارب 192 دولة وامتداد فترة تواجد المعرض لستة أشهر يعتبر بصمة تاريخية لتاريخ معارض اكسبوا , وتوع الأجنحة والجهات والفعاليات كذلك يعد قفزة نوعية في تاريخها , وهذا طبيعي لطبيعة المكان والزمان , فدولة الإمارات أصبحت فاعلة في إقامة المعارض العالمية وغيرها من الفعاليات , كما أن طبيعة الفترة الزمنية تختلف كثيرا عن الماضي القريب من حيث تمكن وسيطرة العالم التقني ومواقع التواصل والتجارة الإلكترونية قد تنامى خلال السنوات القليلة الماضية , وربما خضوع الجيل الجديد من الشباب أو صانعي المستقبل لسلطة تلك المواقع والارتماء في احضانها واتخاذها مصدرا للإلهام والبحث عن الفرص المستقبلية , والأخطر من ذلك سهولة قيادتهم من المتحكمين في تلك المواقع وسلب كل ما توارثوه من تعليم وأسرة ودين وبيئة , وبدء العبث الهادئ في تلك المقومات وخلخلتها وتهيئتهم للعالم الجديد وفق خططهم العالمية , ربما .


  • 1

   نشر في 12 أكتوبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا