الرقي الممزق... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرقي الممزق...

  نشر في 22 مارس 2021 .

فقط اخرج للشارع و ترجل بين شوارع المدينة، و ستلمس المزيج بين البناء القديم الهش والجديد الشاهق، بين قصص ذكريات الصبا وانين من يتلذذ أو يتحسرعلى ما جلبه مدعو الانتساب للحضارة، بين الاصالة وصور المعاصرة أو بالأحرى الموضة التي تلاعبت بعاداتنا وتقاليدنا و حتى أخلاقنا، فتكاد لا تفرق بين الذي جلده الفقر و بين ابن الأكرمين. فالغالبية تتباهى باللباس الممزق القصير الضيق الذي يعطي الانطباع أن حامله و لشدة فقره لا يزال يلبس ملابس صغره و صباه، ومن الممزق لقميصه الى ذاك المغتر والمصدق بجمال سرواله القصير الرث و للمفارقة غالي الثمن.

اما اذا وليت وجهك صوب الرؤوس فستصدمك تسريحات الشعر الغريبة التي تمزج بين القزع والفنون التشكيلية، وصولا لخرائط العالم عبر خطوط الطول والعرض، لتستخلص في النهاية مشهدا مبكيا مضحكا محزنا مقرفا في آن معا. فإذا ركزنا على ما يصطلح عليه السروال وأنت تجوب الشارع ستتضارب بجوفك القيم و العادات  والشعائر مع إملاءات الموضة، فالسروال القصير يعطيك الانطباع ان السنة المطهرة متبعة في صورة التقيد بفتوى الاسبال، ولما تجد السروال القصير نفسه ممزقا لدرجة كشفه للعورة في مشهد مخالف لتعاليم الشرع الحكيم، تجد نفسك ملزما بإعادة صياغة التصور، ما يجعل الامر بعيد بعد المشرقين عن السنة المطهرة، فعن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ))؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى[1]؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((فَمَن؟!))؛ رواه الشيخان. فالمشهد كله و ببساطة يتلخص في اتباع سبيل من غلبنا وصاحب الضب واستضافنا معه في جحره رغما عنه وعن انف ضيوفه. فمن غرائب اليوم أن تجوب في الشارع مصعوقا من مشاهد الالتباس التي تعصف بفكرك وقلبك وعينيك، متسائلا أذكر هو ام أنثى ؟ أرجل أم امرأة ؟ أمعقول أن يتزاحم الرجال والنساء والفتيات على الأنوثة ؟ أمعقول أن يرضخ جيل متعلم غارق في التكنولوجيا للميوعة التي تصنع رجالا عاطفين أكثر من اللازم، بملمس ناعم زينته المساحيق و المراهم، والملابس الضيقة الحقيرة ذات البعد  والإيحاءات الاباحية و الجنسية ؟؟؟.

ان العارف بواقع المجتمع العربي يتلمس يوميا الفراغ الروحي الذي تم زرعه في نفوس الشباب، لدرجة التيهان بين الحقيقة و الوهم، فمن اللحية رمز التدين والاقتداء بخير البشر عليه افضل الصلاة والسلام، إلى اللحية الموضبة المدببة المتلاعب بها المثيرة للاشمئزاز، والمرافقة للباس ممزق يعتقد بعض المولعين بالغرب انها من صور الأناقة، في تجسيد صارخ سافر للانفصال الشبكي الكلي بين المقومات الاصيلة ونتاج ما استورده أراذلة القوم، و صفق له اعلام جاهل خسيس، صنع من أهل التفاهة مشاهير وجب الاقتداء بهم.

يقول المفكر برنارد شو - ان اللباس المكلف يدل على ضعف عقلي - مقولة أصبحت مجسدة في واقعنا اليوم لدرجة تتطلب التدخل الفاعل من اهل القرار لوضع حد للانحلال الخلقي، والتفتح الوحشي على الفكر الغربي الذي زرع في ضعاف النفوس ان التعري وارتداء الملابس المقززة، وتسريحات الشعر الحقيرة، جدير بأن يكون مظهرا للتحضر والرقي في غياب أدنى تفعيل للقيم الحقيقية الممتدة من تاريخ الأمة ومقوماتها، في صورة المثل العربي القائل - كل على ذوقك والبس على ذوق الناس- وعلى رأي المثل الفارسي ترقيع ثوب عتيق خير من استعارة آخر.

ان المتتبع لتعاليم رواد تصميم الملابس العصرية، لا يعي ولا يدرك تماما أنهم يحشون ما ينتجونه بالرموز الدينية و الرسائل الخفية، الرامزة للرؤى المستقبلية المستوحاة من النبوءات، و يقابله متلق متعلق لدرجة الهوس بإبداعات هؤلاء، فتجد الملتح قصير السروال الممزق الحامل للإكسسوارات الأنثوية بتسريحة الجنس الثالث، يخاطب الناس بأحرف وحركات الميوعة التي تخضع الأنفس المريضة بوباء التحرر و الحرية الشخصية، و تصدع للعلن أن الحضارة ما هي إلا الغرب بكل قذارته، دون التيقن أن القشور التي يتغنى بها أبناء الأمة، لا تغني عن الجوهر الذي منع الغرب ابناءه من تصديره لنا. فلقد أصبح اليوم من الواجب التجند للأخذ بيد أبناءنا نحو مصادر أصول الحضارة، و النهل من بنات أفكار الرواة و النحاة وأهل الفضل جميعا ، متوكلين على ملك السماوات و بإتباع تعاليم الدين الحنيف، متسلحين بالوحدة و نبذ الفرقة لصناعة الجيل الذي يقدرالمظهر و يراعي الجوهر، و يستورد مواد البناء لا أدوات الخراب، حتى يحقق الوثبة التي توصله مباشرة لمنبع الحق و الحقيقة .....و يرمي السروال الممزق  ويتخلص من مساحيق الوجه، و ينافس على التقدم و الرقي لا إسقاط السراويل  والتفنن في العلاقات المحرمة.

محمد بن سنوسي

22-03-2021


  • 3

  • بن سنوسي محمد
    مدون حر اطرح افكاري و اسعى للمشاركة في اصلاح المجتمع
   نشر في 22 مارس 2021 .

التعليقات

مريم منذ 5 شهر
مقال جدا رائع.... جعله الله في ميزان حسناتك
1
بن سنوسي محمد
بارك الله فيك و شكرا على المرور الطيب

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا