ضميري الرمادي الغائب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ضميري الرمادي الغائب

  نشر في 03 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2019 .

بضمير غائب أمشي في طرقات مدينتي، نور المصابيح في الشارع لم يستطع تبديد ظلام الليل و لا برودته المعتادة.

بعيداً عن ضمير المتكلم و المخاطب، هذه الليلة أدركت حقا لما نقول "الضمير الغائب"..لأنه يغيب وقت ارتكاب الحماقة و يتركك وحيدا تحت رحمة الشر بداخلك، و بعدها يأتي منتصب القامة ماسكا مطرقة التأنيب و يهوي بها على رأسك حتى تنزف ندماً و حسرة حيث لا ينفع وقتها النّدمُ.

ليلتها صرت أمشي بلا هدى و عيناي تحدقان في الفراغ، كلما توقفت لألتقط أنفاسي تتأجج النار في صدري و أشعر بالاختناق فأواصل المشي..جاءتني رغبة عارمة في البكاء و لكن خذلتني الدموع..و حلقي يبس بحرارة ما يتأجج بداخلي.

تمنيت لحظتها الموت، الصوت بداخلي يقول يا ملك الموت تعال و خذني في تلك الجولة التي طالما سمعت عنها..جولة اللارجوع و الهناء من هذا الشقاء،لكن هيهات.

لنرجع 6 سنوات للوراء..و أنا خارج من أحد الفصول الدراسية اصطدمت بأحدهم، و أنا أهم للاعتذار رأيتها، فخفق القلب خفقة السرور، فظننت أنه النشور..أما هي فقامت و أكملت مشوارها مسرعة.

في مدة قصيرة أصبحت تتصدر الصفحات الأولى من جريدة قلبي، و أصبحت مشهورة عند خلايا قلبي، حتى أصبحت هي قلبي و انتشرت في باقي جسدي كالسرطان.

مرت سنة تعارفنا و أصبحنا أصدقاء مقربين..كثير من الحب و الاحترام و التفاهم..و لن أنسى يوم تعرضت لحادث، حيث تطوعت لتعطيني من دمها.

جاء يوم الخبر الصادم..أخبرتني أنها ستغادر هي و عائلتها المدينة، في البداية لم أتقبل الأمر، لكن بعدها استسلمت للأمر الواقع.

بقينا على نفس الحال نتراسل و نتبادل الأخبار..حيث أصبحت تدرس الطب كما كانت تحلم..و أنا التحقت بموكب الجامعة في مسيرة عبثية حسبتها وردية.

مرت سنوات بدون انقطاع علاقتنا الطيبة الصادقة..لكن بدأت ألاحظ عبارات غريبة في رسائلها..و صوتها تغير بعض الشيئ، فعلت كل شيئ لأعرف السبب لكن بلا جدوى.

في أحد الليالي و أنا مع بعض الأصدقاء في المقهى ..جاءني اتصال منها، فلم أجبها بسبب الضجيج مقررا الاتصال بها لاحقا.

برجوعي للبيت اتصلت بها و وجدت هاتفها مغلق، جربت عدة مرات..أحسست بغصة في حلقي..تركت لها رسالة نصية و استلقيت لأنام لكن لم أستطع، بقيت على تلك الحالة حتى السادسة صباحا لأصدم لقراءتي خبر وفاة صديقتي..لقد أحسست بدوار و شعور لا يحسد عليه بشر.

بدون شعور مني نهضت و توجهت إلى المحطة لأذهب لرؤيتها..طوال مدة السفر و أنا أحدق في النافذة غير مستوعب لما وقع..كيف ؟ لماذا ؟ 

مع وصولي ركبت سيارة أجرة متوجهة للمستشفى.. مع وصولي دخلت راكضا لمكتب الاستقبال..ليخبروني أنهم غادروا لدفنها مساء اليوم..و أنا أفكر جاءني اتصال من رقم غريب..آلو ! و كان صوته أجش.

هل أنت فلان ؟! أجل أنا هو ! أنا أب المرحومة فلتأتي سندفنها اليوم بمدينتك و عندي أمانة لك.. خد العنوان.

يا إلهي ! لقد سافرت سدى، سيدفنوها في مدينتي ! عنها عدت أدراجي و لا زلت تحت تأثير الصدمة.

عند وصولي اتجهت مباشرة فوجدت بعض الناس ..تمشيت صوبهم و أنا أتفحص وجوههم الحزينة..فاستوقفني رجل عرفت أنه الأب..عزيته و في نفسي عزاؤنا واحد.

بعد حديث أعطاني ورقة و قال أنها من المرحومة..فتحتها و قرأت بصوتها :

"مرحبا..أتمنى أن تكون بخير و لا تحزن..كتبت هذه الرسالة و أوصيت أبي أن يتصل بك إذا لا قدر الله و رحلت عنكم..لقد كنت مصابة بالسرطان و كنت أخفي عليك الأمر لكي لا أشغلك بي..أتذكر يوم اصدمت بي و أنت خارج من الفصل ..لقد كان أفضل اصطدام في حياتي..أحببت فيك رجولتك و صدقك طرافتك ..لقد كنت لي الصديق و الحبيب..لا تبكي الآن ..لربما فرقتنا هذه الحياة و لكن سنلتقي في حياة أخرى يوما ما؛ عش و أكمل حياتك و تذكرني بصالح الدعاء "

بعدما أنهيت قراءة الرسالة لم أعد أقوى على الوقوف..طلب مني أبوها الجلوس فرفضت..أردت رؤيتها..فأخدني للداخل..بلعت ريقي و أزلت الكفن عن وجهها ببطئ فرأيت حبيبتي فقبلت رأسها، لم أستطع فبكيت و أرجعت الكفن.

صلينا و ذهبنا للدفن..بعد الانتهاء بدأ الناس في الانصراف رويدا رويدا ..بقيت لوحدي هناك حتى أسدل الليل ستائره و أنا بالمقبرة أحدق في الفراغ.

فجأة لامست يد كتفي..فإذا به حارس المقبرة يدعوني للجلوس معه على كوب شاي أو الرحيل.

مرت الأيام رتيبة.. أتجول في الشوارع ليلا ..و أصل للمقبرة و أقفز من السور الشرقي لها لتجنب الحارس..و أذهب لقبرها و أبدأ في الشكوى من ضميري الغائب وقت كانت بحاجتي بجانبها و هي في فراش المرض و الموت..، كيف و هي من أعطتني من دمها..دماؤها الآن بداخلي و صوتها في أذني و صورتها في عيني و حبها في قلبي و ضميري يجلدني و هذه هي حربي فكفى ! يا ملك الموت تعال خذني.

انتهت


  • 2

   نشر في 03 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا