أنا أختنق... لا أستطيـــع التنفس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أنا أختنق... لا أستطيـــع التنفس

  نشر في 14 يونيو 2020  وآخر تعديل بتاريخ 16 يونيو 2020 .

الثابت أنّ الوجود البشري بكل مناشطه سيختلف بعد جائحة كوفيد-19عمّا كان عليه قبلها... ستترك هذه الجائحة الصحية الكونية الأضخم في التاريخ المعاصر أثارها على علاقة الإنسان بالطبيعة ومواردها وعلى علاقته ببني جنسه وبسائر الكائنات الحية. لن نعمل مثلما كنا نعمل، لن نتعامل مثلما كنا نتعامل، لن نسكن مثلما كنّا نسكن، لن نأكل مثلما كنّا نأكل، لن نسافر مثلما كنا نسافر. باختصار، لن نعيش مثلما كنّا نعيش.

ولئن كنّا متأكّدين من ذلك، إلاّ أنّنا مازلنا لا نعرف بالضبط ملامح هذا الشكل الجديد من حياتنا والأسلوب الجديد من تعاملنا... كلّ ما نحن بصدده الآن، هو ارتجال للصمود أمام الجائحة للحد من أضرارها. وبعد ذلك سنرى...

علينا أن نبتكر أساليب جديدة لاستغلال موارد الطبيعة دون استنزافها، بما يضمن تجدّدها واستدامتها. إنّ الشرط لتصالحنا مع الطبيعة، هو تصالحنا مع أنفسنا كذوات إنسانية. إنّه لمن المفارقات أن يكون سبب خراب الكون هو ذلك الكائن الحي الذي يتميّز دون سواه من كلّ الكائنات بالوعي والعقل. فهل انقلب ما يفترض أنّه نقطة تفوقنا إلى نقطة ضعفنا وخطر يهدّد وجودنا برمّته؟

أسئلة وجودية وفلسفية وإيثيقية حارقة تحاصرنا وتلحّ علينا في الإجابة عليها.

لن يتسنّى لنا ابتكار هذا الشكل الجديد من الوجود الإنساني على الكوكب الأرضي دون أن نفهم ما الذي حدث... وكيف حدث؟ ومن المتسبّب فيه؟

وهذا ليس أمرا سهلا بل قد يكون مستحيلا، لأنّ المصالح ليست واحدة، رغم وحدة المصير أمام كورونا... وهذا ما يفسّر وجود الصراعات والحروب والمظالم والاستغلال. علماء الحياة يغرسون محاجر عيونهم في عدسات الميكروسكوبات، والسياسيون يتئتؤون في منابرهم ويتبادلون التهم وتحميل المسؤوليات، والاقتصاديون يخبّئون رؤوسهم أمام مؤشرات البورصة النازلة في انحدار حاد كالنبال على جماجمهم، والمؤمنون لم يصمدوا أمام إغراءات الأمل الزائف في ظهور نبي منقذ جديد، والجماهير تترجرج في الساحات كالأمواج الهادرة...

كمّاشة كورونا أطبقت على الفقراء... لا تصدّقوا من يقول لكم كورونا ديمقراطية ولا تفرّق بين غني وفقير. قد يصحّ ذلك جزئيا في مستوى العدوى. ولكن عدا ذلك، الفقراء يدفعون فاتورة تداعيات الوباء من العظم. بينما الأغنياء، حتى المصابون منهم، ففي الرفاهية وتحت العناية الطبية...

كماشة الشرطة تدوس على رقاب المهمّشين من السود والمهاجرين غير النظاميين والمعطّلين عن العمل والجوعى

كمّاشة الحروب الطائفية والدينية والعرقية تسحق الملايين وتنشر الكوليرا وترسم الرعب في عيون الأطفال وتشوي أكباد الثكالى

كمّاشة التلوّث تسدّ النفس على النبات والحيوان والإنسان، وتخنق الكون برمّـته، النحل والفيلة والسلاحف والخضار والفواكه مهدّدة بالانقراض

كم هو لافت مشهد الجماهير الغاضبة تتدافع في الساحات غير عابئة بخطر الفيروس شديد العدوى... هل هي حماقة القطيع ورعونته؟ كيف ترمي هذه الجماهير بأنفسها إلى الانتحار الجماعي؟ أم أنّ هذه الجماهير أدركت بغريزة حب البقاء أنّ كورونا هو الترجمة البيولوجية لفيروس العنصرية والتهميش والإقصاء؟ وأنّه لا قضاء على هذا بدون التصدّي لذاك؟

الغضب يحتدم في الصدور والصبر بلغ أقصاه...

البشرية تقترب اليوم من لحظة الوعي الذي يؤسّس لخلاصها. البشرية تعي اليوم أنّها تحتاج إلى الكرامة والعدل واحترام الكوكب الأرضي بهوائه ومائه وجميع كائناته الحيّة.

ما عاشته الإنسانية في الأشهر والسنوات الأخيرة، جعلها تعي أنّ مصيرها مشترك وأنّ خلاصها بيد الجماهير بعيدا عن الشوفينيات والشعوبيات والهوويات الدينية والعصبيات العرقية واللوبيات المافيوية...

العسكر إلى الجحيم، السماسرة إلى ما وراء القضبان، وعرّابوهم من القساوسة والرهبان وشيوخ الفتنة والإرهاب إلى مزبلة التاريخ... فجر الحرية، فجر الكرامة، فجر الإنسانية المنعتقة من كلّ القيود والأغلال بدأ يلوح في الأفق... أسمع هدير الحناجر الغاضبة في مينيابوليس وواشنطن ولندن وباريس وتونس وبيروت وبغداد وبيت لحم والقدس وتايوان وسان باولو... الموج يرتفع والتسونامي المطهّر يلوح في الأفق والخلاص قادم

أحد السيناريوهات الواردة للالتفاف على هبّة الوعي بوحدة المصير الإنساني هو أن يسعى رأس المال، بعد اختراع لقاح يوقف الجائحة ويحقق أرباحا طائلة لمخترعيه، إلى إعادة تشغيل ماكينة الاقتصاد العالمي بما يسمح له بتدارك ولو قدر ممّا خسره دون أي مراعاة للجانب الاجتماعي أو الإنساني أو البيئي، أي بالعمل عن بعد والتقليص من اليد العاملة واعتماد الروبوتيك واستنزاف الموارد الطبيعية.

ومن السيناريوهات المتمّمة للمشهد إيقاف قاتل جورج فلويد وشركاءه ومحاكمتهم. وتركيز أجهزة لمراقبة تلوث الهواء وسن قوانين لحماية الفيلة والسلاحف البحرية وإعادة توطين الدب القطبي في شمال أوروبا...

لكنّ كل ذلك الفولكلور سيكون بالتأكيد مسعى فاشلا، لأنّ المنظومة الاقتصادية السابقة هي كقصر الدومينو يكفي أن تسقط منه قطعة واحدة ليتتابع السقوط وتصل ارتداداته إلى أخر قطعة من البناء، ولن يتوقف التهاوي إلاّ بسقوط القصر بكامله. هاهي رقعة المظاهرات ضد جرائم قتل السود العنصرية تتوسّع كبقعة النفط في المحيط.

هل هي كيمياء التاريخ؟ أم أنّها رائحة بارود الاقتصاد المتوحش؟ أم هي لوثة جنون الإنسان الذي يتعامل مع التجربة العلمية كألعاب تسلية لا تضبطها إيثيقا ولا فلسفة؟

سنحتاج لملمة ذاكرتنا بشظاياها الحادّة كبقايا البلّور المهشّم وبرائحة الجيف النفاذة وبصورها الكابوسية المرعبة ونجلس على ضفاف القارات الخمس نغربلها بماء المحيطات الوسخ... سنحتاج أن يساعدنا بغنائهم وحكمتهم زنوج الأبوريجان وقبائل الماساي الإفريقية والفيكينغ الشماليون والإينكا والهنود الحمر...


  • 6

   نشر في 14 يونيو 2020  وآخر تعديل بتاريخ 16 يونيو 2020 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا