خرموبوليس .. قراءة في زمن الانحطاط - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

خرموبوليس .. قراءة في زمن الانحطاط

  نشر في 16 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

سأختار شعبا محبًا وصلبًا وعذبًا، سأختار أصلحكم للبقاء.

كى تكونوا جديرين بى، وأكون جديرًا بكم.

سأمنحكم حق أن تخدمونى، وأن ترفعوا صورى فوق جدرانكم، وأن تشكروني لأنى رضيت بكم أمة لى.

قد اخترت شعبى واختارنى الآن شعبى، فسيروا إلى خدمتى آمنين. أذنتُ لكم أن تخرّوا على قدمى ساجدين.

"محمود درويش".


إذا كانت غايةُ أحلامك أن تحصل على سقف تحتمي به، وعمل تقتات منه، وماء نظيف تشربه، وكهرباء لا تنقطع، ووسيلة مواصلات لا تقتلك، ومقعد لأبنائك في مدرسة تتعامل معهم كآدميين، وواسطة تحميك وتعيد لك جزءا من حقك الضائع، إذا أوقعك حظك السيئ في طريق مسؤول، يتسلّي عليك بالتعذيب ليلا، ثم يتصل بذويك صباحا، ليحضروا إلى المشرحة لتسلم جثتك. فأهلا بك في دولة "خرموبوليس"!

في هذه الدولة يمكنك بسهولة تمييز المثقف المقاوم للسلطة والمنفى داخل وطنه. مؤلّفا هذا الكتاب من هذا النوع المتمرد، الذي یمتلك قدرا ھًائلا من الطاقة الإیجابیة لھدم المقدسات الوثنیة الفكریة، والتشبث بالضمیر والوطن بدون مثاليات أو شعارات حنجوریة، أو إختراع أو إتباع آلھة تقبع فى معبد الحكم وسط كھنة مغیبین ببخور الفساد والإفساد .

في سبع حوارات صعلوكيه بامتياز، يحاول "أحمد عدنان" و"عمرو منعم"، تفكيك الصورة الكلیة للوطن، لفرز العرَض عن المرض. يحاولان تقليب المواجع لتجديد حرارة الألم، وتخليده في ذاكرتنا، حتي ينضج فيكون رابطًا بين قلوب كافة الموجوعين في هذا الوطن. وأكاد أتخيلهما أمام الديكتاتور يهدّدهما: "لا تستمعا لأحد غيري، أنا جاد جدا، كونا حذريْن، لا ينبغي لأحدٍ أن يسيء إلى صبري لإسقاط الدولة. أقسم بالله لو اقترب أيٌّ منكما، سأزيله من على وجه الأرض. من أنتما؟"


الحكاية الأولى: أرض الشياطين الخرساء

الكتابة هي نتاج معاناة تتأسس على جراح الروح والجسد، الأمر الذي يولد نوعاً من الصراخ والبوْح والمقاومة والمواجهة، وفضحاً للمسكوت عنه، ونزعاً للأقنعة. لذلك، أري في هذا الكتاب، صرخة مقاومة ومواجهة مدوية ضد الألم والخراب الروحي الذي يرسم كل ما حولنا. حين ترى إنساناً يقع في فخّ، تصرخ محذراً، ولكن عندما تراه يدخل فخاً، عن سابق علم، وبعينين مفتوحتين، فماذا عليك أن تفعل؟.

نحن البشر مسجونون في جماجمنا، "نعيش وحدنا، كما نحلم وحدنا"، كما كتب "جوزيف كونراد"، فالأفكار والخطط والأحلام والمشاعر الوحيدة التي يمكن أن نختبرها، هي أفكارنا. وبالتالي فتجربة العالم من داخل رأس شخص آخر، تؤطّر لوجهة نظر مختلفة: من الذي نرى من خلاله، ومن الذي نراه داخلنا. على هذا النحو، كان رفع الستار عن شخصيتي المؤلفَيْن الرئيسيتين. يبدآن في حواراتهما، ويحاولان إشراك القارئ في واقع يعيشه، لإحداث زلزالا بتفكيره، علّه يستيقظ.

ولأن الانطباعات الأولى حاسمة، فحين يعرف القارئ أن حكّائيْه صعلوكان، يريدان منه أن يفعل شيئاً مثالياً، وهو إعمال العقل. سيحوم حول حكايته الخاصة، ويفكر في طرقٍ تمكنه من الكشف عن جوهر حوارات "خرموبوليس"، "بلد التاريخ التي انسلخت عن تاريخها، وأصبح إسمھا یستدعى أوصاف جمهوريات الموز". الدولة التي یتمیز كل شيء فیھا بأنه "خرم كبیر، منفده علي بعضها یعني، من أكبر راس فیھا لحد ذمة زمایلك، كله مخروم." الدولة التي يقوم كل من فيها بوظيفة مختلفة عما خُلق له. والتي تضلّل مواطنيها بأحاديث عن الاستقرار والمكانة العظيمة التي تتمتع بها، ومدي احترام العالم لها، مع تمتعها بالأمن والأمان رغما عن أهل الشر. في هذه الدولة، يتحول التعذيب في وعي الجلاد، إلى تقنية لمواطَنة رشيدة، وكل مواطَنة لا تتدخل الدولة في تشكيلها، هي مواطَنة ناقصة ومشكوك في هويتها. إنّ أكبر ما تصبو إليه دولة "خرموبوليس"، هو خلق فجوة عميقة بين الفرد والعالم، وبين الفرد وذاته.


الحكاية الثانية: التغيرات الاجتماعية الحادة التي تصاحب الثورات أو حتى الانقلابات، ھي ما تشكل مستقبل المجتمع

من يدرس تاريخ الثورات، يعرف أنه لا يبعث على الثورة سوى ظهور طبقة جديدة تغيّر مركزها الاقتصادي، فتكافح كي تغير أيضًا مركزها الاجتماعي والسياسي. وقد مضت على مصر آلاف السنين، لم تتغير فيها طرق الإنتاج، فلم تظهر فيها طبقات جديدة، فاستقرت النظم الاقتصادية والاجتماعية، وأدى في النهاية إلى بقاء الطبقات كما هي، فلم يكن هناك باعثٌ على الثورة. صحيح أننا أحيانًا نجد الثورة دون أن نعرف بواعثها، ولكن جهلنا لهذه البواعث لا يدل على غيابها. هناك دائما طبقة تسيطر على المجتمع وتتسلّط على الحكم، ولأنها غير منتجة، لا تحس بالمسئوليات الاجتماعية، فتنحلّ أخلاقها، ويتزعزع تماسكها، وتسرف ببذخ لأنها تستهلك ولا تنتج، وقد تحيا على هذه الحال سنوات، ولكن الشعب ينتهي بالثورة عليها، ولهذا السبب نجد لكل ثورة طرازًا مختلفاً.

يتجاهل حكامنا ونخبهم حقيقة أن أزمة دولتهم الخرموبوليسية، ليست اقتصادية بقدر ما هي سياسية واجتماعية. ذلك أنه بافتراض تحسّن الاقتصاد، فهو عديم الفائدة، ما لم تنضبط السياسات وتتعزز الشفافية والرقابة وتتحقق العدالة الاجتماعية. ولعل أزمة "خرموبوليس" تنعكس جيدا في سياسات ومشروعات ضخمة، لا يشعر بها أو يستفيد منها المواطن، بل وتضر بمصالحه. تأتي هذه السياسات كلها متزامنة مع معاناة كبيرة، نتيجة التراجع التاريخي لدور الدولة في تحمل مسؤوليتها في التعليم والصحة والبنية التحتية والرعاية الاجتماعية، مما يوقع المواطن فريسة لبدائل وحلول ترسخ تفاوتاً طبقياً واجتماعياً حاداً.

في إسقاط بديع، يلقي الكتاب المسؤلیة لما وصل إلیه المصریون، علي "الكشرى." كتعبير لتجاوز معیارية المنطق، واختلاط الحدود، مما أنتج مجتمعا غريبا مقعراً فارغاً، لم يتفق إلا على التطبع بطبائع الكشرى غیر المعیاریة. والحل معروف وبسيط، ولكن لا أحد يطالب به. وهو "مجرد إخضاع هذا المجتمع الكشرى لتوازن بیئى ومقادیرى للوصول لطبق متعادل یكون كل عنصر من مكوناتة فاعلا بدون تعدى على العنصر الآخر، تحت مسمي المؤامرات وغيرها." وهنا أتساءل: من منا مصريّ خالص؟ هذا الوطن الذي تناوبت عليه الأمم والحضارات، كان لابدّ له أن يُنجبَ أبناءً مجهولي الهوية. الهكسوس حكموا مصر واختلطوا بأهلها قرناً، ثم حكمها الرومان ثلاثة قرون، حتى فتحها "عمرو بن العاص" ووو .. وصولا للحكم العثماني ثم الإنجليزي، كلّها شعوب تركت بصماتها الجينيّة داخل الحمض النووي لهذا الوطن المهجّن.

المفارقة الحقيقية، في وجهة نظري، ليست في أن الذين حكموها كانوا غرباء عنها، بل في استسلامها المتتالي لغزاتها، هذا الاستسلام الذي صنع التلاشي ونشر التعفن. والآن، بإدمانها الخضوع، تندثر تحت ضربات الفاسدين واللصوص والعملاء، ولا خيار لنا، نحن الرافضون، سوى أن نخترع وطناً جديداً يقاوم الموت والتآكل، قبل فوات الأوان.

أزمة "خرموبوليس" الحالية، تعكسها سحقها لمعارضيها، لأنهم يتآمرون لإسقاطها، وليس لأنهم ضد غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ثم في تناقض عجيب يصفها رئيسها بأنها شبه دولة. فهل غاب عن إدراكه، أن أشباه الدول لا تحتاج لمن يتآمر عليها لأنها ستسقط نفسها بنفسها، وأن من مصلحة المستفيدين منها والمتآمرين عليها أن يحافظوا فقط على تدهور أوضاعها وليس إسقاطها؟. في الحقيقة ليس هناك ما ينبئ أن طبيعة النظام تغيرت، بحيث لا تتكرر أخطاء الماضي. ويزداد هذا الفهم وضوحًا، إذا تذكّرنا جميعًا أن نظام الحكم، وليس غيره، هو من حوّل الدولة التاريخية إلى أشلاء أو إلى شبه دولة، سواء كانت البداية كما أشار الرئيس، هزيمة 1967، أو كانت بعد ذلك، كما أشار هو أيضًا إلى، أن الرئيس الأسبق، صاحب الثلاثين عاما من الحكم، تركها خرابًا.


الحكاية الثالثة: القھر النفسي المتعمد لتحويل الإنسان إلي عبودية القھر وأداته

لا فرق بين الطغاة، جميعهم جبناء يخافون صرير الأقلام، كما قال نابليون: "ألف مدفع أهون عليّ من صرير قلم"، كلهم يرتعدون من كلماتٍ لا توجد في قواميسهم: حريّة، عدالة، مساواة، ديمقراطيّة. وهذا الجبن يدفعهم للقتل والإمعان في تعذيب شعوبهم. يتكرر التاريخ ولا أحد يتعلم، كل ديكتاتور يعتقد أنه استثناء وأن القمع سيجلب له الاستقرار، ثم تنتهى أسطورته إلى سجن أو إعدام. وأشد ما يستعين به الطاغية بعد وسائل الإعلام، هو جهاز الشرطة. يحاول المؤلفان سبر أغوار نفسیة رجل الشرطة. وهنا نري تفكیكاً لمفھوم الدولة البولیسیة، و الذى تم ترويجه للتغطیة على الدولة المخابراتیة، التي تصدّر خدامھا المقھورین نفسیا (البولیس) فى المشھد، لتعمل من خلفھم وبیدھم. وكیف یخلق ھذا إنساناً یقبل الذل والقھر، ویعرف أن المجتمع یلفظه ویتنكر له، وفى نفس الوقت یخدم من صنعه على ھذه الھیئة المزریة، ولا ینتقم من صانعه بل ینتقم من المجتمع نفسه. تناقض نفسى رھیب، كیف لمسخ أن یحب صانعه؟

الشرطة دائما ترتبط بالنظام السياسي، فما بالك بدولة تضعها فوق الجميع. مما يجعل ولاؤها للحاكم، وليس للدستور والقانون وحماية المجتمع. إذن، فلا بأس من القوة الغاشمة. يفسر باحث الاجتماع الفرنسي، "ديديه فاسا" أنه كلما زادت السلطة المخوّلة لأفراد الشرطة، يتحولون من خدمة الشعب إلى خدمة الدولة، فممارسات الشرطة غير الملائمة، تقبلها السلطة كأساسٍ لتحقيق الأمن. وساعد في ذلك، أن ثقافة المصريين تميل إلي قبول القهر والابتعاد عن جهة الإيذاء والسلطة، وأن التركيب الأبوي للمجتمع يقبل التقويم من السلطة ولو كان عنيفاً.

إنّ شخصية الشرطي في "خرومبوليس"، تعيش داخل دهاليز الخوف، وتعاني من تفكك نفسي، ومن تشظٍ في وعيها بذواتها وبالعالم الاجتماعي الذي تنتمي إليه. إنها شخصية اغترابية بامتياز، لم يعد صاحبها يتعرّف على نفسه، ومن يكون، بل أن جهازه العاطفي والأخلاقي قد تعطل. ومن هذه الزاوية تحوّل إلى مجرد أداة في يد صانعه. هذه الأداة تُظهر مناطقَها النفسية الخفية، من خلال الكشف عمّا تعانيه من ضعف وعجز، تجد في عمليات التعذيب تعويضا عنه، لتكتمل رجولة الضابط بصرخات ضحاياه، وتوسلاتهم، وبآلامهم القاتلة.

من مهازل "خرموبوليس" أن هناك مادة عن حقوق الإنسان تدرّس بمناهج كلية الشرطة. ويوضح المؤلفان أن "مفھوم الدولة المخابراتیة الرشیدة الحامیة للشعب الغیر واعى بمصلحته، قد انتھى بسقوط حائط برلین و انھیار الشیوعیة فى العالم، وأن بقاء أنظمة مثل "كوریا الشمالیة" أو دویلات أمریكا اللاتینیة، ھو مسألة وقت، ولن یمكن إستنساخ ھذا النموذج مرة أخرى، سوى فى خیالات المرضى من مخرجى سینما المؤامرات، ممن یعتقدون بتفوقھم الفكرى، وأن تفوّق السلاح لا یصمد أبدا أمام تفوق العقل، وأن الواقع الدولى والمعلوماتى تغیّر".

يقول "مصطفي حجازي" في كتاب "الإنسان المهدور"، (إن الاستبداد والطغيان يهدران حصانة المجتمع والوطن لمصلحة حصانة السلطة المطلقة، ولذلك فكلما زادت الأجهزة الأمنية قلّ الأمن الاجتماعي). ويوضح الكاتبان نوعیة المنضمین لكلیات الشرطة، في شرح لكيفية صناعة المسخ البولیسى فى الأنظمة الشمولیة، ويؤكدان أن انھیار الدول الشمولیة، يبدأ دائماً بانھیار جھازھا الشرَطى، وأن إعادة سلطتها تبدأ بإعادة نفس التنظیم التواطؤى لجھاز الشرطة المقھور نفسیا، والخرب على جمیع المستویات الأخلاقیة.


الحكاية الرابعة: فى منفى الوطن

هل أصيبت مصر بالعقم الذهني، كما وصفها الفرنسي "رينان" في أحد مؤلفاته. الديمقراطيات لا تموت لأنها قِيم إنسانية وسياسية، والقيم لا تخضع لضوابط الحتمية البيولوجية، قد تتعرض لانتكاسات هنا أو هناك، وقد يتوقف التاريخ عند تجارب غير ديمقراطية، كما في التجربتين الألمانية أو الإيطالية خلال الحربين العالميتين، لكن ولأن الطبيعة دومًا تخشى الفراغ، فإن الديمقراطية تعود لتزدهر من جديد، بعدما يموت أعداؤها.

أننا نعيش في عصر الخوف من كل شيء، وخوفنا الأول هو من الكلام، أي من مرآتنا الأولى. هذا الخوف، الذي بدأ منذ الانقلاب علي الديمقراطية، تحوّل اليوم إلى واقع مرعب، إلى درجة أن الدخول في تفاصيله بات مهنة شاقة إن لم تكن مستحيلة. لك أن تتخيل، أن أمين عام الجامعة العربية أعلن في كلمته أثناء القمة الأخيرة، أن الربيع العربي لو كان قد نجح، لدُمّرت الأمة العربية. الأمين العام يزهو بانتصار الطغاة على شعوبهم،كما قال "إلياس خوري"، ولأن السخرية تقوم على مفارقات الواقع، فهي تفترض أن يحيا الساخر في بلدٍ تسمح له بحد أدنى من الأمان، ليسخر وينكّت، لكن حين يصير الواقع نفسه مفارقة، تفقد السخرية معناها.

يرصد المؤلفان دخول الطبقة المتوسطة طریقَ التیة والدم، وكيف صار بینھا وبین الفقر الفعلى خطوات بسیطة، تدفعھا إليه إنعدام التوازن والإصرار على مظھریة عدم السقوط. الكل یسقط ولا یعرف كیف یوقف السقوط .ويتخذان أحد كافیھات الزمالك الراقیة، شاهدا علي محدثى النعمة، الممّیزون بفجاجة الذوق والصوت العالى، وكأنھم على رأى دیستویفسكى یریدون معاقبة الطبقة الأعلى وإفسادھا.

وفي مشهد درامي، يستحضران أقوال "سقراط" و"الكواكبي" عن الحكومة المستبدة، ليخلصا إلي ظاھرة تسمي "الخوف من الحریة"، تستخدمھا الأنظمة القمعیة لصنع رأى عام وحس مشترك، بسیطرتھا على الإعلام التكرارى لفكرة ما، حتى و إن تناقضت بفجاجة مع مطلق الحریة ومبادىء العدل. ھناك شعوبٌ تمر بحالة مازوكیة نفسیة، تعشق فيها الخضوع لمعذبھا، وتتغنى به، وترفع صوره، وتھاجم من ینتقده، وتُقتل وتُنتَحر مستمتعةً بسادیّته. لتصل إلي نهاية محتومة، وهي أن "فَناء دولة الاستبداد لا یصیب المستبدین وحدھم، بل یشمل الدمارُ كل شئ، لأن دولة الاستبداد في مراحلھا الأخیرة تضرب كثور ھائج، وتحطم نفسھا وأھلھا وبلدھا قبل أن تستسلم للزوال. وكأنما حُقّ على الناس أن یدفعوا ثمن سكوتھم على الظلم، وقبولھم القھر والذل والاستعباد."

فبعد أن فتح الله للمواطن الخرموبولیسي طاقةً من الحرية، واكتشف أشياءً لم يعرفها من قبل، ديمقراطية، حقوق إنسان، برلمان، صحافة حره، تخطيط، جذب استثمارات، إمكانات بلد لم تستغل . انطلق یتفنّن في استعمال كل شيء بطريقة خاطئة. وأوقد أحقاده الدفینة لینتقم من أخيه، حتي بلغ غباؤه مداه، حین استطاع الدوبرمان إقناعه بأن الصبر مرّ، وأن أخاه هو أكبر أعدائه. فأوقد النار في خيمة القبيلة بأكملها. ورفع لافتة: "لا كرامة لمواطن أمام كرامة الوطن." وهي في حقيقتها: "الكل منعدم الكرامة وبلا أى استثناء طبقي أو مادى، سیقبل القھر، وسيبرر القتل، وسیستبیح السرقة، وسیكون بلا ضمیر." فسُلبت كرامته وفقد التمییز وقَبِل بأي شيء وكل شيء یُفرض علیه. وأصبح دستوره، "عیّشنى النھارده وموتني بكره".


الحكاية الخامسة: في دولة الضباط

ما تبقى من عقولنا هو المشكلة. كي تعيش في "خرموبوليس"، عليك أن تتخلّى عن أي شعور، وتنسى كل القيم، وتتأقلم مع فكرة أنك انسان بلا حقوق ولا كرامة، عندها فقط تستطيع أن تستمتع بنشرات الأخبار، أو بفيض التفاهة التليفزيونية، أو أن تتنعم بالعفن المحيط بك، دون أن تدرك حقيقته، كما فعل "هاملت" شكسبير حين صرخ "هناك شيء متعفن في دولة الدانمارك". أما نحن فماذا نقول؟

لم يبق لك إلا "ممارسة الصعلكة، وھى الخیار الوحید المتاح، حلّ محل الحیاة نفسھا، فلا نقول فلان یعیش حیاة سعیدة أو تعیسة أو مزریة أو ھنیئة أو متوترة الخ الخ. من الأكلشیھات التقسیمیة الدالة على التنوع." یكفى أن تتصعلك لتحیا، وفى النھایة كلنا نتصعلك عندما یختفى الھدف، ویُفتقد الإتجاه ویُمنع الإختیار .

في رحلتهما إلي عزومة فلاحى بمحافظة الشرقية، يصف الصعلوكان: "أحمد وعمرو"، نقاط التفتیش المنتشرة علي طول الطريق، وكيف كان تعامل العسكر معهما قاسیاً. شعرا بمھانةٍ حين تم تفتیشُهما، وكيف أنهما لا يبدوان مجرمين، وقد غزا الشيبُ رأسيهما الأربعينيين. وأن العسكر بتفتیشِھما، كان یتعدي على حریتِهما .وأن فروقات العیش فى ظل حكم عسكرى أو حكم مدنى، يمكن تلخيصها في مفھوم إحتكار الوطنیة. ومن الطبیعى أن یوصم الأقل وطنیة، بأنه من المنبوذين، ولا یحقّ له التذمّر أو الإستمتاع بھذا الوطن.

تكلفة العزومة كانت نصف تكلفة وجبة عند كبابجى فى القاھرة أو المھندسین ممن یضعون أربع نجوم سياحية، وكأنھا رتب عسكریة تعطيھا الحق فى فرض الإرادة السعریة الجبریة، كما یُفرض كل شىء بقوة النجوم النحاسیة .ويتذكران مادة "التربیة العسكریة" في مدرستهما الثانویة، "مجرد أراجوزات جایین یھجصوا، والفرصة سانحة للتزویغ والإستمتاع بسیجاره أو سندوتش، وكيف ارتبطت العسكرية عندنا باللامنطقیة في كل مراحل العمر. جیش "خرموبولیس" سبق كل جیوش العالم في تصنیع طقم حلل ستانلس تناسب بوتاجاز المصانع الحربیة، ست البیت من أولویات جیش الخرم العظیم."

يعرج هذا بنا لحوار شيق، حول النفسیة العسكریة والعقائدیة التى تربت علیھا الجیوش العربیة، "التى لم تنجح سوى فى قھر شعوبھا، فيما عدا انتصار أكتوبر المفاجئ، وأسبابه الكامنة فى أخذ المصریون الزمام من العسكر، والتضحیات الغیر مسبوقة من أسلحة المشاة والمھندسین وعمادھما من المجندین المدنیین بعد نكسة يونيو، وتم التعتیم علی بطولات المجندین الفردیة، لصالح قادة قبعوا فى دُشمِھم، مع عدم إنكار تضحیات بعض النظامیین، والبعد عن تقدیسھم وكأنھم فعلوا الخوارق بعد كل ما صرف من میزانیات ومرتبات لتأھیلھم، وأن شروط التعاقد معھم للدفاع عن الوطن والنصر والتضحیة، كانت سابقة للوظیفة، مھما أطلقنا علیھا من مسمیات، فهم لیسوا أكثر وطنیة من مجند لم یقبض وضحى بحیاته، لوجه لله والوطن و ترك یتامى بلا مصدر للعیش."

وللتعرف على جذور المشكلة نعرف أن "الشاب ینضم إلى الكلیة الحربية، مدفوعا بالوطنية أو بالوظيفة الثابتة والامتيازات أو راغبا في البدلة، كل ھذا لا یھم ولن یشكّل عقيدته القتالية، المھم ھو ما یحدث بعد أول خطوة یخطوھا داخل ھذة الكلیات. المطلوب زرع عقيدة تسمح للقائد بالتحكم الكامل في الطالب، وإخراجه بعقيدة مقدسة للحاكم، تسمح وتبرر له قتل شعبه إن فكر وطلب الحریة، ولذا یبدأ العمل على عقله الطیع لتشكيل عقيدة نازیة فعلیاً وحرفیاً، فیتم إقناعه بأنه من الأخیار. وتم اختراع وعّاظ داخل كل مدرسة حربية تنتزع الدین من سیاقه، وتشیطن المعارض للقائد الحاكم المتكلم باسم الحق الإلھى والعالِم بكل شيء، حتى یبقى الطالب تحت سيطرة وعاظ السلطان. عقیدةٌ أتاتوركیة تفصل الدین لا شعوریا فى عقولھم، وتنفّرھم من الثقافة الإسلامية، وتحرص على أداء الطقوس من صلاة وصوم، وكأنھا الدلیل على طھارة ھؤلاء الأخیار، وإثبات لحقهم الإلھى في الحكم. في النھایة، منتج إنساني مشوه نفسیا، وغیر مندمج مع مجتمعه، ومن یندمج، یتم إخراجه سريعا حتى لا یفسد عقيدة الجیوش."


الحكاية السادسة: العلم نورون

كشفت دراسة أجرتها " كلير ديدريخ"، أن كلاب البوليس لا تعتمد على حاسة الشم القوية لديها كما هو شائع، وإنما على الحالة النفسية لرجل البوليس الذى يقودها لأداء عملها، حيث أن هناك علاقة بين الضغط النفسى للإنسان وحاسة الشم لدى الحيوان .وقد استطاعت الباحثة السيطرة على نشاط الكلاب، عن طريق أستخدامها لكاميرا وجهاز لقياس الضغط لدى رجل البوليس، فتبين أن هناك نوعين من الضغوط، واحد داخلى مرتبط بالمهمة التى يقوم بها الرجل، والثانى خارجى. وتبين أنه أثناء المهمة، يجب أن يكون القائد فى حالة نفسية جيدة، حتى لا يشعر الكلب باضطرابه فلا يستطيع تنفيذ مهمته. نجحت أجهزتنا القمعية والقهرية في إعادة صياغة مفهوم هذه القصة، وذلك عبر تجريدنا من أبعادنا الإنسانية، وإنزالنا منزلة الحيوانات. وكان التعليم هو أداتهم لفعل ذلك.

نعم، من الصعب عزل السلوك الفردي عن الوسط الاجتماعي الثقافي المحيط به. كما أنه لا يجب أن نحرم الذات الفردية من نواياها الخاصة ومشاعرها الذاتية. فكلا الجانبين في حالة إما تداخل وتفاعل، أو صدام وتنافر. ولكن الشيء المتفق عليه أيضا من قبل كل علماء النفس، أن الفرد ما إن ينخرط في جمهور محدد، حتى يتخذ سماتٍ خاصة ما، كانت موجودة فيه سابقا. أو قل إنها كانت موجودة، ولكنه لم يكن يجرؤ على البوح بها، أو التعبير عنها بمثل هذه الصراحة والقوة. "صارت الأخلاق آخر ما یفكر فیھا المجتمع، وصار الحدیث عن القیم حدیث تھافتى، وصار من یتحدث عن وجوب الحفاظ على النزاھة والكرامة والشرف والأخلاق والمُثل، ھو المتھم دائماً بسكنى البرج العاجى المنفصل عن المجتمع."

إحدى علامات صلاح نظم الحكم هي التعليم الجيد، الذي يحرر عقول المواطنين وإراداتهم، فلا يعودون يقبلون بنظم فاسدة، ترى أن دُوَلها مجرد أشباه، وأن الأوطان المؤتمنة عليها هذه النظم، مجرد أوطان ضائعة، تحكمها عقول وضمائر، لا عمل لها إلا إفساد كل شئ، وإضاعة كل أمل في المستقبل.

فوق كوبرى أكتوبر، ضحك الصعلوكان عندما شاهدا مدرستهما الإعدادیة، شعارات ومقولات متھافتة عن حب الوطن، معلقة فى كل مكان، والحوش إختفى تماما ولكن بقيت الشعارات. "نستطیع القول بأریحیة أننا تشربنا معنى الإلھام القائدى المقید لإرادتنا، وأننا لا نستحق الحریة لعدم نضوجنا .. أننا تائھین بأنفسنا منظمین بقوة سوط القائد. و من ھذة البدیھیات التى زُرعت فى عقولنا، نستخلص ماھى مھمة التعلیم بدون الدخول فى تفاصیل سفسطائیة تبریریة، لنظریات تقعیریة عن أسباب إنھیار التعلیم."

وجد "ديجول" بلده بها تعليم وقضاء بعد احتلال أجنبي، فأمكنه استعادة ما ضاع، ولكننا وبدون احتلال أجنبي، نعيش في بلد يعترف بأنه أشلاء دولة في كل الميادين، وأن التعليم لن يُجدي في وطنٍ ضائع. والحقيقة، أن هذا الوطن لم يضع، إلا بسبب انهيار التعليم. "كان المطلوب تفریخ برولیتاریا تسبح بحمد القائد فى أكثر المشاھد إبتذالا ودونیة"، وتم تصميم المناھج قیاسیا عًلى فكر العسكر، "حفظ الأوامر ولا إبتكار ولا إعتراض". فماذا ننتظر؟ .. تعليمٌ ينتج عقولاً تسمع وتطيع، باعتبار أن السمع والطاعة هي علامة انضباط العقل، الذي يتحرر من آفات النقد وطرح الأسئلة والفهم. فأصحاب مثل هذه العقول المتحررة من كل هذه الآفات، هم المواطنون الصالحون، لا يمكن أن يثوروا على أوضاع فاسدة ضيعت الوطن.

"كله أونطه في أونطه یامعلم، زي كل شئ في "خرموبولیس" السعیده، بنتظاھر إن عندنا تعلیم، زي ما تظاھرنا إن عندنا ریاضة، وصحة، وفنون، وإعلام،(وأخلاق!) وأدیك شایف إنجازات العصر العسكري بعینك، ماعرفناش نبعت حتي برغوت للفضاء الخارجي زي الھند الغلبانة، رغم نجاحنا في تولید الطاقة النوویة من فساء ضفدعة، وردع العوازل والأعداء بعمل محطوط في صاروخ ظافر، مربوط في دیل حمار أحول."

وهكذا اكتمل مسار إضاعة مصر بثقافتهم الضحلة، التي لا ترى استقرار الأوطان إلا فى رفض نماذج التعليم التي تدرب العقل على التفكير النقدي، كما تستنهض غيره من أنماط التفكير التى يمكن أن تقود إلى ثورة على فساد نظام سياسي فاحت رائحته، أو إلى مساءلة المسئولين عن الفساد، ناهيك عن محاكمتهم على جرائمهم.

يعطي الكتاب دليلا، "عرفنا الإستثناءات أیام الجامعة الأولى، كنا آخر دفعات یتم إضافة طلاب یحصلون على درجات إستثنائیة تقدیرا لمجھودات آباؤھم في خدمة الوطن، أبناء العاملین بالجیش وأبناء العاملین بالجامعة. أعرف و أتفھم أن الإمتیازات تقدم لمقدم الخدمة الإستثنائیة، أما أن تقدم لأبنائه، فھذا غریب .أتفھم أن تقدم الإستثناءات لأبناء و بنات الشھداء، وليس لأبناء من ھم على قید الحیاة؟ أفھم أن تكون المزایا عینیة مادیة، ولكن أن ترتبط بالتجبّر على الحق نفسه، وفى حق التعلیم فھذا لم أفھمه."

يتصور سيادته، بحكمته التي يختال بها علينا في كل مناسبة، أن التعليم يكون فاسداً، إذا لم يمنع الثورة على النظم القائمة. لكنه لم يتصور أن النظام هو الذي يكون فاسداً، إن لم يترك لمواطنيه سبيلاً لإصلاح حياتهم إلا بالثورة عليه. ولعلها تكون المرة الأولى في تاريخ الإنسانية، التي يتجاهل فيها رئيس دولة، دروس التاريخ بهذا الطرح لرؤيته لقضية التعليم، وعلى معاندة قوانين التقدم والتطور الإنساني، بهذا المستوى من التفكير الذي لا يعرف أن إصلاح نظام الحكم والنظام السياسي هو شرط استقرار الدول. لكن، "الآن الوضع اختلف، مافیش دولة سعادتك، خرم فقط، وعسكري كمان."


الحكاية السابعة: حكاية كل أوطان السلطان

الناس أصناف ثلاثة: يصنعون الحدث، يشاهدون الحدث، يتساءلون ماذا حدث؟. فى رحلة إلي شرم الشیخ، تعرّف بطلانا على ما أسمَوهم، بالسائرين نیاما. "الكل مذھول من العاملین الوافدین على ھذه المدینة شبة الخاویة إلا منھم، وكأنھم مسحورون غرباء تائھون فقدوا مالھم، وإمكاناتھم اللغوية لا تساعدھم على طلب الإرشاد فى مدینة مسحورة خاویة، ونادرا ما یظھر أحد السكان الاصلیین لھذه المدینة سائرًا." في مواقف بديعة يحكي لنا الصعلوكان عن نماذج بشرية، نراها تنتظم عبر أنماط من العلاقات السلطوية السياسية التي يمثّلها الضابط ورجل القضاء، والرفض الذي يمثله صعلوكانا، وتتوزّع علاقات السلطة في أحاديثهما داخل فضائهما السردي. وبعد موقفٍ دالٍ بينهما وبين طفل صغير، يجيب عندما سألاه عن إسمه، أنا "إبن المستشار"، نري رفضهما لمقولة شھیرة فى "خرموبولیس"، بلغت من فجرھا أن لھا مروجین، وھى أن بیئة قضائیة، زائد تقدیر مقبول، تعنى وكیل نیابة ناجح، وصار القضاء بالتوریث، ومنطقیا مسموح لنا أن نتسائل كیف لقاضى بدأ حیاتة مغتصبا لحق غیرة أن یكون عادلا؟.

وتتفجر الأسئلة في ذهني، حول الصراع الاجتماعي داخل المجتمع الاستبدادي، من خلال إبراز حضور طاغي لأجهزة دولة "خرموبوليس" في حياة أفرادها حاكمين ومحكومين، وفي لاوعيهم. حتي أصبحوا كالسائرين نیاماً رغم يقظتهم. وتشخيص هذه الحالة هو، "أن العقل يفكر بسلبیة أكثر مما یتحمل، مقارنة بتحمل الجسد، ویظل يعمل حتي أثناء النوم، فتحدث الكوابیس ومع تكرارها بلا حل أو تنفیس، یُجھد العقل بنسبة أكثر من إجھاد الجسد، فیدخل الإنسان فى مرحلة السیر نائما، جسدٌ مستریحٌ ولكن بلا عقل." يتم تربية الرعاع على عدم المساس بخرموبوليس ولو داخل أحلامهم، فهي مزروعة في كل مكان، حتى في دهاليز أحلامهم، لقد أصبحت كلية الحضور في وعي ولاوعي الرعاع.

ولكن، هل يثور السائرون نیاما؟ یقال أن الإنسان لا یثور تحت ضغط العبودیة أو حتى الجوع، ولكن یثور عندما یفسد القانون الذى سیھدد حیاته ذاتھا، وعندما تتساوى الحیاة مع الموت، تكون الثورة أمراً لازماً. فالثورة ھى مخاطرة بالحیاة للحیاة، ولیس بالحیاة للرفاھیة، ولیست للإحتلال، فالثورة لیست حرباً، ولا یقوم بھا أبدا أصحاب الرتب العسكریة، لأنھم یقومون بإنقلابات لغرض الإمتیازات، وھذة حقیقة مثبتة، وفقط فى جمھوریات الموز یسمون الإنقلابات ثورات، بینما العالم الإنسانى یسخر من تغییب التعاریف وتزییفھا عند قادة ومروجى الإنقلابات. وظيفة الجلاد، ليس إقناع أحد، بل ترويض الجميع. ترويض بمعنى إعادة تشكيل الإدراك والأفكار والقناعات والعواطف، وامتلاك الإنسان من الداخل. ومن آلياته، إيقاف التفكير، والتنفير من سلوك وأفكار التمرد. كل هذا بينما خلايا السرطان تنخر في الجسم وتتضخم على حساب خلاياه الطبيعية، ولا يتعرف عليها الجسد لمدد طويلة، وفي النهاية يموت الجسد، بعد ان تأكل الخلايا السرطانية كل مقدراته.

لكل هذا، عاد الصعلوكان محبطین وساخرین من رحلة شرم الشیخ.


الحكاية الأخيرة: وداع الصعاليك

قد يكون الزمن الذي نعيشه هو الزمن المثاليّ للكتابة، أو هكذا يظنّ مَن يقرأ في كتب النكبات التاريخيّة. فخيال المجرمين والقتلة أكثر اتّساعاً من خيال الكتّاب والشعراء، لأنّه خيال متحرّرٌ من أيّ رادع أخلاقي أو حساسيّة إنسانيّة. وما بين صوت السلطة، وصوت الفرد المقهور، كيف يتخلّص المرء من التاريخ والمكان؟ الوطن ليس المكان الذي نولد فيه فقط، ولكن قد يكون وعداً إلهياًّ يجرّ خلفه أحداثا كبرى. أما المكان فيُعتقد أنه محلّ للميلاد، ولا يجوز لإنسان أن يُعاقب، لأن أمّه ألقت به هنا.

بتلك الطريقة سيتحوّل العالم إلى قريةٍ واحدةٍ متماسكة، وهو الحلم الذي نادى به الفلاسفة في كلّ العصور. لن تكون هناك يوتوبيا أبداً، ولكن هذا لا يعني أن يسير العالم نحو نهايته، أو يسعي إلي الفتْك بالآخر. علينا أن ندرك أن الحدود صناعةٌ بشريّةٌ، وأن الوطنَ عزيزٌ، ولكننا في كلّ الأحوال بشرٌ نتشارك الإنسانيّة.

لقد انهارت كل الأضلاع: إنهار خطاب السلطة الاستبداديّة بعد فقْد كلّ مسوّغاته، وتحوّل إلى خطابٍ قمعي، يمتلك طاقاتٍ لا حدود لها على تدمير المجتمع. وانهار خطاب اليساريين، الذي لاذ بسلطة الاستبداد باسم الخوف من الإسلاميين، وانهار خطاب العلمانيين والليبراليين، بعد أن تحوّل إلى مسخٍ يدعو إلى احترام حقوق الإنسان على الطريقة العسكرية. وانهار خطاب الإسلاميين بتشرذمه وشيطنته من قِبَل الانقلابيين. وحين ينهار خطابا السلطة والمعارضة في بلد، وحين يتفكّك النصّ الذي يوحّد المجتمع، تصبح كلّ الحكايات بلا أطر. ويتحوّل حلم الصعلوكين، في أن يعيشا زمن التحوّلات التاريخيّة العاصفة، إلى كابوس. فيصرخ أحدهما، "سأترك حیاتى منحوتة فى غرفة إمتلكتنى، سأترك الاشیاء، سأضع ألف قفلٍ على الباب، سأترك ھرمى مغلقا قد یفتح یوما، لن أعود إلى أشیائى ولن تعود أشیائى إلى، حنطتھا وعشت بین الأموات، سأترك الاموات فى غرفتى." في عراء القمع والألم، وفي زمن انهيار القيَم، ووسط مدٍّ عنصريّ وتعصّب، ونموّ لفاشيّاتٍ متنوّعة تحاول وأد ثقافة الإنسان في عالمنا العربي، كان لابد من الرحيل. "كان إختیاره إلى بلاد الضباب، التى ذكر لى أنه خبرھا، ھو ذاھب ولم أتمسك بالأسباب ولم استفسر، فللصعالیك عادة الترحال."

في لحظة المفارقة، يقول الصعلوك لزميله: "أنا لست خائنا، أنا لست ھاربا، أنا لا أستطیع تحمل سماع ورؤیة من یھلّل للفرعون، أنا لا أستطیع أن أرى غیر نظرة البراءة فى عیون الأطفال، أنا مھاجرٌ غریب من وطن صرت فیه غریباً، یوم رأیت الطفل إبن المستشار بنظرة غریبة في عینيه، نظرة نُزعت منھا البراءة، صرت غریباً فى وطنى، یوم أجبرت فوھةُ بندقیة، جیتارى على الإستلقاء مقھورا محدّد الاقامة فى غرفة فندق، وحیدا تشتاق أوتاره لأنشودة حریة، ولرؤیة أمواج البحر تھتز."

لا تيأس أيها الصعلوك النبيل، إنهم يعتقدون أنهم قادرون على تمزيق الكلمات كما يمزقون أشلاء ضحاياهم، لكنهم ينسون ويريدوننا أن ننسى، أن الكلمات تستطيع أن تنهض من ركامها وتستعيد معانيها، وأن الدم الذي يريدون به محو الكلمات، مؤهلٌ لأن يصنع كلمات جديدة قد تنام الآن تحت وطأة الخوف، لكنها لا تموت.

وفي العلاقة بين الصمت والكلام، نكتشف أنّنا نواجه احتمالات أن نكتب بلا إطار يلمّ أطراف النص، ويأخذه إلى معنى. هل هذا ممكن؟ وبمقدار ما يتمّ تهميش الألم، والاعتياد عليه، بمقدار ما يصير الموضوع خارج الموضوع. هل يستطيع الألم أن يشكّل إطار حكاياتنا؟ أشعر اليوم بأنّ واقعنا تجاوز الأمل ومعادلة التفاؤل والتشاؤم، لأنّنا نعيش مرحلة ما بعد اليأس. "وبالنھایة سنكتشف أن من صنع النصر دائما ھو الجندى المجھول، ولیس من نراه بنیاشین النجاه من الحرب لبقاؤه فى التحصینات، سنعرف أن الحضاره صُنعت بید من لم یطلب الجاه لنفسه، بل من طلب الانسانیة للجمیع. سنعرف أن الصعالیك النبیلة نزلت الى الجحیم باختیارھا، وحاربت الغیلان بكلمتھا فى قصص أسطوریة لا تنتهي. وفى جحیم جمھوریات الموز ھناك الكثیر من الصعالیك لم نعرفه، یحترق لیبنى لنا جسراً بین أخلاقنا ومستقبلنا. الإسم لا یھم والمھنة لا تھم. الاسم صعلوكٌ، والمھنةُ أیضا صُعلوك، والنبالة ھدف یتوائم مع الوسیلة التى لا تتخلى عن أخلاقیاتھا، وھكذا كان ولا یزال الصعالیكُ النبلاء، وعند الاقتراب منھم، لا یسعنا سوى محاولة تذكر حكاویھم الشفھیة، لتبقى حافظةً لھویتنا لحین عودتنا الى العالم، بعد التخلص من الشمولیة التي صنعت من بلادنا أرخبیلاً خرموبولیسياً لابد من انقاذه ." لقد وصلت فضيحة أنظمة الاستبداد إلى نهاياتها الإجراميّة المخيفة، محوّلةً احتمالات النهضة التي رفعت شعارات الخبز والحرّية والديمقراطيّة، إلى كابوسٍ من الثورة المضادّة التي تحاول إعادة تأسيس الاستبداد والطائفيّة والتمزّق الاجتماعي، وإطفاء الضوء في العيون. فماذا نحن فاعلون؟ زمننا المثاليّ المفترض يتكشّف عن صعوباته الكبرى، إنّه زمنٌ للرعب، لكن عبثيّة صراعاته وقَمعه المتوحّش، ليست علاجاً ضدّ الرعب، بل قد تكون سبباً إضافيّاً لفرض الصمت، بصفته اللغة الأخيرة التي لا تزال قادرة على التقاط المعاني. فهل هذه اللحظة التي نعيشها، هي صمت ما قبل الكلام، أم صمتٌ يدوم بلا كلام؟.




   نشر في 16 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا