أربعة أيام في القرآن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أربعة أيام في القرآن

بحث تفسيري

  نشر في 02 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 06 غشت 2019 .

من أجل تعميم الفائدة و إزالة الغموض الذي لاحظته عند بعض المتسائلين عن تضارب أعداد الأيام و تناقضها في الأذهان فيما يخص بعض آياتٍ من القرآن التي جاء فيها مثلا خلق السماوات و الأرض في ستة أيام و مثيلاتها التي تحتوي على "عدد أيام" كخلق الأرض في يومين إلى آخر ذلك، ارتأيت أن أنشر مقالا و بحثا لي يشرح جانبا من المسألة و المتعلق بمعنى 4 أيام المذكورة في القرآن لهدف أخذ صورة قياسية عن ذلك و التأكيد على أنه لا تناقض في القرآن أبدا إنما هو في الأذهان فقط يولّده في معظم الأحيان أو في كلّها غياب صحة التأويل و إدراك المفاهيم.

■ نعلم جميعا أن الفصول الأربعة يتعلق بها ما يلي:

1) متساوية في الزمن: 4 فصول كل منها 3 أشهر بالمفهوم الكلي للأرض و ليس بالمفهوم الجهوي للمناطق فعندما نقول الربيع نقصد به الربيع العالمي و ليس الربيع الأمريكي أو الإفريقي أو الصيني مثلا.

2) مسؤولة و عامل أساسي في إنبات مختلف النباتات و الثمار التي يقتات منها الناس و الكائنات الأخرى. فهناك مثلا ثمار شتوية و أخرى صيفية، إلخ... و المحاصيل الزراعية ذات علاقة واضحة و جلية بالفصول الأربعة. و لولا التغير المنتظم لأجواء الأرض و مناخاتها الفصلية المختلفة لمات أهل الأرض جوعا قبل أن يموتوا اختناقا و يبدو أن حملات الحفاظ على التوازن البيئي و الدفاع عن سلامة البيئة و الحث عليها علميا و عالميا و سياسيا دليل واضح على ذلك. هذا من جهةٍ.

من جهةٍ أخرى نعلم أن الكلمات في أكثر اللغات البشرية تحمل أكثر من معنى واحد، كذلك في اللسان العربي الذي جاء القرآن به.

فكلمة يوم في العربية لا تعني فقط اليوم المعروف مثلا بأن الأسبوع 7 أيام بل تعني كذلك المرحلة و المدة الزمنية النوعية لاسيما إذا قورنت بمرحلة تُساويها في الزمن أو تتلوها و تكمّلها. اليوم الأول و اليوم الثاني تأتي بمعنى المرحلة الأولى و المرحلة الثانية أو الحقبة الأولى و الحقبة الثانية. فاليوم الأموي تعني مرحلة الدولة الأموية و اليوم العباسي تعني المرحلة العباسية. مثال من القرآن: "و تلك الأيام نداولها بين الناس" لاحظ كلمة "نُداولها" المشتقة من "دول" مثل التداول و الدولة.

كلمة سائل لها عدة معاني: الماء مثلا سائل من السوائل. و سائل: الذي يسأَل بمعنى الاستفهام (نجد في القرآن: "سأَل سائلٌ"). و سائل بمعنى طالب مثل: أسال الله العافية أي أطلبها منه. و من معانيها البلاغية الجميلة: ذو الحاجة إلى الشيء و الضروري له ولو لم يسأله و لم يطلبه. فالسائلون بهذا المعنى العربي البليغ هم المحتاجون إلى شيءٍ و لو لم يسألوه و يطلبوه بلسان المقال لأنهم سائلوه بلسان الحال كالسيارة التي تسأل الوقود دون أن تتكلم لأن حالها يحتاجه و يطلبه و يسأله. و آتاكم من كل ما سألتموه: أي ما تحتاجون إليه وضروري لكم و لسان حالكم يسأله...

■ يقول القرآن فيما يتعلق بالأرض: "وَ بَارَكَ فِيهَا وَ قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ" فصلت 041-10.

■ لاحظ الكلمات:

وبارك فيها: أي في الأرض. انظر كيف بورك في الأرض، مياه، أنهار، بحار، أسماك، أشجار، حشرات، طيور، حياة، رياح، خضرة، أمطار، ثلوج، هواء، جو،............ وفرة كل شيء في الطبيعة الأرضية بشكل زاخر وحتى زائد عن الحاجة و في منتهى الروعة و التوازن و العجب. كلمة بارك الله في الأرض مدلولها طويل و عريض مما نعلمه وما لا نعلمه و هو الأكثر بكثير. غير أنه من البديهي و الجلي أن كلّ ما ذكر ونحوه ينعدم بانعدام الفصول واختلافها على الأرض مما يرينا أنها من الأسباب الأساسية التي بارك الله بها في الأرض مع أنه هو القادر على كل شيء بالأسباب و بغير الأسباب و مشيئته لا محالة نافذة.

قدّر فيها: فيها (في الأرض) لماذا "فيها"؟ (قدّر فيها أقواتَها) لأنها تدل على أن تقدير أقواتها متعلّق بها و بحالها (الأرض) و بدون كلمة "فيها" (قدّر... أقواتها في 4 أيام) يفهم منه أن تقدير الله لأقوات الأرض هو الذي استغرق 4 أيام و هذا لا ينبغي للذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون.

التفصيل اللغوي لعبارة: "قدر فيها أقواتها في أربعة أيّام" هو "قدر اللهُ في الأرض أن تكون أقوات الأرض في أربعة أيام". و لا ينبغي أن يكون المعنى أن الله مكث 4 أيام في تقدير ذلك كما قلنا، و الأيام هي المراحل و الأطوار سواء كانت متكررة بانتظام كفصول السنة و الدورات اليومية و الأسبوعية و الشهرية و السنوية و الفلكية بوجه عام، أو متتالية كمراحل عمر الإنسان: الرضاعة ثم الصبى ثم الطفولة ثم المراهقة ثم الشباب ثم الكهولة و هكذا... و كذلك عمر الكون الذي ينقسم منذ نشأته إلى ستة مراحل أساسية مختلفة الجوهر و الخصائص حسب ما توصل إليه العلم الحديث. و لا يعقل و لا ينبغي أن نفهم من الآية: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ..." أن الخالق سبحانه احتاج أو مكث مدة زمنية لعمل ذلك كشأن المخلوقين، فهو سبحانه لا يحده زمان و لا مكان و هو أزليّ بذاته الكاملة و صفاته الكاملة و إذا أراد أو شاء شيئا يكون حتما و كما أراد و شاء (كيفية و مكانا و زمنا أو غير ذلك) إنما المفهوم الصحيح أنه بإرادة الله و مشيئته جعل الكون (السماوات و الأرض و ما بينهما) يحتاج إلى تلك المراحل ليكتمل خلقه كمثال مراحل عمر الانسان كما أسلفنا. مع العلم أن الزمن (الوقت) و المكان (الفضاء) مخلوقان من مخلوقات الله يتحكم فيهما ككل مخلوقاته بكمال علمه و حكمته و قدرته و ما نعلم و وما لا نعلم من صفاته الكاملة ككمال ذاته.

-أقواتها: أقوات الأرض، ما يقتات منه كل ذي حاجة من سكان الأرض إلى القوت أو الغذاء. و جمعها في صيغة "أقوات" بدل "قوت" يدل بوضوح على التنوع من جهة القوت فهو أنواع متنوعة، و من جهة المقتات فهي كائنات مختلفة و متنوعة منها الإنسان و الحيوان و النبات. كل حسب حاجته (التصنيف النوعي يمكن أن يكون من الجهتين) و الكلمة: "أقواتَها" هي المعنية قطعا و بلا شك بتقدير الله في الآية لأنها المفعول به للفعل "قَدَّرَ" و فيها: )في الأرض. (

- أربعة أيام: تقدير الله للأقوات في أربعة أيام إشارة جلية إلى العلاقة الموجودة بين هذا و ذاك: الأقوات و الأربعة أيام، مما يدل على أنها ليست إلا الفصول الأربعة.

- سواءً: ما دور هذه الكلمة في النص إذا كانت لا تعني التساوي؟ لاسيما أنها تلت عبارة أربعة أيام مباشرة مما يدل على أنها وصف لها بمعنى: 4 مراحل متساوية (في أربعةِ أيّامٍ سواءً).

- للسائلين: للكائنات التي تحتاج إلى تلك الأقوات و معها الناس و هي ضرورية لهم و التي لسان حالهم يسألها و لو لم يطلبوها بالقول فهم إذن سائلون.

من هنا يتضح جليا و منطقيا أن ما تعنيه الآية هو الأربعة فصول السنوية لاسيما مع ورود كلمة "أقوات" ضمن الجملة القرآنية ذات العلاقة الوطيدة بدورات الفصول و قد تعني كلمة "سواء" إضافة إلى تساوي الفصول الزمني تساوي السنوات الشمسية التي تحتويها و تتكرر دائما بنفس الوتيرة و ترتيب الفصول في نظام دوري دائم أقل ما يقال عنه أنه من عجائب صنع الخالق.

و من العجيب الغريب، مع هذا الوضوح الجليّ البعيد عن الإبهام و التشابه هناك من يذهب بعيدا في محاولة لتعديل التناقض المزعوم بين طريقتين لحساب مجموع الأيام أحدهما ينتج عنها 6 و الأخرى 8 أيام من أجل معطيات خاطئة وهمية في فهم معنى كلمة "أيّام" ثم بالتالي اتخاذها وحدة مشتركة للأرقام فينتج حسابيا أن 6 أيام = 8 أيام لأن كل إقلاع خطأ في العمليات الحسابية مهما كانت بمعطيات خاطئة تؤدي حتما إلى نتيجة خاطئة ثم بالتالي إلى التبريرو محاولة الدفاع عن الوحي بالخطأ أو التكذيب و كلاهما على درجة من الباطل.

و مع هذا لا يسعني أخيرًا، تأدُّبا مع الله العظيم، إلا أن أقول: الله أعلم.

سعيد الجزائري يوم 01 جوان 2018

بريد الكتروني: jobmail2000@gmail.com


  • 1

   نشر في 02 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 06 غشت 2019 .

التعليقات

مريم منذ 3 سنة
طرح جميل رائع.
حقيقة تفسيرك مقنع يدعمه اسلوبك السهل وتنظيمك للمقال فى نقاط.
جزاك الله خيرا.
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم











عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا