بنــو فوتبائيل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بنــو فوتبائيل

حميد بن خيبش

  نشر في 12 فبراير 2016 .

ليس في حب الرياضة ما يشين المرء أو يحط من قدره، فالسنة النبوية التي حددت للمسلم معالم السير تحث على تعلم فنون رياضية محددة تؤهل البنية الجسدية،وتحقق الجاهزية عند استدعاء للفرد لأداء مهام تستلزم التحمل والثبات والكفاءة العضلية.لكن العقل والنقل متفقان على أن الشيء ينقلب إلى ضده إذا زاد عن حده،وأن تفاعل الإنسان مع محيطه محكوم بميزان الاعتدال الذي يهدد اختلاله مقومات الوجود البشري،وينأى بالإنسان عن المسار الذي اختطه الحق سبحانه ودل عليه في محكم التنزيل .

إن كرة القدم التي ظلت حتى الأمس القريب لعبة شعبية،أضحت اليوم صناعة عالمية تقف خلفها آلة دعائية مريبة،لا تكتفي باستنزاف الجيوب فحسب،بل تعيد النظر في القيم و الأخلاق وسبل التعايش بين الأمم.وامتدت أذرعها الإعلامية و الإعلانية لتسيطر حتى على عقول الصغار ووجدانهم،وتخلف رضوضا قيمية وتربوية تعجز مؤسسات التنشئة الاجتماعية عن التصدي لها.ومن يرصد حجم المتابعة الهائلة لمنافسة كروية،والتفاعل مع سيل الأخبار المتعلقة بصفقة انتقال لاعب أو تكلفة توقيع عقد يدرك أن هناك هوية مصطنعة بصدد التشكل, وجيلا يعلن ميلاده في الملاعب و على المدرجات.

لقد بلغ الشغف بالكرة المستديرة حد الجنون،وصار للخبر الرياضي وقعه الذي يضاهي وقع مآس يومية تكابدها الأمة.ولم يعد مثيرا للاهتمام مرأى صبي في العاشرة من عمره يسرد قائمة اللاعبين في فريق رياضي بتفصيل دقيق،يشمل جنسياتهم و سيرهم الذاتية والمبالغ التي تقاضوها للانتقال من منتخب إلى آخر،في حين لا يعدو بلد مسلم كفلسطين أو سوريا في رأيه،مفردة تتردد بين الحين والآخر في نشرات الأخبار !ورغم تعدد الآثار الجانبية لهذا الشغف، وانحراف الممارسة الرياضية عن المثل و المبادئ التي تزعم الولاء لها،إلا أننا لا نلمس تعاطيا جادا مع الظاهرة,أو سعيا للحد من كلفتها الاجتماعية الممثلة تحديدا في تصاعد وتيرة العنف في الملاعب،والانجذاب المفرط لعالم الكرة اللامتناهي.

يشكل "بنو فوتبائيل" علة أخرى تنضاف إلى هموم الواقع الإسلامي المعاصر.إنهم تكتل من الصغار و المراهقين يتضاعف باستمرار بفعل التغطية الإعلامية المكثفة للحدث الكروي.جيل يطوف كل يوم حول وثنه الرياضي،لاعبا كان أو فريقا.يعلن له الولاء ويقاسمه أفراحه وأتراحه، ويدافع عن قميصه وألوانه بأساليب تتراوح بين المحاكاة الفجة للباس وقصة الشعر أو الانضمام لميليشيا العنف و الشغب الرياضي.

جيل يؤجل ترتيب أولوياته أو الاندراج في مجتمعه بشكل إيجابي إلى حين تحقيق وثنه الكروي لكل الألقاب,وتحطيمه لكل الأرقام ،ونسفه التام لكل خصم أو منافس في رقعة الملعب !

جيل يؤمن بأن خسارة مباراة لا يقل فداحة عن هزيمة الأمة أمام عدو غاشم مما يبيح كل أشكال التمرد،وأن تحقيق الفوز فيها بمثابة انتصار قومي يعيد للأمة أمجادها، وبالتالي ينبغي تخليده في سجل التاريخ !

جيل يدق ناقوس الخطر حول جدية التصدي للآثار الجانبية التي يفرزها الهوس الكروي،وفي مقدمتها :

* الولاء و الانتماء : فعدد من الأسر المسلمة لا تخفي اليوم عجزها عن بلوغ التربية المثلى المتضمنة للمبادئ الإجمالية التي نص عليها الشرع الحكيم، في ظل مزاحمة الفضائيات و شبكة الانترنيت لجهود الأبوين.غير أن تنشئة الطفل على الولاء لدينه وهويته وقيمه أمر بالغ الخطورة،ولا يمكن التهاون في تحقيقه ومتابعته،لأن تقديره لذاته وإحساسه بالانتماء لنسق متين من المثل و القيم و المعايير يحصنه ضد الاستسلام لمغريات الولاءات البديلة،كتلك التي لا تكف الترسانة الدعائية لكرة القدم عن تحريكها وإثارتها.

* القدوة : فمناهجنا التعليمية التي تعرضت في الآونة الأخيرة لعمليات قص وتشذيب أفرغتها من نماذج القدوة والتأسي التي يزخر بها تاريخنا الإسلامي، لم تترك لصغارنا خيارا غير الاستسلام للنماذج التي يطرحها الإعلام .وهي نماذج لا يختلف اثنان حول رداءتها وابتذالها، وتشويهها لمعاني البطولة و الجهد الإنساني البناء. فبين لاعب و طبال وراقصة لا يملك أبناؤنا غير الانسياق و التقليد و المحاكاة ،مما يفرز أجيالا هشة لا تطمح سوى للركون إلى الملذات و الاستجابة لغرائزها السفلى.لذا فإن تنشئة صغارنا على التأسي بالعظماء والأفذاذ هو تحد آخر ينضاف إلى جملة التحديات التي ترهن حاضر المسلم المعاصر و مستقبله.

* التحيز والتعصب: فالمفارقة باتت واضحة بين ما يروج له "الخطاب الكروي" تحديدا من قيم ومثل،وما يعكسه واقع المنافسات و البطولات.إذ أصبحت المدرجات فضاء لإثارة النعرات القومية وكل أشكال التعصب و العدوان ونبذ الآخر.بل خلصت بعض الدراسات إلى أن وسائل الإعلام الجماهيرية تسهم عبر إلهاب حماس المتفرجين في خلق أجواء مشحونة بالسلبية و الكراهية مما يعكر صفو المنافسات,ويسيء لمبتغى تحقيق السلام و الوئام و المحبة(*).بل إن النقل المباشر للمباريات يعتمد اليوم على مذيعين يجيدون اللغة المشتركة بين الملاعب و المعارك،فلا عجب أن تندلع النيران في المدرجات وتُدق طبول الحرب! لذا فاستعادة الأهداف النبيلة للرياضة عموما هو مطلب يستمد وجاهته من الكلفة الباهظة التي باتت تخلفها التظاهرات الكروية إن على المستوى المادي أو الأمني أو الاجتماعي.

* فك الارتباط : فخلف كل لاعب "نجم" تختبئ آلة دعائية ضخمة,وشركات تسعى لترويج منتجاتها وتحقيق أفضل المبيعات بالاعتماد على شعبية اللاعب و قيمته الإعلامية. لن ننكر أن الرياضة عموما لم تعد فضاء للترويح و المنافسة بقدر ما أصبحت صناعة قائمة بذاتها تبحث عن أسواق وعملاء جدد.لكن حين يتعلق الأمر بالصغار فنحن مهددون بجيل من المستهلكين لا يكف عن الإلحاح لإشباع رغبته في اقتناء كل جديد،وأمام وضع كهذا تشعر الأسر المتوسطة و الفقيرة بعبء إضافي يُلزمها بالاستجابة أو الرفض الذي يغذي ميل الطفل صوب بدائل تيسر الولوج إلى عالم الشغل المبكر أو الجريمة! إلا أن فك الارتباط هنا ينبغي أن يتم على مستوى الأسرة و المدرسة،من خلال التوعية و ترسيخ قيم الإنتاج و الكسب و الجهد البناء.و الحد من سلطة الإشهار المقيتة على عقول الناشئة.

* التنفيس بدل المعالجة: يسود الاعتقاد بأن الحشد الرياضي هو أهم الحشود الاجتماعية التي تتيح للأفراد التنفيس عن مشاعرهم المكبوتة ،و التحرر النسبي من ضغوط المجتمع المحكوم بآليات الرقابة المتعددة.بل يعتبره البعض فضاء لتصريف الطاقة الزائدة التي قد تفلت من زمامها في الخارج لتكتسي طابع الانحراف السلوكي.إلا أن الواقع يُكذب هذا الطرح، فالمجتمع الذي يعاني من الفقر و العنصرية و التفسخ،يقول الدكتور أمين الخولي في كتابه (الرياضة و المجتمع)،تتحول ملاعبه هي الأخرى إلى ساحات قتال وأرض مناسبة للصراع الاجتماعي.فإذا استشرى العنف في المجتمع تأثرت الرياضة أشد التأثر،وإذا ما سعى السياسيون و رجال الأعمال للنجاح بأي ثمن تحول المناخ الرياضي إلى مرتع للفساد بما في ذلك الرياضيون و الإداريون و الحكام .لذلك تظل النداءات المتواصلة من لدن القائمين على الشأن الرياضي بنبذ العنف و التحلي بالروح الرياضية و قيم المحبة و التعاون حبيسة التصريحات المنمقة و الاستوديوهات المكيفة.وحدها المعالجة الرصينة و الموضوعية لاختلالات المجتمع ستشكل مدخلا لاستعادة نبل هذا النشاط الإنساني.

في عالم منقسم إلى بؤر مشتعلة وأخرى قابلة للاشتعال في أية لحظة،لا يزال الصوت الهادر للمعلق الرياضي عند انطلاق كل مباراة يردد على مسامعنا تراتيل المحبة و الإخاء التي تحرص كرة القدم على تحقيقها،رغم علمه يقينا بأن الآلة الإعلامية والدعائية التي تسوق للحدث لا يهمها غير صناعة الفرجة,وهز المشاهد ودغدغة نظامه الحسي إلى الحد الذي ينسلخ فيه عن واقعه ليتحول إلى ترس في آلة تولد العنف بصيغ أكثر تهذيبا ومراوغة.

إذا كان قدر الكرة المستديرة أن تتقاذفها الأرجل،فهل يصح أن يكون قدرا لأمة؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) : يُراجع كتاب : علم الاجتماع الرياضي للدكتور إحسان محمد الحسن.دار وائل للنشر .عمان 2005 .



   نشر في 12 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا