قدري أنِّي صحفي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قدري أنِّي صحفي

لا أرسم لوحة سوداء لواقع متشابك تتوه فيه الحقائق حتى على المتخصصين، لكن ما يؤلمني حقًا أن أصبح «الرأي المستقل» حبلَ مشنقةٍ يصنعها الصحفي أو الكاتب بنفسه

  نشر في 27 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

لا أجد مدخلاً لموضوعي أعبِّرُ به عن كمِّ الأفكار المُتدفقة إلى ذهني، أو الآلام المُتجذرة بجسدي والآهات المُخالطة لدمي، جرّاء ما وصلت إليه مهنة «صاحبة الجلالة»، لكنِّي أزعم أنَّ ما يدور في نفسي ويُؤجج مشاعري الآن مُتطابق في كثير منه مع عدد من زملائي الصحفيين.

حين لا تستطيع أن تكتب ما تقتنع به أو تقتنع بما تكتب، فكبّر على قلمك أربعًا، واسلك طريقًا من الأشواك، في زمن لم يعد فيه لكلمة الحق أي وزن، أو للصراحة أي قيمة. حين أضع رأسي على الوسادة آخر اليوم وتتقاذف إلى ذهني مئات بل آلاف الكلمات التي لم أكن للحظة مقتنعًا بها أو على الأقل بجزء منها، لا وصف وقتها يمكن أن يعبر عن مشاعري حين يُراودني ذهني بأنِّي أسيرُ مُقبلَ اليدين. نعم طليق لكنِّي مُقيدٌ، على الأقل لا أستطبع أن أقول ما بداخلي وتلك مصيبة.

أوقفتني مقولة للكاتب الأمريكي دان برون قال فيها: «أكبر مأساة في العالم أن تكون كاتبًا»، بالتأكيد إن لم يقصد برون الصحفي في مقولته، لكنه جسّدًا واقعًا عامًا يعيشه كل من يمسك بيده قلمًا ليكتب ما يقرأه الناس أو يشاهدونه، تلك في حد ذاتها أكبر المآسي، ضمائرنا لن تسامحنا والأكبر منها أولادنا حين يكبرون ويقرأون ما كنا نكتبه ما مبررنا؟

نعم أعلم أن التطلع إلى «الصراحة الكاملة» حلم صعب المنوال، على الأقل في عالمنا هذا الذي تخلي عن كل معاني الحيادية، غير أن ثمة خطوطًا النزول أسفلها يمثل دناءة في حق أنفسنا. أقصد بتلك الخطوط التي وصفها أستاذنا فهمي هويدي بـ«الصراحة الواجبة» التي دونها لا يجد الصحفي أو الكاتب مبررًا لاشتراكه في المفاسد أو الترويج للأكاذيب حتى يكون عونًا للباطل، وتلك مرحلة يصل الصحفي إليها دون أن يدري.

لا أرسم لوحة سوداء لواقع متشابك تتوه فيه الحقائق حتى على المتخصصين، لكن ما يؤلمني حقًا أن أصبح «الرأي المستقل» حبلَ مشنقةٍ يصنعها الصحفي أو الكاتب بنفسه، لا أعني الرأي المستقل المعارض فقط بل حتى المؤيد؛ حين يُغالي في تأييده فهو أيضًا أصبح في غير مأمن من بطش متعصب لرأي معارض، مع أنني لا أبرر التصرفين لكن قواعد الإنسانية، وليست الحرية، تفرض علينا أن نحترم أي مخلوق من طين، ذلك أن رأيه يُعبر عن وجوده كشخص وإنسان يفكر.

كثير من الزملاء، وأزعم أني واحد منهم، يكون موجودًا حيث توجد الحقيقية ويسلك طريقها أينما هي تكون، فتلك مهمتنا ومهمة الصحفي البحث عن في أعماق الحقيقة، غير أنِّي وقتها أندم أن جعلني الله صحفيًا. تأنيب الضمير لن يكون سهلاً حين تمتلك حقيقة وتكتب غيرها، حين تبذل جهدًا للوصول إليها ويُمنع نشرها أو تخشى أنت كشفها.. نقول وقتها ليتنا لم نعرف الحقيقة.

كثيرًا ما أختار التزام الصمت حين لا أستطيع أن أحقق حد الكفاف من الصراحة الواجبة، أو أكتب بإسقاطات هروبًا من الواقع أو تصبيرًا لنفسي التي تراودني، غير أن الضمير لا يعرف مراوغة، يكون دائمًا حاضرًا كظل إنسان أترقبه ولا أستطيع محادثته. نعم أعترف كنت كثيرًا جبانًا أخشى المواجهة معه، كنت أحيانًا أخوض غمار حربٍ نفسية ثم أرتضي المواجهة ساردًا مبرراتي الجمَّة، لكنَ «تحايل النفس ومبرراتها» لا يمكنها كسر صخرة الحق وقوة الصراحة حتى أعود وأقول لنفسي «قدري أنِّي صحفي».



  • 6

   نشر في 27 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

ابو البراء منذ 5 سنة
لا تتهاون سيدي ولا تتنازل بل كرس وقتك وجهدك لتنتصر في حربك !!
ما اجمل ان تكون عنيدا في الحق حتى لو اضطررت ان تضحي فلكل شيئ ضريبة ولابد ان تكون هناك ضريبة لكلمة حق تسعى لقولها ونشرها وكشفها
وفقك الله وادام الله قلمك.
0
محمود غريب
بارك الله فيك يا صديقي الله المستعان

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا