"نوّارة" و"تغريد" في بدون ذكر أسماء.. تطبيق واقعي لتجربة سجن ستانفورد - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

"نوّارة" و"تغريد" في بدون ذكر أسماء.. تطبيق واقعي لتجربة سجن ستانفورد

  نشر في 15 أكتوبر 2022  وآخر تعديل بتاريخ 20 أكتوبر 2022 .

لوحةٌ فنيةٌ أخرى يخط بدايتها السيناريست " وحيد حامد" في رائعته "بدون ذكر أسماء"، كشعاع لا تقيّده نهايات يخترق هذا العمل خلجا النفس ويضعنا وجها لوجه أمام مفارقة أخرى لتعقيدات بشرية بدأت ببذرة وامتدت جذورها إلى أبديةٍ حتمية، من خلال عدسته يُطلعنا الكاتب على نبتتين شديدتي التباين برغم انبثاقهما من نفس البذرة و تسميدهما بذات القيم، نوّارة "حورية فرغلي" وتغريد " سهر الصايغ" نموذجين آلفتهم العيون من كثرة تكرارهما في بيوتنا المصرية، نشأتا بين جدران عِمادها الكرامة والعفة-وفقا لمعيار بيئتهم-حتى وإن لم تجود عليهم دنياهم بما يصلب هذه الجدران، يستقر في نفسك أنك تشاهد روحين أُخريين ربطتهما الحياة في ساقيتها ولا يستطيعا الفرار، حتى تتوقف ترسانتها بُغتةً عن الدوران وتضعهما أمام اختبار حقيقي، ليتضح لك من المسجون فعليا ومن كان سجّانا ينتظر استلام مفاتيح القفص ليحبس خلفه كل من تطاله يده، ومرة أخرى تذوب الفواصل بين التجارب العلمية وتجاربنا الواقعية، فلا يفصلنا سوى بضعة أشهر لتتم تجربة سجن ستانفورد عقدها الخامس، وبخلاف قوانين التأريخ فإن هذه التجربة تترسخ نتائجها بزيادة عمرها، وليس للزمن أثر عليها غير تنفيض الغبار عنها.

سجن ستانفورد، تجربة علمية أم محاكاة حياتية..!

في أغسطس عام ١٩٧١، قام الدكتور فيليب زيمباردو بتجربة علمية على طلبة جامعة ستانفورد، حيث أسس سجن وهمي في الطابق السفلي لقسم علم النفس بالجامعة، واختار ٢٤ متطوعا استوفوا معايير السلامة النفسية والأهلية للتجربة، وقام بتقسيمهم"عشوائيا" إلى سجناء وحراس للسجن، القانون الوحيد السائد في تلك التجربة أنه لا يوجد قانون، وكي يزيد من محاكاة التجربة للسجن الواقعي جرّد السجناء من ملابسهم وهويتهم وأعطاهم أرقام بدلا من أسمائهم، أما السجّانين سلمهم الملابس الخاصة بهم و نظارات سوداء وعِصي، والأهم من ذلك سلمهم سلطة مطلقة، كانت نتائج التجربة كالتالي: نظم المساجين تمرد، شعر الحراس بالتهديد فشنّوا عمليات تفتيش عنيفة عليهم، وسبّوهم بأبشع الألفاظ، طبّقوا عليهم بعض أعنف أنظمة التعذيب مثل الحرمان من النوم، أخذ الوضع في التردي يوما بعد آخر حتى تملّك الذعر من الطبيب نفسه، وأنهى التجربة بعد ٦ أيام فقط بدلا من أسبوعين.

"اللي بناها ده مصر كان في الأصل حلواني"

ابنتا العم ربيع "عبد العزيز مخيون" وهو حلواني لا يملك من الدنيا سوى عربته التي تمثل قوت يومه، تتفنن الفتاتان مع أمهما في صناعة البسبوسة والكنافة وغيرها من الحلويات التي يقضي أبوهما ما بقي من يومه في بيعها، بملامح لم تمحُ كرب الحياة من جمالها شيء، تطلعت الفتاتان إلى الدنيا من خلف قضبان وهمية فُرضت عليهم تحت شعار "امشي جنب الحيط"، ينجحن في سلب تعاطفك معهن مخاطبا نفسك أن المغالاة في القيم تماما كانعدامها.. كلاهما يقتل صاحبها، ويرافقك تعاطفك حتى عندما تختار الابنة الكبرى "نوّارة" الزواج من مِعتمد "وليد فواز" وهو فني تكييف يتخذ الدين غطاء يتوارى خلفه طبائعه الحيوانية وسلوكه البغيض، ثم تأخذ مشاعر التعاطف تلك في التحوّل إلى علامات استفهام تحيط بهذه الفتاة التي رُسم لها طريق الهروب أكثر من مرة ولكنها اختارت أن تكون "ضحية" حتى آخر المطاف متعللة بأن المجتمع هو من يدفعها لأحضان الزوج منعدم الإنسانية، يختفي الزوجان عن العدسة برهة من الزمن حيث سافرا إلى السعودية ليشقوا طريقهم، وحين عودتهما تتضح بعض علامات الاستفهام التي طالما أحاطت بشخصية نوّارة، تنزاح الغشاوة عن أعيننا حين نرى تلك الفتاة المنكسرة التي عرفت معنى أن تكون حبيس ظروفٍ موحشة قد "تخلجنت" هي وزوجها وحاكت مظاهر أهل الخليج دون قيمهم وطبائعهم، بل وتمادت في حلّتها الجديدة أن قامت بتثمين أختها الصغرى وبيعها لعريس خليجي ثري سيضمن لها ولزوجها رغد العيش، وهي تعلم أن اختها قلبها معلق بشخص آخر تواعدا على الارتباط الأبدي، ومارست كافة طرق التعذيب النفسي لتتحول بذلك من مسجون إلى سّجان يهوى السلطة لا الحرية.

"لا يرتدي كل الأبطال عباءة" مثل أمريكي

ثم تطل علينا تغريد ذات الدور الثانويّ في مشاهده الجوهري في هذه المفارقة، إيمانها بحريتها لم يخلق منها وحشا يفتش عن عرينه، حين سجلتها "نوّارة" في كشوف مساجينها تحت التعذيب لم تتخلى عن إنسانيتها دفاعا عن نفسها، سنّت سيفها لتكسر به أقفال سجنها دون أن تمس قيمها ولا حتى سجّانيها، عاركت الحياة بأخلاق الفرسان حتى وهي تتخلى عمن اختاره قلبها كي تحمي ذويها من عواصف زمنية، لم تضغط على زر التفجير النووي لتلك الحكاية، بل وضعتها في عداد المعركة الخاسرة لا الحرب المنتهية، وبالفعل تكون لحظة تلاقيهما "تغريد وحبيبها" مرة أخرى هي المشهد الذي اختاره صناعّ العمل مطلقا صافرة النهاية لجميع الحكايات، ولكي تكون لنا خيط أمل جديد لحياة تكسوها قيم إنسانية لا تحكمها ظروف مجتمعية.

أما عن "تغريد" في أرض الواقع تلعب دورها واحدة من مساعدي العالم النفسي "زيمباردو" حين أطلقت صرخة تنبيه في وجهه مستغيثة بجانبه الإنساني كي يوقف تلك التجربة قبل موعدها المحدد، وتذّكره بأن هؤلاء الطلبة ليسوا مساجين ولا حرّاس سجون، بل هم مجرد فتية صغار السن، وأن مسؤولية تلك التجربة تقع كاملة على عاتقه، والآن وقد تبين لنا البطل الخفي وراء إنهاء هذه الكارثة الإنسانية، هل تظن أن لا مبالاة "زيمباردو" وحاجته لمن يوقظ غفلته عطشا علميا، أم أنه وقع ضحية لأفكاره و انضم لصفوف السجّانين؟


  • 1

   نشر في 15 أكتوبر 2022  وآخر تعديل بتاريخ 20 أكتوبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا