الحمض النووي و تنافس علماء الغرب - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

الحمض النووي و تنافس علماء الغرب

سميرة بيطام

  نشر في 03 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

لقد تطور الطب في الآونة الأخيرة تطورا مذهلا ، خاصة بعد أن وقف على البنية الأساسية لجسم الانسان فيما أطلق عليها اصطلاح "الجين" و تكاثفت كل الجهود فيما يعرف بمشروع "الجينوم البشري العملاق" الذي يضم مئات من العلماء و الباحثين من مختلف الجنسيات بدعم سخي من الدول الكبرى و المتقدمة في هذا المجال ، و أكيد ستغير أساليب الطب في العلاج ، فضلا عن التغيرات الاجتماعية و الاقتصادية الأخرى التي تحتم على علماء الدين أن يقفوا وقفة متمعن لإعجاز القرآن الذي غاص في مكنونات التركيبة الآدمية في توصيف أحكام الله تعالى في كل المستجدات و المستحدثات التي تهم البشرية في مجال البحوث العلمية .

بداية الظهور الحقيقي لاكتشاف الحمض النووي في منتصف الثمانينات ، و لو أنه سبقته محاولات قبل ذلك ، و بما أن المقام لا يسع للسرد المفصل سنركز على أهم النقاط في الموضوع ، فقد نجح العلماء في تحليل الحمض النووي الذي يسكن نواة الخلية و التي هي بالترليونات ، و الحمض النووي به متطابق تماما في كل الخلايا ، حيث اتضح أنه يضم 46 كروموزوما ، نصفها من الأب و النصف الآخر من الأم و هو ما يطلق عليه بالصبغيات ، تحت مسمى DNA ،و هي حروف اختصار لتسمية :DEOXY RIBO NUCLEIC ACID أي الحامض النووي الديوكسي الريبوزي و سمي بذلك لأنه منزوع الأكسجين.

و قد تضاربت المراجع حول الأسبقية للعلماء في اكتشاف الحمض النووي أو ما يسمى بالبصمة الوراثية أو الشفرة الوراثية ، فالبعض يذكر أن روزالين فرانكلين هي أول من اكتشفت الحمض النووي عندما بدأت تتأهب لبدء عملها في مجلس البحوث الطبية تحت إدارة "جون راندول" بوحدة الفيزياء الحيوية ،و هي الوحدة التي يعمل بها موريس ويلكينز ، و قد أسندت لها دراسة تشتت الأشعة X في محاليل البروتينات ، هو الموضوع نفسه الذي يعمل عليه موريس ويلكينز الذي كان وقتها في إجازة، و لما عاد من الاجازة وجد مفاجأة غير سارة و هي سبق روزالين في الاكتشاف فبدأت العلاقات تسوء بينهما، من هنا بدأ التدرج في اكتشاف الحمض النووي ، حيث عمدت روزالين الى طالب دكتوراه "ريمون جوسلنج" استمرار البحوث ،و لاحظت أن هناك صورتين للحمض النووي DNA ، الصورة الأولى عندما يكون الحمض النووي مبلل حيث تكون الألياف طويلة ، أما الصورة الثانية فهي الصورة الجافة التي تصبح فيها الألياف قصيرة ،و قد أطلق على الصورتين A و B ، بعدها اقتسمت روزالين الصورتين مع ويلكينز ،فأخذت هي الصورة Aو أخذ هو B.

و في سنة 1951 عقدت ندوة في كلية الملك حول بنية DNA تكلم فيها كل من روزالين و ويلكينز في حضور "جيمس واطسون" الذي كان مهتما للاكتشاف  ، و في تعليق له على الندوة أبدى تندرا و استخفافا بروزالين فرانكلين و مظهرها ،حيث ذكر في كتابه الحلزون المزدوج The Double Helix :

"لا تغادرني فكرة ملحة أن أفضل مكان لدعاة حقوق المرأة هو معمل آخر ".

بعد فترة وضع واطسون و كريك نموذجا للحمض النووي ، الا أن روزالين أظهرت و بكل سهولة كل نقاط الضعف في نموذجهما ، و بحلول عام 1952 تبين أن صورةB هي من الحمض النووي لها شكل حلزوني و هو ما بينته أشعة X (دراسة روزالين) ، لكن تم أخذ صورة من روزالين من طرف ويلكينز الذي سلمها لواطسون ،كما أمده بمعلومات كثيرة عن جزيء الحمض النووي دون أن تعلم روزالين بذلك ، و تمكنا العالمين من الحصول على التقرير النهائي لاكتشاف الحمض النووي من كلية الملك و فيها مادة علمية غير منشورة تخص روزالين فرانكلين حول DNA .

بعد ذلك قام واتسون وويلكينز مستعينين بما حصلا عليه من معلومات تعود لروزالين بنشر نموذج الحمض النووي في مجلة Nature و عندما رأت روزالين ذلك عقبت قائلة :

انه جميل جدا ، لكن كيف ستمكنان من صحته ؟، و لم تكن تعلم أن أكتشافاتها ساهمت بنسبة كبيرة في هذا الإنجاز .هذا ما نشرته بعض المصادر و التي تتفق أكثريتها في أن روزالين لم تكمل اكتشافاتها بسبب اصاباتها بسرطان المبيض ،حيث توفيت عن عمر 38 سنة ، ليستمر العلماء بعدها في اكتشافهم لخبايا الحمض النووي التي وضع العلم له مفصلين في الاستعمال ، استعمال طبي في علاج بعض الأمراض مثل السرطان و تطبيقاته في عملية الاستنساخ الحيواني ، و استعمال قانوني في استخدامه كدليل اثبات في معرفة الجاني  الحقيقي  المرتكب للجريمة اثر تحليل دمه أو لعابه أو خصلة من شعره المعثور عليه في مسرح الجريمة.

و ما لا حظته شخصيا طوال سنوات دراستي لموضوع الحمض النووي كونه كان مجال أبحاثي في رسالتي الماجستير و الدكتوراه أن اللمسة العربية كانت غائبة حتى في تطوير استخدامات الحمض النووي في المجالين السابقي الذكر على الرغم من الملتقيات و الندوات التي حضرتها شخصيا في الخارج   ، ما يعني أن حظوة العلماء في الاكتشافات تراجعت بعد عهد بن سينا و الفارابي و بن الهيثم ، لكن يبقى العلم مفتوحا أمام محبي اكتشاف الخبايا فيما تحمله أجسامنا من عجائب و غرائب تترجم بالدرجة الأولى تكريم الله لنا كخلق في أن نحمل تركيبتنا الوراثية في جيناتنا .

و حتى لا نبخس الناس أشيائهم كان للدكتور سعد الدين الهلالي لمسة في المجال الفقهي لموضوع البصمة الوراثية ، أين ذكر أسبقية الدول العربية في الاعتماد على الحمض النووي في مجالها الطبي و القانوني ، بعد ان أدخلت مصر في أوائل سنة 1995 نظام العمل بالبصمة الوراثية في معامل الطب الشرعي و استخدمت هذه التقنية في قضايا كثيرة و متنوعة و منها مسائل النسب ،و في 29/11/1995 أصدر مجلس الوزراء الكويتي قرارا بتكليف اللجنة الوزارية للشؤون القانونية بإعداد مشروع يجعل للبصمة الوراثية في تقارير الطب الشرعي كقوة تدليلية يعتد بها في دعاوى اثبات النسب و نفيه ، أما الجزائر فقد سنت لها قانون البصمة الوراثية في 19 يونيو 2016 ، ما يوحي أن تداول الاكتشاف لدى العرب يأتي بعد الاكتشاف لدى العلماء الغربيين ، ربما لتحذير البعض من استخدامات اكتشاف الثورة البيولوجية التي يعتد بها سلاح مستقبلي بدل أسلحة العتاد العسكري ، كما قيول أريك لاندر:

"من الحكمة أن نحترس من الثقة الزائدة في التكنولوجيا ، فضلا عن الاستخدام المتحيز لها ، ان للتكنولوجيا الجديدة ميلا الى أن تخلق متطلبات جديدة ، و كلما ازدادت قدرة التكنولوجيا من ناحية المبدأ-تكنولوجيا مثل بصمة الدنا DNA-قل على الأغلب تفحصها كما يجب و الاعتراض عليها عند التطبيق".

ربما كان من الحكمة أيضا تذكر القول المأثور لجون جاردنر :

"ان المجتمع الذي يزدري التميز في السباكة لأنها نشاط متواضع ، و يتحمل الركاكة في الفلسفة لأنها نشاط عظيم ، لا يبلغ سباكة جيدة و لا فلسفة جيدة ، أنابيبه لن تصمد و لا نظرياته ".

و من خلال تنافس العلماء كل من جيمس واتسون وويلكينز ضد روزالين فرانكلين نستخلص معنى في الدرس الذي لقنته التكنولوجيا المتطورة و هو من نصب العداء بين الحسن و الأحسن .

أما تحليلي الشخصي كباحثة في علم DNA يجعلني لا أعجب فقط باكتشافات الغرب في بحوثهم العلمية و البيولوجية و الطبية و انما تفضليهم للغة السلام  فيما بينهم ، فلا تجدهم يحملون البندقية أو السلاح النووي ضد بعضهم البعض ، في حين نحن العرب نتقاتل فيما بيننا على شبر أرض تؤول في النهاية ببترولها و غازها لمن ننهل من اكتشافاتهم العميقة و لا نشعر بالعار و الخزي أننا لا زلنا نأكل من شعير الغرب الذي رفضت عقولنا أن تنتجه أراضينا .

متى نستفيق من غفلتنا ؟ ، متى نكتشف بأنفسنا ما أودعه الله فينا من أسرار ، و لنا مسطرة البحث في الاعجاز القرآني الذي يزخر ببحور الاكتشاف التعجيزي بإسقاط البحوث العلمية على آيات قرآنية تضع حدا لأي تأويل ينافي حقيقة تفرد الله بما خلقه على الأرض و في السماء .

هل سنستعيد حضارتنا العريقة لينفتح أمامنا مجال التنافس العلمي بدل التنافس الحربي حتى لا تستهزأ بنا الدول العظمى ؟، هي عظمى في مظهرها لكن الجريمة و المخدرات تنخر باطن بنياتها التحتية في مجتمعاتها.

اذا ، قليل من الوعي و كثير من العمل نصبح نحن من يصدر الرغيف للغرب بشرط العودة الى بوصلة القرآن و السنة الحافلة بأساسيات العلوم و السياسة و الاقتصاد و صد عدوان القنبلة الذرية بأقل تكاليف العقل العربي المسلم .

ليتنا نتسابق في العمل و لا نتسابق في الكراهية ، ليتنا نتسابق في صون أعراضنا و لا نجرح كبرياءنا بحماقة لا مفهوم لها لأنها وليدة هتافات من غيرة و حسد لا لشيء آخر ...حماقتنا أودت بنا الى الهاوية و لا يزال الشرخ متصدعا على اثر تقسيم الكعكات العربية تباعا ..فهل من متدبر لحالنا ؟.



  • 1

   نشر في 03 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا