فولكانوس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فولكانوس

النهاية ..

  نشر في 07 يناير 2020 .



على رمال التيه نصبت خيمتي السوداء ، التي لم تكد تستوعب أمتعةً أحمل فيها سنين عمري ، بين أسيان الكتبان وسديم السراب ، نصبتها وقد انغرست الاوتاد في أحشاء الارض الجافة بإخلاص ، لتمنع تطاير أشيائي في حالة تمرد الرياح ، رغم أن الجو يومها كان حاراً والشمس تتربع في السماء بازدراء .

ثم مالبثت أن وزعت نظري بين السحب حتى ظهر كنقظة يتيمة في الافق ، يقترب من الارض بإقدام بينما تنسدل أولى قطرات العرق على جبيني ، وترتجف غضاضة السؤال في رأسي ، أبشرٌ هذا أم غير ذلك ؛ مسخ أسطوري أو غضب الآلهة ؟

في وقفة سريعة مع الذات ، تذكرت ما أدين له من خضوع و طاعة أمام شموخه الرادع ، حتى عندما خنته وانصعت لمراهقة التفكير ، يوم استسلمت لسجارتي الاولى ، ذرفت حينها دموعاً ، أو كاليوم الذي بحثت فيه عن الحقيقة السادية ، فوقعت في غياهب الشك المدقع . كيوم كنت جالساً وحيداً في غرفتي المظلمة ، أقاوم المألوف القاتل و خائف مذعور من المجهول الاكبر ، فقدت تلك الليلة نعاسي فسقطت هذه الفكرة كقطعة أشعت في بركة متسخة ؛ فكرة إخراج كتاباتي لوهم الواقع ، ثم انفجرت الاحرف والاحداث في رأسي ، لكن سرعان ما تبذذ حماسي وقررت التوقف عن نشر تفاهتي في الاسبوع الرابع، ثارت ثائرته أنذاك ، فقمت في عتمة الليل أدون الافكار المتناثرة في عقلي رغم جرأتها .

كيوم تحقق مرادي في الهجرة ، مقابل تفطُّر قلب والدي ، أدركت يومها أن الفظ غليظ القلب كان عين العطاء بنفسه ، آسف يا أبي على تعبيري العنيف ، لكنك ربيتني على الصراحة والصدق في القول ، أما أنت يا أمي فلا أجد إلّا اعتزال الحديث عنك هذه المرة ، كي لا أبلل ورقتي كما فعلت في الاسبوع السادس .

كيوم حملت قلمي الكالح الذي تركته في إحباطٍ عظيم ، واستمريت في كتاباتي رغم البؤس العميق الذي عشته في الاسبوع الثامن والتاسع .

كيوم وقعت في الحب من أول نظرة في الاسبوع العاشر ، في الحقيقة لم أحب شعرها القصير ولا هدوءها الرهيب ، ولم تعجبني حتى ، كنت فقط أفرِّغ ترسبات من سنوات إدماني على أغاني " أم كلثوم " لكنها كانت محاولة فاشلة في الكتابة عن الحب .

كيوم كتبت " يوتوبيا " بحبرٍ يائس ، أو كيوم كتبت " الطريق إلى كابول " بقلم متعطش للورق ، أو ربما كاليوم الذي رأيت فيه أعزّ أصدقائي يحتضر أمامي ، منذ ذلك اليوم لم يعد لكلمة " الخسارة " معنى في حياتي .

حسناً ، أعلم أنني أدين له بالشيئ الكثير ، لقد ساندني و عاقبني بما فيه الكفاية ، لكن في الاسابيع الثلاتة الاخيرة لم يكن ذنبي ، حقاً أصبت بلعنة الحروف ، كنت كلما أعزم على فتح مسودتي ، تتشنج أصابعي و تنفر الافكار من رأسي ...

حطّ الكائن على الارض أخيراً ، وقد بدا أشبه براعي غنم من خمسنيات القرن الفارط ، عباءته المهترءة والعمامة التي طوقت رأسه ، ثم ما إن نزع القناع من تحت وشاحه حتى أيقنت أن ما أمطرته السماء للتو ، ليس مسخاً أسطورياً أو كائناً دميماً ، كان وجهه مؤلوفاً لديّ ، بنذبات خفيفة على محيّاه .

آن للشكوك أن تزول وآن للإيمان أن يتجدّر وآن للحساب أن يرفع ، لكن ماذا عساي أدفع لذلك ثمناً ؟

حملق إليّ مطولاً، ثم مدّ لي مذكرة بأوراق نظيفة وهو يحرك شفتاه برزانة " لم يحن الوقت بعد يا صغيري ، لم يحن الوقت بعد ... "

أفعلاً لم يحن بعد ؟ أم أنّ وخزات التأنيب كانت كافية .

يبدوا أن حتمية زوالي قد سوِّفت إلى أجلٍ غير مسمى ، ربما السنة المقبلة في نفس الوقت ، أتمنى أن لا أخيب أماله كي نلتقي في مكانٍ غير هذا ، قد يكون جزيرة برمال بيضاء كريستالية ، محاطة بمياه زرقاء صافية وطقسٍ شبه استوائي ، يمكن أن نحتفل أيضاً بأحد إنجازاتي هناك ، نرقص معاً تحت قبة السماء الغائمة و نرتشف النبيذ بحرية ، فلحظة الغبطة تلك ، لن تدوّنها الكتب ، لأن الكُتّاب نفسهم سينهمكون في الاحتفال معنا حينئذٍ .

النهاية ~


  • 5

   نشر في 07 يناير 2020 .

التعليقات

ما شاء الله جميل جدا ما تكتب الى الامام .
3
محمد العوينة
شكراً صديقي محمود على كلماتك الطيبة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا