في ضيافة نفسي... أرفع كأسي... تشين... تشين... في صحة عقول خلت... - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

في ضيافة نفسي... أرفع كأسي... تشين... تشين... في صحة عقول خلت...

قصة

  نشر في 15 يونيو 2015 .

في ضيافة نفسي... أرفع كأسي... تشين... تشين... في صحة عقول خلت...

لا تتدخل حتى أنهي كلامي وبعدها أدل بدلوك...

أمام طاولة واطئة، عليها أصناف من "القطعة" وزجاجة حكايتها تختلف عن كل حكاية سبقتها...استدعيت شلال الذكريات الهادر... فكل الطرق تؤدي إلى طنجرة مخي... كل المطارق تطرق على قمة رأسي وأنا في بحر تتقاذفني أمواجه العاتية...

النوم لم يعد يعرف طريقه إلى جفوني... يخاصمني كل ليلة... أحدهم علمني أبجدية السهر... ثم دهب لينام...

أقضي معظم وقتي في البيت، طالت لحيتي أكثر وازددت تدمرا وسخطا على الأوضاع، كلما حضرت حلقة من حلقات الدرس مع نفسي...

أجمل الأيام هي تلك التي نعيش فيها الإنتظار، لأنه يفتح أمامنا أبواب الأمل على مصراعيها ويعطينا مساحات شاسعة للأحلام، ويرسم صورة المستقبل بألوان الحب التي لا تبهت، ولا تعرف الذبول، وكل يوم يقويها الإنتظار أكثر...

ومع ذلك فإني أعلم أن الإنتظار يقتل كل شيء جميل... يخلق الملل... وقد يبعد القلوب...

تشتت عواطفي فجأة... هل تحالف القدر مع الواقع... لأكون على ما هو عليه؟...

تفرقت السبل... حتى المشاعر انقسمت فجأة... أجل عندما يتعمق الحزن يصبح بدوره ناضجا، ويفرض علينا طرقا للتفكير برزانة أكثر، يقتصر وجوده على النخر عميقا في أنفسنا من غير أن يشي بنفسه للغير، ربما نعمل على تغليف مظهرنا بتلك السكينة لكي لا نـُشعر من نقتسم معهم المكان والزمان بغليان البركان في أعماقنا، وبقليل من التمعن في تقاسيم وجوهنا تفضحنا نظراتنا المنكسرة، وملامحنا التي على رغم كل شيء تطبعها بصمة ذاك الحزن...

لم أدرك أن الصدمة الأولى رفعت أمواج بحري وحولتها إلى حالة هيجان بين مد وجزر لا تعرف الهدوء، وأن الصدمة الثانية أعادت لأمواج بحري سكينتها وهدوءها، لقد استعملت مع نفسي ذلك الأسلوب الذي يستعمل في العلاج النفسي الذي يجعل شفاء من فقد ذاكرته يسترجعها حال تعرضه لصدمة ثانية...

بينما أنا على حالي من الذهول والتفكير المضطرب، رن هاتف عقلي من جديد ....

وكأن يدا قوية كانت تمتد لداخلي لتطفئ كل مصابيح الآمال التي تنير أعماقي، وتنشر العتمة لتملأه... فلا أقوى بعدها على التفكير، وتتعطل كل قدراتي... لكن إحساسي، أن هناك أملا في إعادة الضغط من جديد على الزر لتنير تلك المصابيح ويسطع ضوءها من جديد معلنا نهاية ليال المرض والحرمان من العافية...

فالحياة مسالكها وعرة، ودروبها شائكة، ومحفوفة بالمخاطر والأهوال ولن تمضي فيها دون أن تخدش أو تصاب بأذى، لكن علينا بالحذر الشديد والعمل على إقتلاع كل الأشواك التي قد تدمينا في طريقنا، وإن كانت كثيرة لنصل في النهاية إلى بر الأمان...

أذني تلتقط دبيب النمل... حتى لو كان يتحسس روحي... أسأل نفسي مرارا:

لماذا أرمي نفسي هذه الرمية بكلامي الخشن وأترك روحي وعقلي فريسة للأفكار تتقاذفني في أمواجها من شاطئ إلى شاطئ؟...

أفكار تسبح في عقلي كنهر الكوثر... أمام مائدتي الواطئة... لأقذف بمحتوياتها أرضا... أضرب مرآة الروح بقبضة يدي... فتسيل دماء العهر مني...

أنسل للحمام. استسلم للماء الدافئ الذي ينزل على جسمي. أجد في انسيابه نوعا من الإغتسال من كل الأوجاع التي أحسها، واجتاحتني في هذه المدة التي صيرتها الحالة التي أنا عليها إلى زمن أطول، يصعب قياسها.

طبعا عمر لحظة الحزن مهما استعملنا فيها من قياسات لا تكون دقيقة لأن لها علاقة بالإحساس والمشاعر، ربما رأيتها كل سنوات عمر مجتمعة، وربما أرى فيها يـُتـْمَ الفكر الذي عشته مرة وأنا في كنف الوطن الذي تكفل بكل شيء... ربما أنا مطارد في الوقت نفسه بمعاول الأحكام الصادرة من كهنوت فكر، لم أقتنع به، ولم أعرف إلا الألم، وإنما تذوقت مرارته من جراء الإرتباط بالقطيع... بدأت أتحسس جبروت حكم النفي والحرمان من جراء قطبان أغلقت عليّ ظلما وعدوانا. عشت فيها الطرد والمطاردة من مكان لآخر...

تلك الحكايات الدافقة كشلال أمام أعيني بمرارة الإحساس ولوعة الفراق... كان شريط من الآلام اشتد أمامي بمرتفعاته الوعرة، وأغواره المظلمة ووديانه المملوءة ووحشة وخوف وووو... توزعت على امتداد سنوات عمري، تلك التي ما شعرت خلالها يوما حقيقة أصلي ونسبي ومعاناتي مع الظلم...

عشت الآلام عذابات شعب، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة... عشت ضياع وطن... ضياع ثورة... ضياع فكر... ضياع تاريخ...

كل هذا لا يمكن أن نختصره، لنقول عنه مدة من الزمن.. أجل كلما كان الوقت عصيبا لكلما طال عمر الفترة ولا مقياس زمن ينفع لها...

تركت نفسي لإنسياب الماء واستسلمت لذلك الإحساس ومع كل الماء كانت تتسرب إلى نفسي نسمات من الإطمئنان. أحسها تدخل أعماقي وتفعل مفعولها السحري...

لم يكن الجرح على ظهر يدي عميقا، لم يعد ينزف كأول مرة. لكن جـُرح نفسي كان عميقا وأكثر نزيفا. حملت يدي، وتعمدت تركها للماء، كأن الماء الذي ينزل منها ملوث بالقليل من الدم الذي أحدثته الخدوش التي كانت بعضها بارزة نوعا ما، وأبت أن تتوقف كليا عن النزيف... ضممت يدي إلى صدري في نوع من الشفقة...

العيون تبرق بدموع اختلط فيهما الفرح والحزن والإحساس.. فخرجت متنفسا وانفراجا لغيوم كثيفة عطّت وغيرت لون سماء القلب والعقل .. فبانت تلك الإنفراجات على وجهي وتهللت بعض الشيء...

سعيد تيركيت

الخميسات - المغرب - 07 / 06 / 2015



   نشر في 15 يونيو 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا