الاحتضان.. لغة القلب والروح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاحتضان.. لغة القلب والروح

  نشر في 12 نونبر 2019 .

منذ أن تقع عينا الأم على طفلها للمرة الأولى.. نجدها تحتضنه بشدة وتقربه من صدرها لتشتم رائحته وتعطيه الكثير من دفئها وحنانها.. فيشعر بالأمان وينام بعمق وهدوء.. غير خائف من شيء.. هذا حالنا جميعاً.. نكبر وفي كل مرحلة من حياتنا نحتاج أكثر لاحتضان يمنحنا الأمان والدفء... حضن الأب.. الإخوة.. الأم.. الأصدقاء.. شريك الحياة.. الأقارب.. كلها تُشعرنا بالقوة وتمنحنا ثقة بالنفس لا مثيل لها... هكذا هو الاحتضان... لغة لا تحتاج لحروف أو كلمات أو حديث.. لغة تجاوزت كل المشاعر لتكون بحراً من الفوائد الروحية والجسدية والنفسية التي لا حصر لها... لغة بقدر ما هي بسيطة بقدر ما تحمل من معانٍ سامية وصادقة..

ما هو الاحتضان؟

العناق أو الاحتضان لغة عالمية وشكل من أشكال التواصل غير اللفظي تستخدمه جميع المخلوقات بوضع اليدين على الخصر أو الأكتاف وتوثيقها ببعضها، وهو طريقة للتفاعل بين الناس وهدية رائعة نمنحها بصدق لكل من نحب سواء كان كبيراً أو صغيراً، هدية تفيض بالكثير من المشاعر الصادقة والدافئة، ومن خلاله نُظهر للآخر كم نحن مهتمون لأمره. يبدأ الاحتضان باتصال بين العيون وتتبعها الأجساد ليبوح كل واحد للآخر بما يفيض بداخله من مشاعر. إنه لغة لا تحتاج لمدارس تُعلّمها، نقول من خلالها كل ما يريد القلب والعقل إيصاله للطرف الآخر، هو طريقة لنمنح الأمان والدفء لغيرنا فنحوّل حزنه وكآبته إلى فرح وسعادة وثقة، ونجعل دمعته تصير ابتسامة جذابة.

لماذا نعانق بعضنا؟

قد نستخدم الاحتضان دون سبب واضح وقد يكون تعبيراً عمّا يلي:

1- إلقاء التحية: حيث أن العناق هو لغة مشتركة بين جميع الثقافات تقريباً لنقول من خلالها للطرف الآخر التحية الرسمية (مرحبا، إلى اللقاء)، يستخدم في الزيارات والاجتماعات عند القدوم أو الرحيل، وتختلف طريقته بين ثقافة وأخرى فقد يكون مصحوباً بكلمات ترحيب، قبلات على الخدود أو الأكتاف أو الأنف، إيماءة بالرأس مع ضغط على اليدين.. وغيرها.

2- التعزية: وهنا يستخدم العناق لوقت أطول نوعاً ما، ويكون تعبيراً عن شعورنا بالحزن على الخسارة التي مُني بها الطرف الآخر، ويستمر العناق حتى نشعر بأن الطرف الآخر صار مرتاحاً أكثر وهدأ نوعاً ما.

3- إنشاء رابطة: بعض المجموعات في ثقافات مختلفة حول العالم تعتمد العناق كنوع من تأكيد الانتماء للمجموعة، فنجدهم يقومون باحتضان بعضهم بدلاً من تبادل قسَم أو كلمات معينة عند انضمام شخص جديد إلى المجموعة، وذلك كتأكيد على أن الشخص حاز على ثقتهم وأصبح عضواً في مجموعتهم وتجمعه بمن معه روابط أخوة وصداقة وكأن كل أعضاء المجموعة صاروا (شخصاً واحداً).

4- عناق الأهل والأصدقاء: حيث يكون العناق لغة متعارف عليها بين الأهل والأصدقاء لإظهار الاهتمام والمحبة والمودة نحو الطرف الآخر، فتستخدم في المناسبات السعيدة والحزينة أيضاً لنعطي من خلالها الطرف الآخر شعوراً بالفخر والثقة والاهتمام وغالباً ما يكون مصحوباً بكلمات تشجيعية تُظهر محبة الشخص.

5- عناق الشريك: العناق يُعد جزءً أساسياً في أي علاقة عاطفية، ويكون عفوياً وصادقاً يحمل الكثير من المشاعر الرومانسية من حب واحترام وإخلاص للطرف الآخر، وغالباً يدوم لوقت أطول من باقي أشكال العناق وترافقه بعض الكلمات اللطيفة، وهو يعطي الكثير من الثقة للشريك.

6- الحِماية: هذا الشكل يستخدمه الأهل والشريك عموماً، بحيث يكون العناق بوضع اليد على كتف الطرف الآخر عند الخروج من المنزل كنوع من الحماية وإعطائه شعوراً بالثقة وبأن هناك من هو موجود لأجله وسيحميه بكل الوسائل الممكنة.

العناق لعلاج الأمراض!

كثيرون حول العالم يستخدمون العناق كوسيلة لنقل مشاعرهم إلى غيرهم، لكن قليلون من يعرفون ما يتركه العناق من أثر وفوائد كثيرة لدى الطرف الآخر.. وربما لو عرفوها لجعلوا الاحتضان لغة تخرج حروفها من القلب فيلجؤون لها في كل وقت لتغنيهم عن قول الكثير من الكلمات...

1- الإكثار من العناق يجعل الشخص راضياً عن نفسه ومحيطه أيضاً وأكثر ثقة بنفسه وبالآخرين، فعندما يعانقنا أحد ما يخلق ذلك شعوراً داخلياً بأننا مقبولون اجتماعياً ومحبوبون من الطرف الآخر مما يعطي شعوراً بالرضا والسعادة.

2- عناق الأهل لأطفالهم يجعلهم ينمون بشكل صحي وسوي ويزيد في مستوى ذكائهم وثقتهم بأنفسهم، كما أثبتت الدراسات أن عناق الطفل يقوي مهاراته اللغوية ويجعله اجتماعياً أكثر ويمنحه شعوراً باحترام الذات والشعور بالآخرين.

3- العناق يبدد الشعور بالخوف والوحدة ويقلل من التوتر والقلق حيث نشعر بوجود أشخاص آخرين إلى جانبنا يتعاطفون معنا ويعرفون ما في داخلنا من مشاعر.

4- يحارب الأرق: فاحتضان الأم لأطفالها قبل النوم يعطيهم شعوراً بالأمان ويجعلهم ينامون بعمق دون خوف، كما يقضي على الأرق والخوف.

5- مفيد للصحة: الاحتضان يعزز النظام المناعي في الجسم ويجعلنا أكثر سعادة وأقل عرضة للإصابة بأمراض نفسية كثيرة كالاكتئاب وانفصام الشخصية. وقد أثبتت الدراسات أنه لا آثار جانبية للعناق، بالعكس تماماً كل ما يتركه هو نتائج إيجابية تعطينا شعوراً بالسعادة والرضا، حتى أن بعض الباحثين قالوا أن تأثيره أقوى من المخدرات والكحول بإعطاء شعور السعادة والاسترخاء.

6- أفادت دراسة قام بها طبيب الأعصاب يورغن ساندكوهلر رئيس مركز أبحاث الدماغ في جامعة فيينا الطبية بأنه عند احتضان أحد ما فإننا نعطيه قوة وطاقة كبيرتين، وتزداد تلك الطاقة كلما كان الشخص قريباً منا أكثر، وبهذا يكون اللمس قادراً على ترك نتائج رائعة في تقوية الطرف الآخر جسدياً وعاطفياً ليصبح أكثر قدرة على التعامل مع المشكلات والصدمات التي قد تعترض حياته ويبدأ الطرفان بإرسال واستقبال إشارات إيجابية تغير مزاج كل منهما.

7- أثبتت مجموعة دراسات أُجريت في جامعة نيويورك أن احتضان أحد ما يعطيه شعوراً بالانتعاش، والسبب في ذلك يعود لتحفيز مستوى الهيموجلوبين الذي ينقل الأوكسجين إلى الأنسجة، وعندما تتلقى تلك الأنسجة الأوكسجين تتضاعف طاقتها فيتجدد شباب الجسم وتزداد حيويته، الأمر الذي أكده الباحثون بقولهم أن الاحتضان يساعد على محاربة الشيخوخة والحفاظ على شباب الجسد والقلب أيضاً.

8- الاحتضان يعني المشاركة وكثيرون هم الأشخاص الذين يحتاجون في لحظة معينة لمن يحتضنهم ويشعر بهم دون أن يقولوا أي كلمة. عندما نحتضن شخصاً يعيش حالة من الفرح نمنحه كثيراً من الحب الذي نشعر به فتتضاعف فرحته ويكون بقمة السعادة، واحتضان شخص حزين تُشعره بأن هناك من يشاركه الحزن وهو موجود من أجله ليخفف عنه مأساته.

9- في كثير من المستشفيات حول العالم يتم استخدام الاحتضان كلمسة علاجية لأمراض جسدية متعددة، منها مثلاً أمراض المفاصل، فعند احتضان المريض يتم الضغط باليدين على المنطقة المتضررة وتدليكها بطريقة معينة، مما يساعد على تحفيز النهايات العصبية وارتخاء العضلات وزيادة تدفق الدم بجميع أنحاء الجسم وبالتالي تخفيف الشعور بالألم.

10- أثبتت دراسات قام بها الباحثون في جامعة متروبوليتان بإنكلترا بأن الاحتضان يساعد في خفض ضغط الدم وتنظيم معدل ضربات القلب ومكافحة الإجهاد، وبالتالي فهو يُعد علاجاً مجانياً وبسيطاً للحفاظ على صحة القلب.

11- معانقة الزوجين لبعضهما تساعد على المدى البعيد في ارتفاع نسبة هرمون الأوكسيتوسين أو (هرمون الدلال) والذي يؤكد الباحثون أهميته في خلق مشاعر من الهدوء والراحة وتخفيف القلق والغضب والتوتر.

12- من الفوائد النفسية للعناق أنه يجعل الشخص أكثر انفتاحاً وتقبلاً للآخرين، كما أنه ينمي شعور التقارب والألفة ليصبح الشخص متعاطفاً أكثر مع من حوله ويهتم لمشكلاتهم، فيتعلم العطاء ووهب الحب والتعاطف مع الآخرين.

باختصار يمكن القول أن العناق هو علاج لأي مشكلة صحية تجعل المريض خائفاً، متوتراً، متعباً، قلقاً، فيعطيه شعوراً بالاطمئنان والأمان ويمحو من قلبه كل مشاعر الخوف والقلق.

أخيراً نتساءل.. متى كانت آخر مرة عانقتكم بها من تحبون؟.. ومتى كانت آخر مرة فاجأكم من يحبونكم باحتضانكم بقوة ليسكبوا في قلوبكم كثيراً من مشاعر الحب والمودة؟... يواجه البعض مواقف كثيرة في حياته يواسونه بها بكلمات صادقة ومليئة بالمحبة.. يكون لها وقعها في بعض الأحيان.. وفي أحيان كثيرة لا توفي غرضها فنجده يحتاج لما هو أكثر من ذلك.. لموقف بسيط يملأه بالثقة من جديد لينطلق بمعنويات عالية وينسى ما به من مشكلات.. وهنا يأتي دور لمسة الحنان التي يمنحه إياها احتضان من يحب.. لتعطيه دفقاً من الأحاسيس الصادقة والمشاعر الحقيقية..


  • 2

   نشر في 12 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا