مناجاة واهنة - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

مناجاة واهنة

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 24 ماي 2023 .


مناجاة واهنة

ها أنا آتي ورقي على لهف، على شغف، وعلى كفي أثر عميق من جرعة سلام روحاني، يَمتدُ وصلها حانياً وقد رجوت مسراه إلى كتفي، ومن ثم إلى مُغذيات عقلي؛ لينصهر نهر تدفقي بوجداني سائلا متوهجا، يَسبِرُ أثر تطوافي بأفق خيالي وواقع حسي، أرتشف أقداح تأملي بكونٍ فسيح يُعجزني فيه إلمام يَسعُ علمي وقدرات تعبيري وفحوى أثيري.

ها أنا ثانية ألقي نفسي بين السطور القاتمة، أتفشى على البياض كما حبر أسود يداهمه قدر هائل من سيولة البوح، تبدي جنى نطقي، وزفرات تتماوج على صدري، وقدر كبير من فتات همسي، أذروه في حضن البياض هنا أنبَتُ فيه نخل قولي ومعرشات من وعيِّ مُنسكبي، لأسرد الذي مر سنانه حادا على عافيتي، فتجرَّعتُ انتهاكاته وهناً وأنيناً وجراحاً أصابت حسي، وبًهوت صوتي.

ها أنا أندو لأصفو؛ فأناجيك ربي في عرى فجري، أبثك نجواي وفيض مني يجثو لسِماكَ بقعرِ نفسي، وفي نفسي انطلاق أسراب يمام، تأتيني زائرة مذ تفتح النور بفجر يومي، وأفكاري تخلع عنها معطفها السميك متحررة من حصار نفسي لنفسي، ومن بعد احتلال فيروسي لجسمي، معلنا قدسية ثورة تحرر يدي من قيد جمودي وضعف صمودي لأن يوقف الله جفاف حلقي.

أتحسس آثار نصال الزمن حين كانت لواعجي تداهمني، كأسراب المآسي تقرض أطراف عصبي لتشقيني، فيما كنت والوهن ملبوسي، أتقلّب في خبايا ذاتي الراعفة، باحثة عما يمكنه أن يمنحني ما يراود قلبي الذاوي، فيُنسيني أين مني نفسي، أتعربش على أغصان أثيرية تستمع لبوحي على قيد أمل، في مثل عمرٍ ما زال بأنفاس مُتعبةٍ في الحياة يُبقيني، وأنت أنت ما زلت نائيا بالبعديد كما أنت، ساهمُ الطرفِ تسألُ مَلكاً على أي جنب على قيد انتظارٍ بالضعف تُرهقني، حتى تنساك مني فتوني وبعض نبضات قريضي، فأجفُّ على حبلِ انتظاري كأني والبلل بالأوجاع ما عاد يُشقيني، أو تخرقني سهام الورى بيد الكيد كالأسافين.

أيا طيف الهناء ما بالك تزورني لِماما.. لطالما ناديتك بنداءات ولهٍ، مُناورة على ترددات نبض عزف فيك ذات ماض تساوقه، ذبذبات أثيرية من أقاصي مرضي على الهون بالأمل تأتيني على أن تشفيني، عساها من قلب الدجى تناور مشفاي لترضيني، لطالما نقرت نداءاتي على غشاء طبلتيّ أذنيك، علك تُصيخُ السمع لصوتي، فألقاني أستجيبُ بحنين منك يُراعيني فيهديني، يتردد صدى صوتي في قلبك، ليصير عزفا شاديا مترنما، صداه يواسيني، لتشيِّد على ربوعه لي بيتاً تفترشه دفئاً، على مدى مساحة تمتد وُسعًا تضمني إليك، بأعماق همس مُرتجى تُبقيني.

قلبي يُلملمُ حاجاتَ نفسي، يطويني بين إيقاعات عيش كريم رغيد، يواعدني بذلك التمنى لأقبِلُ لأناهُ حتى إذا ما أزف الشوق إليه قلبه الساهي يأويني، فتتحرك أنامل عذاباتي على أوتار قلبك بلحن همسي وأغنيات ترطن نغم أنيني، فأناجيك ربي حبيبا أبقاه لهفي ايماناً بحسي، تفتح لي إلى رحمتك أبواب عبوري، حتى يتمكن الشفاء من دخول زوايا الروح، علها تعيد إيواء نبض الحياة في شراييني.

بي نفسٌ تمتلك الأشواق على نغمٍ الغوى، تنقرُ لحن اقبالٍ ومعزوفاتٌ احتساب، لكل بادرة فيك تتخذ وعداً منك للهم تُنسيني، كأنما وهني يستَحِثُّ أكناني على شغف اهتمام، حتى إذا ما ألفته نفسك مني تعينني على النهوض ثانية من كبوة أنيني، فأبغيها سلاما طيباً كيما هي تبغيني، تُراقِصُ حر دمي تسري بهونها في شراييني في أكنان تستوعب منك رحمات تظلل عناويني، على أنغام سيمفونيةِ لراحة البال سجلت أيقونتها كي تُعيدً إليَّ عافيتي التي أحببتها كسفينة راسية في موانئ إشفائي، على ما كانت عليه عافيتي قبل احتلال المرض لأطرافي وأجهزة بأعماقي، حط عليها الصرير صوتاً مُزعجاً، كيما رحمات حبكَ إلهي تحييني.

فلطالما عاجلني المرض بأسنة عذاباته، فأقمت له منفى على جهاز مناعتي، ترد دفاعاته كيد وجع ما كان هياجه يشقي إلى الأبد وتيني، لتُجيبني نداءاتك إلى وطن الشفاعة شفاءا لا مفر منه، إذ هو من عندك رحمات في طاعتك تحييني، فأناشدك أن تبقيني في موطن طاعتك ألوذ برحمتك، حتى تمنحني سلام نفسي وراحة ضميري، تهديني عنواناً للسلامة كيما أتلقاه بقلبي وعقلي وكياني فأدرك أنك الأعظم خالق فآويك في شراييني، فاحتضِنْ إلهي صوتي في صوت رضاك، أقم له معزوفة، تُرفع لها كل الأصوات، وتستجيب الأيادي لها بتحايا الساهرين،

في عالمك يا إلهي ترامت سفوحي وأنا الباحثة بضعف أنفاسي عن مأوى، أجمع به شتات نفسي، لأتمازج بابتهالات روحي، فأجمع قطاف وِرد صباحي ومسائي من فضل بساتيني، فخذيني يا روحي خذيني وحرريني من شقوة الأسر، حتى أجمع لقلبي سلاما أحصده انسجاما، فتؤازني أيامي الثكلى قبل تُغادرني حياة ما عادت تعصمني أو تعصيني.

فكفاك يا طيفا تلهو وتقسو؛ لتساهر على الجفاء ليلاً حالكاً، تتعلل بالأماني فما الأماني تقابلك إلا بغلالة وهم، تشِّف عن حقيقة واقع ليس يرضيك ما فيها أو يرضيني، فاركب جناحي طير أسطوري كنا رسمناه أطفالاً، ونفخنا فيه حلما من خيال، فصار روحا ينشد أن يأخذنا إلى عوالم يزهو فيها السلام والحب والأمان، نتبادل لغة الطيور في حديث شيق، لا تقطعه معازف المغردين بمساحة دنيانا، ولا تتمرد عليه شغب الدنيا بفلول مهاجميها نكبات وأمراض، ولا تتساقط عن أفق الكون السحري نجمات كنا أضأناها بأمانينا.

أفق يا طيفي من تحليقات خيالك، وابتعث الحقيقة من مكمنها، فقد آن الأوان لأن نبتني مدينة أحلامنا على شفا جنان أردناها بالشغف عنوانا، ووضعنا أساساتها على شاطئ نهر جار، كنا ذات موعد تباعد قصياً قصدناه، وعلى قمة ربوة الحلم شيدنا قصرا حصرا بالحب الصافي زيناه، فيا طيفي لا تغمض عيناك حين الوهن أزال عافيتي، فقط بحلق بعينيِّ ففي قاعها سيبدو أمامك عرش مملكتك، فحرك يا طيفي صولجان أمانيك قبل أن تباغتك الساعة فتدق دقات انتصاف الليل، فيعود الحلم سرابا كأنما ما عهدناه ولا حتى ابتدعناه من أعماق أمانينا.

وهذا البئر الذي أخرجنا منه يوسف بلا قميص، ولمحمل التجارة كنا صرفناه كأي عبد أسير، فأي مصير تراك تتوقع أن تقابلنا به الأقدار وقد صار القميص أيقونة قدرية كنا لوهمنا اعتقدنا أننا أبداً لن نلقاه، لكن القميص صار دواءاً شافيا أعاد ليعقوب نظر عينيه، فأحطناه بالحقيقة وقد بات الأمل قاب قوسين أو أدنى منه، فامنحني يا طيفي تحليلا لسبر أطوار الروح فينا، وقد خفقت فينا الحياة وماد فعلها في أجسادنا فما عاد القميص يكفينا.. فهل ترانا تمتعنا بالروح قبل أن تتسرب منا راحلة إلى منتهى سكناها؟.مناجاة

اللهم أخرجني من حولي إلى حولك، ومن عزمي وإرادتي إلى عزمك وفضلك، ومن وهني وضعفي إلى قوتك ورحمتك، ومن انكساري ووهني إلى عزتك وكرمك، ومن ضيق اختياري إلى براح إرادتك وحكمك..


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 24 ماي 2023 .

التعليقات

Abdelghani moussaoui منذ 10 شهر
اللهم آمين، عميق جدا♡ أبدعت حقا
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا