طفرة الفيلم الوثائقى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

طفرة الفيلم الوثائقى

يسرى محمود السيد

  نشر في 31 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

           التوثيق دليل مهم على حضارات الأمم ، فالأمم المتحضرة التى تريد لنفسها البقاء ؛ فقط هى التى توثق لنفسها كى تخلد عبر التاريخ ، أما الأمم الفاشلة هى التى لم تنتبه لأهمية التوثيق فانقرضت تلك الأمم تاركة وراءها أطلالا بائدة مهترئة لايستنتج منها الباحثون إلا مئات من علامات الإستفهام دون أجوبة وإن وجدت أجوبة لاتكون إلا عن طريق الإجتهاد المبنى على الشك والتخمين الذى يؤدى فى النهاية إلى احتمالات تحتمل الكذب أكثر منها الصدق لأنه لادليل عليها...  وكذلك عاشت حضارات وماتت ولم نعلم عنها شيئا ذلك لأنها لم تترك لنا حتى الأطلال !!!!

          حتى فى حياتنا الشخصية نلاحظ أن الإنسان الناجح هو الذى مازال يحتفظ بصوره وهو صغير ومخطوطاته الأولية ورسوماته الطفولية وجوائزه ومذكراته صانعا لنفسه بذلك جذورا تاريخية ؛ بينما الآخر لا يريد تذكر ذلك أصلا

           التوثيق نفسه يعد ملحمة عبر التاريخ من حيث بدايته وتطوره إلى أن وصل إلى ذروته اليوم بابتكار الفيلم الوثائقى الذى يعد وبحق طفرة فى علم التوثيق وفنه ؛ فماذا أضاف الفيلم الوثائقى لفن التوثيق ؟

           فمنذ فجر التاريخ ووجود الإنسان على الأرض كانت الوسيلة الوحيدة للتوثيق هى الذاكرة والرواية لعدم وجود الكتابة ، وحتى بعد إلهام الله عزوجل الإنسان اختراع الكتابة ظلت أمم تعتمد على الذاكرة والرواية للتوثيق ومنها الأمة العربية التى ظلت هكذا حتى مجىء نور الإسلام ؛ والعجيب اختيار الله عزوجل أمة العرب الأمية لنزول رسالة الإسلام الخالدة ودينه الوحيد ؛ ولعلى أنقل لكم هذا النقل اللطيف بكلام مبين كى نتجاوز هذه المرحلة سريعا ؛ لجمال الدين القاسمى يقول فيه : ( وإنما أوثرت بعثته صلى الله عليه وسلم فى الأميين العرب ، فقد كانوا لايجيدون القراءة ، لأنهم أحد الناس أذهانا وأقواهم جنانا ، وأصفاهم فطرة ، وأفصحهم بيانا ، لم تفسد فطرتهم بغواشى المتحضرين ، ولا بأفانين تلاعب أولئك المتمدنين ، ولذلك انقلبوا إلى الناس بعلم عظيم ، وحكمة باهرة ، وسياسة عادلة قادوا بها معظم الأمم)(*) ، و الله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالته فذلك كان تأكيدا من الله عزوجل على أهمية الرواية فى الحفظ والتوثيق فى بداية أمر الوحى بالإعتماد على قوة العقل والذاكرة الربانية لعدم التشتيت والتفريق وضياع علم الدين ؛ حتى أن الرسول نهى فى بداية أمر الدعوة عن كتابة الحديث حتى لايختلط بالقران ثم سمح به بعد ذلك فأمة الإسلام هى التى علمت العالم أصول ومبادىء التوثيق الصحيح القائم على مبدأ العدالة ؛ فنحن أمة السند المتصل عن الرسول عن رب العزة ؛ وقد نشأ فى ظل الإسلام العلوم العديدة والكثيرة التى منهجت وأصلت لتوثيق علوم الإسلام وحفظها من الإضافة أو النقص كالحديث والأثر باستخدام أدق معايير ووسائل التوثيق التى لم تعرف فى أى منهج اخر ؛ وهذا معروف فالتاريخ يسجل للإسلام منهجة وبلورة التوثيق بل وجعله علما ؛ كما يسجل له الأروع من هذا وهو حفظ هذا التوثيق ؛ ذلك لأن الله عز وجل هو الذى تكفل بحفظ علوم الإسلام ، فكما أن للتوثيق أهمية فإن الحفاظ على هذا التوثيق هو الأهم

           والحقيقة أنه لم يمض وقت طويل على إلهام الله عز وجل الإنسان الكتابة ؛ والتى تمثلت فى بدايتها بابتكار رسم شكل للكلمة ثم للحرف مقاربة للصوت ، نعم الرسم سبق الكتابة بمفهومها الحالى كآداة للتواصل مع الشعوب والقبائل ؛ ولكن لم يستخدم الرسم فى التوثيق إلا بعد أن تبلورت الكتابة بشكل قريب من التى عليه الآن ، وعدت الكتابة منذ ابتكارها آداه هامة للتوثيق فضلا عن مساهمتها الجلية فى إدارة شئون الدولة وتصنيف الكتب وتدوين الدواوين ؛ لقد حث الإسلام على القراءة والكتابة بشكل عجيب للمتأمل ؛ حيث أكد الله عز وجل عليها فى أطول آية فى القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)البقرة فكان ذلك تأكيدا منه عز وجل على أهمية التوثيق بالكتابة لإستقرار المعاملات وعدم ضياع الحقوق والتاريخ

          المرحلة التى تلت الكتابة وعدت طفرة فى هذا مجال التوثيق فى ذلك الوقت كانت الرسم والنحت ؛ فإن للصورة أيها القارىء تأثير عجيب يتمثل فى اختصار المعلومة واجتناب الشرح ؛ فعلى سبيل المثال الرسومات على جدران المعابد فى زمن الفراعنة ، كانت لشىء آخر أكثر أهمية من الرسم فقط ، إنها كانت للتوثيق ؛ ولما لم يكن لتوثيق حضاراتهم إلا فنى الكتابة والرسم عملوا جاهدين على توثيق تلك الحضارات بهما ؛ فمن أين كنا نأتى بالمعلومات عن حضارة مثل حضارة مصر القديمة التى مازالت تذهل العالم إلى اليوم بأعمالهم وفنونهم وعلومهم الخالدة والتى استفادت وتستفيد منها حضارات حديثة حتى اليوم

          ولتحريم الرسم والنحت فى الإسلام ؛ عندى استنتاج عقلى فضلا عن تسليمى النقلى ؛ وهو أن الإسلام حرم ذلك لأن علوم الإسلام وحضارته مبنية على إيمانيات أولا - وإن ترتب على ذلك تقدم علمى وعملى فيما بعد - وهذا لايحتاجه رسم أو تصوير بل يحتاج لرجال عدول لنقله خاصة مع عدم وجود مسجلات صوتية فى تلك الحقبة الزمنية ، وكذلك لان الرسم بمجرد رؤيته يعطى انطباعا ثابتا وصورة ثابتة تحفر فى الذهن ، وهذا يناقض هدف الرسالة الإسلامية العالمية التى تصلح لكل زمان ومكان ؛ فلو رسم عصر النبوة والصحابة رسما أو نحتا لاعتقد الأمريكى مثلا أنه لايصلح إلا للعرب وحدهم ولو رآه رجلا فى عصرنا لاعتقد أنه لايصلح إلا لزمانهم فقط وهكذا ( وهذا رأى شخصى اجتهادى)

           وبالعودة للتطور المذهل التالى على الرسم كانت الصورة الفوتوغرافية بالآلة ، وكان لهذا الإختراع تاثيره الخاص فقد نقل فن التصوير من ابتكار وإبداع واجتهاد ورؤية الرسام أو النحات إلى تصوير طبيعى ليس للإنسان أى دخل فيه فهو ليس إلا اقتطاع جزء من الطبيعة كما خلقها الله وتصوير ماخلق الله بلا تحريف أو تعديل أو تشويه على ورقة وذلك بواسطة عدسات صنعت فيزيائيا بطريقة معينة ثم دمجت ؛ وهذا هو سبب جواز استخدام الصور شرعا فليس فى ذلك ثمة حرمة ؛ فلم يصنع الإنسان شيئا سوى اختيار كدر الصورة ؛ وآخر ماتم التوصل إليه فى هذا الشأن تاريخيا هو أن التصوير بمفهومه الحالى اختراع عربى خالص(**)

          وكطفرة هائلة فى فن التوثيق تم اختراع مسجل الصوت على اسطوانات ؛ كى يوثق الصوت ، وهى كانت مرحلة تالية للتصوير الفوتوغرافى .. وبعد ذلك اخترعت كاميرات الصور المتحركة وبعده كاميرات الفيديو كخطوات واسعة نحو فن التوثيق ؛

         الآن أصبح بإمكان أى شخص التوثيق وصنع تاريخ لنفسه فقط بالتقاط صورة أو مقطوعة فيديو فى أى وقت سواء فى عمله أو فى بيته أو فى إحدى المناسبات ويوثق لنفسه وهو يلقى محاضرة يكتب مقالا يعد بحثا بل وهو يناقش رسائل الماجستير والدكتوراه وهذا كله موجود ومشاهد بل الأكثر من ذلك نجد فى بعض الأسر انتباههم لأهمية التوثيق فى حياتهم فأصبحوا يوثقوا لأطفالهم بالصور والفيديو من لحظة الميلاد مرورا بسنوات التعليم إلى وقت زواجه الى آخره ؛ بل إن بعضهم يبالغ فى هذا الشأن ويصور الجنين فى أحشاء أمه هكذا أصبح لكل انسان أن يصنع لنفسه تاريخا كاملا وعندما يموت هذا الشخص نأتى لنبحث فى تاريخه نراه وهو فى طفولته يلهو ويلعب وهو يذاكر وهو فى إحدى حفلات مدرسته وهو مع زملائه فى الجامعة وهو يناقش رسالة ماجستير وهو يحاضر فى أحد المؤتمرات ،بل ونقرأ له أدبيات من مقالات وأبحاث نستنتج منها فكره فى حياته وماذا كان يحب وماذا كان يكره وإلى أى تيار كان يميل دينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ؛ وهذاعندما يريد الإنسان لنفسه أن يخلد خلود الحضارات العظيمة

          ولكن لم يكف هذا لإشباع هواة التوثيق فابتكروا شيئا جديدا يعد طفرة فى فن التوثيق ؛ وهو أن يأتوا بشهود العيان وفاعل الحدث التاريخى المصور كى يحكى ويسرد ذكرياته وكواليس هذه المقطوعة المصورة التاريخية ؛ ومن هنا بدأت فكرة الفيلم الوثائقى ليدخل فى كافة وأدق مجالات الحياة السياسية والعلمية وتاريخ السير الذاتية للمشاهير بل والأحداث اليومية المتلاحقة ؛ وكل يوم تبتكر طرق شتى لصنع الفيلم الوثائقى من النواحى الفنية وتتطور تطور مذهل فتختلف عن كون الفيلم سياسى حديث أو قديم أو علمى بحت أو يتحدث عن شخصية تاريخية ؛ فإننا نعد التقرير الإخبارى فى النشرة الإخبارية بذرة للعمل الوثائقى ؛ وقد فطن هواة التوثيق حديثا لمييزات الفيلم الوثائقى فأصبحوا ينتجون وثائقيات منزلية غير مكلفة بعد إنتشار برامج المونتاج التى ساعدت فى سهولة انتاجها

      وصارت شركات متخصصة فى إنتاج الفيلم الوثائقى فقط ؛ وكذلك مخرجين معروفين بأعينهم مختصين فى إخراج الأفلام الوثائقية فقط ؛ وبعد أن كانت القنوات الوثائقية مهجورة من قبل أغلبية مشاهدى التليفزيون بات الناس لايستمتعون إلا بمشاهدتها لما يجدوا فى متابعتها الفائدة والإثارة والمتعة والمعلومة مع الدراما ؛فالميزة الرئيسية للفيلم الوثائقى هى الحصول على المعلومة بمتعة وإثارة بعدما كان الحصول عليها ثقيلا يتطلب جهدا كبيرا فيعرض أكثر الناس عن طلبها والحصول عليها ؛ والمدهش أن أوائل الذين انتهبوا لفائدة الوثائقيات ومتابعتها هم جمهور الشباب ؛ وإقبال الشباب على الأفلام الوثائقية إنما جاء ليس فقط لحب الشباب للعلم وإنما لرغبة الشاب على امتلاك فيديو تاريخى نافع وهادف على جهازه الحاسوبى والإعراض عن امتلاك الفيديوهات التافهة وهذا ما أشبعه لديه الفيلم الوثائقى ؛ فتجد الأن أى منتدى أو موقع على النت يريد زيادة الإقبال عليه يصنع قسما لتحميل الأفلام الوثائقية ؛ وتجد اليوم أن أكثر المنتديات والمواقع شعبية هى التى تخصصت فقط فى تقديم الأفلام الوثائقية لجمهورها ؛ فهم يتابعون ويسجلون كل جديد على القنوات الوثائقية ويقدمونها مجانا لجمهورهم

        وأصبح لك الآن امتلاك كل المعلومات التى تحبها عن شىء ما بمجرد امتلاكك فيلما وثائقيا على حاسوبك ؛ فأنا مثلا قد كونت أرشيفا وثائقيا لكل أحداث مصر التاريخية والسياسية لحبى لمصر وللتاريخ والسياسة

             أخيرا إن الفيلم الوثائقى هو بحث حول موضوع ما يجمع بين دفتيه كل وسائل التوثيق السابقة من رواية وكتابة ورسم وصورة وفيديو لإثبات هذا الموضوع أو نفيه



   نشر في 31 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا