هذا الأَمنُ أَيْن؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هذا الأَمنُ أَيْن؟

  نشر في 06 مارس 2018 .


صحيحٌ أنَّ الجزائر استرجعتْ أمنَها الذي فقدَتْه خلال العُشريَّةِ السَّوداءِ، ولم نَعُدْ نشهَدُ انفجار القنابل اليدويَّة في المُدُنِ والشَّوارِع، ولا توجَدُ اغتيالاتٌ للأفرادِ والجماعاتِ، وباتَ المُواطِنُ يُسافر في وَطنه في أيِّ وقتٍ شاء مِن ليلٍ أو نهارٍ، بعدما كان السَّفر نهارًا مُخاطَرَةً كبيرةً، بلهَ السَّفرَ ليلاً، بَيْدَ أنَّنا في المُقابِل فَقدنا نَوعًا آخَرَ من الأَمْن تَعْجَزُ الجُيوشُ، وأسلاكُ الأمنِ كُلُّها عن تَحْقيقِهِ، لأنَّهُ لا يَخضَعُ لِقُوَّةِ الجُيوشِ، ولا تَصِلُ أطرافَهُ أجهِزةُ المُخابرات، بل رُبَّما احتاجَ فقط إلى غَمزةِ حُبِّ.

نعم أنا أُسافِر في بَلدي في أيِّ وقتٍ أريدُ، لكنَّني لا أَشعُرُ بالأمنِ إذ أُسافِرُ على جناحِ القَلقِ مِن أيِّ شَخصٍ مُسافِرٍ معي، أَخافُ أن يَسرقَني، أوْ أَنْ يَخدَعني، أو أنْ يستَغِلَّني، بل إنِّي في الشارع المجاور لِبيتي لا أسيرُ إلَّا مُتَحفِّزًا، لأنّي أعلمُ وجود الكثير من السُّراقِ المتربِّصين الذي لا يتردَّدُون في قتل أيِّ شَخصٍ، ولو مِن أجلِ هاتفٍ أو خاتَم أو شيءٍ من المال، وربَّما من أجل لا شيء. لا أشعُر بالأمن حتى وأنا في منزلي فاللُّصوص اليومَ صاروا أكثر جُرأةً وَرُعونةً.

قد أُسافر إلى أيِّ مكانٍ مِن بَلدي، ولكنِّي أخافُ أن تنقطِع بي السبيلُ، لأنَّ وسائل النقل غير متوفِّرة أواخرَ المساء، فأغرق في حساباتٍ تُنَغِّصُ عليَّ سِياحَتي، حتى لا تَفوتني وسائل النقل، وَرُبَّما لا تفوتُني، ولكنِّي أضطرُّ إلى دفع سعر مضاعفٍ لسيارات الأُجرةِ التي تَنهَبُ أموالَ مُنقَطعي السَّبيل، أو الذين لا خيار لهم إلَّاها، إنَّهم إنْ أوقعوكَ في شباكِهم سيشربونَ مِن دَمكَ قبل أن يقولوا لكَ:" سَهَّل الله طريقكَ، وأهلًا وسهلًا بكَ في أيِّ وقت".

في بَلدي ما اقتَنيتُ شيئا من السُّوقِ إلَّا أحسستُ أنَّي قد خُدِعتُ في الثَّمَنِ، أو في البِضاعةِ، ولكن لا حيلةَ لي، فالغِشُّ في البضائع، والتَّحايُلُ على الزَّبائن صار أصلًا في التِّجارة عِندَنا، بل ميزةً، وكذلكَ الغِشُّ في كُلِّ شيءٍ حتَّى في معالجةِ المَرضى، بل حتَّى في ابتسامةِ يومِ العيدِ.

بِتُّ لا أشعُرُ بالأمنِ في بَلدي، فكُلُّ كلامٍ أسمعُه مِن مسؤولٍ في الدَّولةِ أَشُمُّ فيه رائحةَ الخِداع، ونِيَّةَ الكَذِب، وَكيفَ أثقُ في مسؤوولٍ ينظُرُ إليَّ مِن عَلٍ كأنِّي خادمٌ مِن خَدمهِ.

أمَّا الإدارةُ عندنَا، فقد صارت سَكنًا للقَلقِ، وموطِنًا للخَوفِ على كُلِّ شيءٍ اكتسبه المواطنُ، وكم هم كُثُرٌ أولئكَ الذي فقدوا صِحَّتهم في مكاتب الإدارة، فهي تَجتهدُ في عرقلةِ مصالح النَّاس، وغالبُ وعودِها مَواعيد عرقوب، فلا يأمنُ لها أحدٌ، ولا يُؤمِنُ بها أحدٌ إلَّا نِفاقًا.

أمَّا وَلدي فإنِّي لا آمنُ عليه وهو مدرسته، فكيف آمن عليه وهو في الشارع؟

يا حُكَّامَ بلدي الذي قهَر الإرهابَ، وهو الآن يُصدِّرُ تجربته للعالَم، كُلُّ هذه الجيوش التي تحميكُم، أحقَّقَتْ لَكم الأمنَ وأنتُم على أَسِرَّتِكم؟ أو في مكاتبكُم؟ ألا يُعشِّشُ الخَوفُ على مصالِحِكُم في قلوبَكم؟ ألستُم تَقلقون مثلنا كُلَّ يومٍ ممَّا قد يأتي به الغَدُ؟

للَّهِ أعيدوا لِقلوبنا أمْنها، فقد بِتنا يَخافُ بَعضُنا مِن بعضٍ، ويتربَّصُ بعضُنا ببعض، ويأكُلُ بعضُنا بعضًا..ألا ما أعْجَزَ جُيوشَكم على تأميننا في منازلنا !

فهذا الأَمنُ أين؟ إنَّهُ قد يحتاجُ فقط إلى غَمزةِ حُبٍّ، ولكنَّ سِياستَكم صَحَّرت قُلوبنا، فاتركونا -باللَّهِ عليكُم- نُحبُّ.

عبد العزيز حامدي


  • 2

   نشر في 06 مارس 2018 .

التعليقات

جميل
0
Salsabil Djaou منذ 2 سنة
فعلا لقد فقدت الثقة بين افراد المجتمع ،فساءت العلاقات اكثر فاكثر ،قضي على الارهاب فعلا ،لكن معدل الجريمة و مشكلة المخدرات والسرقة زادت ،اصبحت هنالك احياء محضورة ليلا،و مما يحزن وذكرته في المقال هي المدرسة،فعلا فبدل ان نطمئن على ابنائنا وهم بين اسوارها صرنا نخاف عليهم من سلوكات غريبة عن مجتمعنا ،وتنقسم المسؤولية بين الاسر التي كانت تتحد ضد السلوك السيء ، و بين مسؤولين _عن انفسهم_ فلا اظنهم مسؤولين عنا على الاقل في حياتنا الدنيا،مقالك يعكس الما من المظاهر السلبية التي نشاهدها في كل مكان يوميا حتى بتنا نتعجب عندما نرى سلوكا متحضرا ،دام قلمك متميزا ،تحياتي سيدي الكريم.
0
عبد العزيز حامدي
شكرا لتفاعلك...

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا