أبدية الأنثى الشرقية(1) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أبدية الأنثى الشرقية(1)

  نشر في 16 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2019 .

من  بعض الصور الجميلة التي تدهشني وتثير فضولي دائماً؛ رؤية بعض الكائنات الحية -من غير البشر- كيف تتعامل مع الأنثى بحس عال من التقدير والاهتمام، الذكور تسعى لإرضاء الإناث والارتباط بهن عبر إثبات جدارتهم بهن، بطرق مختلفة وعجيبة، بعضها جميل، وبعضها مضحك وعفوي وبعضها يكون على صورة معارك عنيفة بين الذكور من الفصيلة نفسها لأجل الفوز بها.. لا يسعك حينها إلا أن تفكر وتسأل نفسك: هل ما تفعله تلك المخلوقات صفات مكتسبة تطبعت عليها من طباع مجتمع حيواني أهوج، أو أنها فطرة جبلوا عليها -من الخالق- ليعرفوا كيف يتم التعامل مع الإناث في هذه الحياة بشكل عام؟! إن الحياة من أولها إلى آخرها بتفرداتها وعجائبها، قصة تتكرر في صور مختلفة باختلاف الأفراد واختلاف الأزمنة والأمكنة التي يعيشون فيها، وقصة ظلم المرأة عبر الأعوام والدهور، تشبه قصة هذه الحياة. فرغم اختلاف ألوان وأشكال وأعمار وانتماءات المرأة، واختلاف المكان والزمان وأسمائها، إلا أن القصة وأحداثها تتكرر دائماً بشكل مأساوي ثابت السيناريو والأسطر، يعصى ويستحيل على المرأة الارتجال أو الابتكار فيها.

ما إن تولد هذه الأنثى في مجتمعنا الشرقي الذي يرى أن قوانين قبيلته هي قوانين الطبيعة المثلى التي لا خطأ فيها ولا انحراف، حتى تندب الأم حظها العاثر وتحزن ويحزن معها كل الأهالي وحتى الجيران كأنهم في مأتم مهيب لميت عظيم الشأن، في جلسة صامتة وهمهمات خافتة. ويسودُ وجه الأب من الصدمة المفزعة ويعتريه الغضب العارم لشعوره بأن رجولته قد تم الغدر بها وإذلالها، لذا فهو يقضي يومه ذاك وتوالي الأيام والأسابيع اللاحقة بالتفكير فقط متى سوف يحظى بمضاجعة سريعة مع زوجته لتجلب له ذلك الصبي المبارك، المرغوب والمعتمد عليه، الذي سيحمل مشعل اسمه العظيم أمام القبيلة ويحمي حيواناته المنوية (المميزة عن خلق الله) من التلف والاندثار الأبدي، ويصون شرفهم -الوهمي- الكامن والمختوم على أجساد إناث الأسرة جميعهن... أما الفتاة الشرقية -الضحية الأولى لهذا الوهم- فهي تؤمن في أعماقها بأنها وصمة عار على جبين والدها، لعنة جرداء حلت على خيمة أو جدران بيت أهلها. وعليها أن تدفع الثمن بطيب خاطر. طوال حياتها تكون خاضعة كالجارية، مسلمة تماماً بفكرة أن الله الرحيم قد خلقها لأجل أن تعيش لغيرها ساهرة على راحته، أن تكون مطأطئة الرأس خانعة، لا يسمع لها صوت ولا أنين إلا: نعم وسوف أفعل ذلك. محتم عليها طاعة الكبار (الصالح منهم والغاوي)، وقبول ما يختارونه لها، مخافة تكسير تلك القيم الشرقية البالية وتجنباً لنعتها بالفتاة غير الصالحة والمؤدبة التي سوف تستحق جحيم الآخرة بعدما أن استحقت جحيم الدنيا على أيدي الذكور.

ما زالت المرأة الشرقية -إلى هذه الساعة- تتعرض للظلم والعنف بشت أنواعه، والاستغلال والضغوطات الهائلة، التي تفوق قدرتها الجسدية والعقلية والنفسية، وتعامل وكأنها ما زالت تعيش في زمن الجاهلية وتعصبها المريضة! وهذا ما تشهد عليه مئات الزيارات التي تقوم بها النساء (باختلاف أعمارهن) لشيوخ الرقية الشرعية (الدجالين منهم والمنصتين البارعين أو الخبراء بالأعشاب)، وكذلك مواعيد العيادات الخاصة بالعلاج النفسي في بعض المدن المتحضرة.

إن التعصب القبائلي (الشرقي) المتمسك بألوهية الذكور كونه مكتمل العقل والدين، صاحب القرار وزمام الأمور، يرى أن المرأة عبارة عن: فكرة نكرة لا آية مقدسة، عار يُدينك لا شرف يرفعك، مفعول بها لا فاعلة، وعاء للإنجاب لا منجبة للإنسان، جارية المنزل والفراش معا، سلعة يجوز بيعها أو شراؤها كيفما يرى ومتى ما أراد ولي أمرها. إن رضخت وسكتت فهي راضية مقتنعة! وإن تكلمت وناقشت فهي متمردة وجب قطع لسانها! وإن داعبت أنامل يديها الرقيقة قلب أحمر صغير رسمته خفيةً في زاوية دفترها الخاص فهي منحرفة الأخلاق وجب جلدها وتأديبها! وإن نبض قلبها كعصفور الكناري الصغير لشاب ما فهي أصبحت أقرب لعاهرة خسيسة وجب نحر عنقها واجتثاث وجودها من الحياة!

لا يريدون -عمداً- أن يروها كإنسان مثلهم، لها كائنيتها الرقيقة والقوية في آن واحد، لها مشاعرها تلك الخاصة بها، التي يحق الشعور بها والتعبير عنها دون خوف أو اتهام جائر من صغار العقول ومرضى القلوب.. كائن يحمل طاقة معينة من الاحتمال والصبر. إنسانة خلقها الله لتكون سيدة الاحتواء والحنان، توأم الجمال والنور وابنة الحب والعشق، لا أن تكون كائنة منبوذة ومكروهة من الوجود الذي خلقت فيه، لا أن تتربى على أن تحتقر بنات جنسها، لا أن تؤمن أنها مجرد فتنة جسد ومدخل نار، لا أن تكبر وهي مهمشة العقل ومكسورة القلب، مهانة ذليلة النفس بين أهلها وناسها... إن السؤال الذي يكرر نفسه منذ القدم للآن داخل كل رجل عاقل ذو ضمير حي، وكل امرأة تقدر نفسها، لماذا لا تزال هذه الأفكار المسمومة والاعتقادات المريضة التي تتعلق بالمرأة حاضرة بهذه القوة في مجتمعاتنا الشرقية في زمان الإنترنت والانفتاح الإنساني واحتكاك الحضارات مع بعضها؟! لماذا لم تستطع هذه المجتمعات المتعصبة حتى هذه اللحظة التخلص منها، أو حتى التقليل من حدتها وأثرها؟ ما الذي يدعم ويُمكن ويُشجع تلك الممارسات الجاهلة والظالمة مع المرأة من الاستمرار والاستقرار طوال كل هذه العصور والقرون في مجتمعاتنا؟!

هناك ثلاثة جوانب عايشتها وأدرك يقيناً أنها تلعب الدور الكبير في استمرار ظلم الأنثى أو المرأة في مجتمعنا الشرقي (العربي)، وسوف أتحدث عنها جميعاً من وجهة نظري البسيطة، في المقالة أو المقالات القادمة – إن شاء الله- راجية منه النجاح في صياغتها بشكل يليق بهذه القضية الموجعة التي تؤثر بشكل كبير علينا خاصة نحن النساء باعتبارنا كبش الفداء داخل مجتمع ولدنا وكبرنا فيه وكذلك في رؤيتنا لأنفسنا داخل الحياة نفسها.



  • 1

   نشر في 16 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا