في زمن الشدَّة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في زمن الشدَّة

  نشر في 29 ماي 2021  وآخر تعديل بتاريخ 29 ماي 2021 .

في زمن الشِّدَّة

يعتصر قلب المؤمن من انتفاش الباطل وسطوته على الدين وأهله، وكلما اتسع نفوذ الباطل شيئاً، أخذ ذلك حيِّزاً من تفكير المؤمن، نصرة لدين الله، وخوفاً على المسلمين من انكسار أمرهم، وتشتت رأيهم.

وقد أشار القرآن إلى ملحظ مهم في مثل هذه المرحلة العصيبة على المؤمنين، التي يجتمع فيها وهن العزائم، وضعف النفوس، وقلّة المعين، وكثرة المخذِّلين، فقال سبحانه وتعالى للمؤمنين بعد آيات صلاة الخوف: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، وفي هذه الآية دروس عظيمة لمثل هذه المرحلة من عمر الأمة، لابد من تصورها والوقوف معها، وتدبُّرها ومدارستها، حتى لا تضطرب الصفوف، وتضيق النفوس، ويدب داء اليأس في عضد المؤمن.

الأول: أنَّ المؤمن مأمور بالعمل للدين ولو في أحلك الظروف، وتقديم ما يمكنه في رفعة هذ الدين، ويبذل ما بوسعه ليكون هو السابق لأدوات التمكين والنصر، ولا يصيبه الوهن والذّلة، ويسلّم الأمور للعدو، بل يعمل ويبذل ويضحي ويقدم ما يحسبه خيراً لأمَّته، فقد أرشد الله المؤمنين في الآية إلى أن يبتغوا القوم ولا يهنوا ويضعفوا ويستكينوا، فلابد أن يطلبوهم، ويرونهم من الإعداد والشدة والقوة ما يُفزعهم، فالغلبة لهم، والله سبحانه وتعالى معهم بتأييده ونصره.

الثاني: ذكر الله أنَّ الألم حاصل لكل الفرقتين، وليس لفئة دون فئة، وإن كان الألم في الآية يشير إلى ألم القتل والجراح ونحوه، إلا أنَّ الدرس عام لكل ما فيه إيلام، فهذه سلوى للمؤمن، فكلَّما وجد ألماً لانكسار المؤمنين، وتأثُّرِ ثغرٍ من الثُّغور، تذكَّر أنَّ الألم على أعداء الدين أشدُّ وأنكى، وأنَّ الأيام دولٌ وتقلبات، ولا مقارنة في ألم المؤمن والكافر، فإنَّ المؤمن ملاقٍ من الحسنات والخيرات في الدنيا، ومن النعيم في الآخرة ما لا يرجوه الكفَّار، والألم في جانب الكفَّار مضاعف، فلا هم يرجون من الله نصراً -لما قد كتب الله من علوٍّ لدينه وشرعه- ولا هم راغبون في لقاء الله فالمأوى عذاب مقيم، فكفّة المؤمنين في فوزٍ وانتصار في الدنيا والآخرة.

الثالث: أنَّ المؤمن لابد أن يكون متعلق بربه ومحسن الظنَّ به على كل الأحوال، فمهما رأى من الإيلام لأهل الحق، فإنَّ الله عزَّ وجل مطلعٌ على كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، ولا يتمُّ شيء إلا بأمره، ولا تتحرك ساكنة إلا بإذنه، وهو سبحانه ينصر المؤمنين، بل جعل ذلك حقاً عليه سبحانه فقال: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) إلّا أنَّ حكمته سبحانه وتعالى اقتضت تداول الأيام بين الحق والباطل، ووقوع التمحيص في صفوف المؤمنين، ليتميَّز الخبيث من الطيب، وتسقط أقنعة الباطل التي تستَّرت بلبوس الدين حال ظهوره وصعوده، وليصطفيَ الله من عباده من يطهرهم بالابتلاءات من الحبس والإيلام ونحوها رفعة لدرجاتهم، وليبتليَ المؤمنين بما كسبوا، من التفريط في جنب الله، وميلهم إلى الدنيا والركون لها، تلك الحكم وغيرها، لا تظهر إلا بتداول الأيام، وتَبادُل المراكز في العلو والانخفاض، وتعارك الحق والباطل، فمتى عرف المؤمن تلك الحِكم والسنن الإلهية علم أنَّ دين الله منصور ولا غلبة للباطل عليه أبداً، وإن ظهر عليه حقبة من الزمن، فالله غالب على أمره، وتقديره للأمور هو أحسن تقدير، فيحسن الظن بربه، ويرجو منه الخير والتوفيق والإعانة والنصر، ولهذا قال سبحانه:(وترجون من الله ما لايرجون) ، فالمؤمن يقبل على الشدَّة وهو يعلم أنَّ العاقبة له، والكافر في رخائه يخشى ويخاف العاقبة.

الرابع: أنَّ المؤمن الصادق يطلب أموره كلَّها من الله، فيكون قلبه متوجّهاً لله في أمور الدنيا والآخرة، وأنَّ حالة الضعف والانكسار تستدعي طلب العون والتوفيق والخير منه، فالكافر مهما بلغت قوته فهو ضعيف، فلا رجاء له غير ما يجد من غلبة مؤقتة، أمّا المؤمن فيرجو من ربه الخير والظفر، والنصر والتمكين، والتوفيق لأسباب السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة.

الخامس: عقيدة المسلم التي لا تفارق فؤاده أنَّ الله مطَّلِعٌ على كلّ الأمور، عليم بكل شيء، حكيم يضع الأمور في أحسن المواضع، فلا يجدر بالمؤمن أن يُظهر شيئاً من التسخُّط لأمره، أو يظنَّ بربه الظنون، بل عليه أن يتَّهم نفسه في أسباب الضعف والهزيمة، فالذنوب والمعاصي باب لكل شر وهوان، ومردُّ كل بلية وضررٍ في أمور الدنيا والآخرة، وإلَّا فالعاقبة للمؤمنين متى كانوا مؤمنين حقاً، يؤدون من الدين القدر الذي شُرع لهم، ويتبعون كل سنَّة، ويمقتون كل بدعة، أما عن النصر فلينصرنَّ الله حزبه المؤمنين، ولو قعد الكفّار لهم كلَّ مرصد، وأحاطوا بهم من كلِّ مكان، وضيّقوا عليهم مجاري النفس، فالله ناصرهم، ورافع شأنهم، ومظهرهم على الكافرين، ومبلغهم النصر والتمكين، (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).



  • علي عسيري
    شغوف باللغة العربية، أميل للقراءات الفكرية والتأصيلية.
   نشر في 29 ماي 2021  وآخر تعديل بتاريخ 29 ماي 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا